قيل له: أمر اللّه عزَّ وجل بإخراجها على الإطلاق من غير مطالبة مطالب يوجب عليه إخراجها فهو جار مجرى مطالبة صاحب الوديعة بردها، فقد حصل في الزكاة ما يجري مجري مطالبة رد الوديعة بردها، فقد حصل في الزكاة ما يجري مجرى مطالبة رد الوديعة بردها، وهو أمر اللّه تعالى بإخراجها.
فإن قيل: فلو أن جماعة أودعوا رجلاً شيئاً واشترطوا أن لا يرده إلاَّ على جماعتهم، فطالبه به واحد منهم فلم يرده عليه لم يضمن لما كان الشرط لجماعة، فكذلك الزكاة؛ لأنها لجماعة.
قيل له: إنَّه لا يضمن الوديعة إذا كانت الحال ما ذكرت؛ لأنَّه لا يجب عليه ردها على واحد بل يحرم ذلك عليه، وليس كذلك الزكاة؛ لأنها واجب عليه إخراجها، فحصل فيها التفريط، ولم يحصل التفريط من لم يرد الوديعة، والحال ما وصفت. يبين ذلك أن الجماعة لو طالبوه بردها ولم يردها وتلفت ضمنها، فبان أن الحكم تعلق بالتفريط لا بكون المفرط فيه لجماعة أو لواحد.
وما يشهد لصحة علتنا ويؤكدها أنا وجدنا كل مال يضمنه الإنسان بالاستهلاك يضمنه إذا تلف مع امتناعه من توفيره على مستحقه مع وجوب التوفير عليه، فوجب أن تكون الزكاة كذلك؛ لأنَّه لا خلاف أنها تضمن لو استهلكت.
فأما ما ذكرناه في أول المسألة من أن المال إذا تلف قبل وجوب الزكاة فيه فلا زكاة فيه على صاحبه، فلا خلاف فيه، وأنه لا وجه لتضمينه مالم تجب؛ لأن التضمين تابع للوجوب.
وقلنا: إن وقت وجوب العشر هو أن يصير فيه حبة، ويتبين صلاحه؛ لأنَّه قبل ذلك لا خلاف أنَّه لا يجب فيه شيء؛ ولأنه هو الوقت الذي يجوز أن ينتفع به؛ ولأنه لا خلاف أن قبل ذلك الوقت لا يكون وقت الخرص.
مسألة
قال: وإذا كان كذلك وجب خرصه إذا حصد أوجذ أو قطف، أخذ منه عشر ما كان خرص أو نصف عشره على قدر سقيه.(27/28)
ونص في (الأحكام) على أن العنب إذا كان يزبب، فإنه يؤخذ منه عشره، أو نصف عشره على قدر سقيه عند كمال تزبيبه، وما لم يكن يزبب فإنه يخرص، ثم يفعل فيه الإمام برأيه، فإن رأى أخذه رطباً، أو بيعه كذلك في رؤوس الشجر فعل، وإن رأى تركه في رؤوس الشجر حتى يجف فعل، ووكل به من يحفظه، وإن دفعه إلى أربابه أخذ منهم عند الجفاف ما كان خرص فيه، والتمر والعنب في ذلك سواء.
والأصل في الخرص ما:
أخبرنا به أبو العباس الحسني رحمه اللّه، قال: أخبرنا عيسى بن محمد العلوي، قال: حدثنا الحسين بن القاسم القلانسي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن جعفر العلوي، عن عمه علي بن أبي الحسين عليه السلام، عن أبي هاشم المحمدي، قال: حدثني أبوك الحسين بن علي بن [الحسن بن] عمر بن علي بن الحسين بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي بن الحسين عليهم السلام ((أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أن تخرص أعناب ثقيف كخرص النخل، ثم تؤدى زكاته زبيباً ما تؤدى زكاة النخل تمراً))، فجعل الخرص علماً لمعرفة حق المساكين.
وأخبرنا أبو العباس الحسني رحمه الله، قال: أخبرنا أبو أحمد الأنماطي، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن حرام بن عثمان، عن ابن جابر، عن جابر بن عبدالله الأنصاري: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث رجلاً من الأنصار يقال له: فروة بن عمرو يخرص تمر أهل المدين.(27/29)
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا أبو عون الزيادي، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان، قال: حدثنا أبو الزبير، عن جابر، قال: لما أفاء اللّه خيبر على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أقرهم كما كانوا وجعلها بينه وبينهم، وبعث عبدالله بن رواحة فخرصها عليهم، ثم قال: يا معشر اليهود، أنتم أبغض الخلق إليَّ، قتلتم أنبياء اللّه، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم أن أحيف عليكم، وقد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي.
وأخبرنا أبو بكر، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا أحمد بن داود، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا عبد الله بن نافع وهو الصائغ، قال: حدثنا محمد بن صالح، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن عتاب بن أسيد: أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يخرص العنب زبيباً كما يخرص التمر.
وروي عن أبي بكر أنَّه كان يأمر بالخرص.
وعن عمر أنَّه بعث سهل بن أبي خيثمة يخرص على الناس.
وروي عنه أنَّه بعث ابنه عبدالله ليخرص على أهل خيبر، ولم يرو أن أحداً من الصحابة أنكر ذلك.
وأخبرنا أبو بكر، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا علي بن عبدالرحمن، وأحمد بن داود، قالا: حدثنا القعنبي، قال: حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثنا عمرو بن يحيى المازني، عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبي حميد الساعدي، قال: خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في غزوة تبوك، فأتينا وادي القرى على حديقة امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((اخرصوها ))، فخرصها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشرة أوسق، وقال: ((أحصيها حتى أرجع إليك إن شاء الله ))، قال: فلما قدمنا سألها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((كم مبلغ ثمرها ))؟ فقالت: عشرة أوسق، يا رسول اللّه.(27/30)
ومما يدل على ذلك أنَّه قد ثبت أن للفقراء حقاً في الثمار، وأنه لا يجوز أن يعدل عنه إلى القيمة، ولا خلاف أن لأربابها الانتفاع به في حال كونه رطباً، وذلك لا يمكن إلاَّ بالخرص، فوجب أن يكون القول به صحيحاً.
فإن قيل: روى أبو الزبير عن جابر، أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الخرص، وقال: ((أرأيتم إن هلك الثمر، أيحب أحدكم أن يأكل مال أخيه باطلاً))؟
قيل له: المراد به أن يلزم بالخرص إلزاماً يؤخذ به وإن هلك الثمر؛ لأنَّه قد نبه على ذلك في آخر الحديث.
فإن قيل: إن الخرص ضرب من المخاطرة وهو من القمار، فيجب أن يكون منسوخاً.
قيل له: إنَّه لا يجري مجرى القمار، وإنما يجري مجرى التقدير في قيم المتلفات، وأروش الجنايات، فلا يجب أن يكون منسوخاً، على أنَّه لو كان منسوخاً لم يعمل به بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ثبت أن أبا بكر وعمر قد أمرا بالخرص بمحضر جماعة من المهاجرين والأنصار، ولم يرو أن أحداً أنكره، فبطل بذلك قول من ادعى نسخه، على أن النسخ لا يثبت إلاَّ بشرع يوجبه، ولم يرو شرع يقتضيه، فلا وجه للقول به.
فإن قيل: لو كان الخرص صحيحاً لم يجب الرجوع إلى قول صاحب المال إذا ادعى نقصان الثمر.
قيل له: لا يمتنع ذلك؛ لأن الخرص دخل رفقاً برب الثمر ليمكنه من الانتفاع به، فلم يمتنع أن يسمع قوله إذا ادعى نقصان المال بعد الخرص، على أنَّه غير محفوظ عن يحيى عليه السلام أنَّه يسمع قول رب المال إذا ادعى النقصان بعد الخرص، فلو امتنعنا منه لم يبعد.
فإن قيل: إن الخرص لو أمكن أن يعلم به مقدار الثمر، لجازت القسمة به، وكذلك البيع، ولجاز ذلك والثمار على الأرض.(27/31)
قيل له: الخرص يستعمل حيث وردت به السنة، فأما حيث لم ترد به السنة، فأما حيث لم ترد به السنة فلا وجه لاستعماله فيه إلاَّ من طريق القياس، وقد أجمعوا على أن لا يستعمل في غير ما وردت به، فلم يكن للقياس فيه مساغ، على أنَّه إذا لم يجز استعماله في مواضع، لم يجب أن لا يجوز استعماله حيث استعمله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من بعده.
فإن قيل: الخرص هو رجوع إلى الظن، والظن يصيب ويخطئ، وليس له أصل يرجع إليه.
قيل له: هذا الذي قلتم لا معنى له؛ لأن قيم المتلفات وأروش كثير من الجنايات هذا سبيلها، ومع ذلك فلا يجب أن تبطل.
فإن قيل: لو صح أن يعرف بالخرص مقدار حق المساكين من العنب والتمر، صح أن يعرف به ذلك من الحبوب.
قيل له: الجواب عنه ما قدمنا من أن الخرص يستعمل حيث وردت به السنة على أن البر لا ينتفع به غالباً إلاَّ في حال اليبس فلم تدع الضرورة إلى خرصه، والتمر ينتفع به غالباً في حال الرطوبة، فدعت الضرورة إلى خرصه، فوجب الفرق بينهما.
باب القول في زكاة الذهب والفضة
لا زكاة في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالاً، ففيه ربع عشرها، وهو نصف مثقال، فإن زاد عليه قليل أو كثير، وجب في الزيادة ربع عشرها، ولا يجب في الفضة حتى تبلغ مأتي درهم، فإذا بلغت مائتي درهم ففيها ربع عشرها، وهو خمسة دراهم، والقول فزيادتها كالقول في زيادة الذهب.
وذلك كله أجمع منصوص عليه في (الأحكام) و(المنتخب)، خلا زيادة الذهب، فإنه منصوص عليه في (الأحكام) دون (المنتخب)، وهو قول القاسم عليه السلام، رواه عنه النيروسي.
والقول في: أنَّه لا زكاة في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالاً، هو قول عامة الفقهاء من أهل البيت عليهم السلام وغيرهم.
وروي عن عطاء أنَّه قال: إذا كان لرجل خمسة عشر ديناراً قيمتها مائتا درهم ففيها ربع العشر. وروي نحوه عن الناصر عليه السلام، وروي عنه ـ أيضاً ـ خلافه.
والأصل فيه ما:(27/32)