وروى أبو داود في السنن أن أمير مكة خطب، ثم قال: عهد إلينا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أن ننسك لرؤيته، فإن لم يره، وشهد شاهدا عدل، نسكنا بشهادتهما، ثم قال: وشهد هذا من رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأومأ بيده إلى ابن عمر ـ فقال: بذلك أمرنا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فدل ذلك على أنَّه أمر ـ إذا لم يكن رؤية ـ أن ننسك بشهادة عدلين، على أن الأصل أن لا رؤية، فلا يثبت إلاَّ بما ورد به الشرع، والشرع ورد بما ذكرناه.
فإن قيل: روي أن ابن عمر قال: تراءينا الهلال مع النبي(1) صلى الله عليه وآله وسلم، فرأيته ـ أنا ـ وأخبرته(2) فصام، وأمر الناس بالصيام، وهذا يدل على أن شهادة الواحد توجب الصوم.
قيل له: لا يمتنع أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان شهد عنده قبله عدل آخر، فتمت الشهادة لَمَّا شهد ابن عمر؛ إذ ليس في الخبر أنَّه لم يكن إلاَّ بشهادته.
وهكذا الجواب عما روي عن عكرمة، عن ابن عباس، أن أعرابياً أخبر أنَّه رأى الهلال، فامتحنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالشهادتين، ثم أمر الناس بالصيام؛ إذ ليس في الخبرـ أيضاً ـ أنَّه لم يكن إلاَّ بشهادته.
ويؤكد ذلك ما روي عن علي عليه السلام أنَّه قال: (إذا شهد ذوا عدل أنهما رأيا الهلال، فصوموا، وافطروا).
ومن جهة النظر لا خلاف أنَّ هلال شوال، وذي الحجة لا تثبت إلاَّ بشهادة عدلين، فكذلك هلال رمضان، والمعنى أنها شهادة على رؤية الهلال.
فإن قاسوها على شهادة الواحد بزوال النجاسة عن الثوب أنها تجيز الصلاة، فكذلك شهادة الواحد بالرؤية تجيز الصوم على أنَّه من رمضان؛ لأن كل واحد منهما شهادةٌ بارتفاع المانع من تلك العبادة من غير أن يتعلق بحقوق(3) الآدميين، فإذا حصل الجواز، ثبت الوجوب؛ إذ لا قول بعده إلاَّ القول بالوجوب.
قيل له: قياسنا أولى من وجوه:
__________
(1) ـ في (أ): رسول الله.
(2) ـ في (أ): فأخبرته.
(3) ـ في (أ): به حقوق.(35/2)