فأما من لم يتمكن بوجه من الوجوه من الخروج لضعف وفقد دليلٍ وقلة تمكن فإيمانه باقٍ وحرمته باقية، وإن أمكن المسلمين تمييزه عند الظهور على الدار ميز حكمه وإلا لحقه ما لحق القوم في الدنيا وميزه الله في الآخرة، ولا أعظم من كونالمؤمن ظهيراً للمجرمين؛ لأن أشد المظاهرة وأعظمها تقويتهم بالخراج وكونهم مستضعفين فيما بينهم لا يخرجهم عن حكمهم، ألا ترى أن الله تعالى رد حجتهم داحضة خاسئة بقوله تعالى: ?قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ?[النساء:97] فرد ذلك تعالى بقوله: ?قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا?[النساء:97].
فأماّ إقامة نوح فهو نبي مرسل فرضه مجاورة الكافرين ومجاورتهم إلى حد الإياس ووجبت الهجرة، كما قال تعالى حاكياً عن إبراهيم - عليه السلام -: ?إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي?[العنكبوت:26] وكانت هجرة نوح - عليه السلام - إلى السفينة، قال تعالى: ?فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِر، فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ?[القمر:10-14] وكذلك موسى وهارون - عليهما السلام - لما وقع الإياس هاجروا، وقصص الأنبياء -عليهم السلام- بذلك معلومة، فإقامتهم كانت بالأمر من الله سبحانه لغرض عند ارتفاعه وجبت الهجرة والإنفصال.(1/476)


وأمور من تقدم من العلماء الذين أقاموا في بلاد الغز وهم أهل جبر وتشبيه تحمل على السلامة لصحة اعتقادهم أولاً؛ لأن الدار استوت في الحكم فتعذر عليهم الانتقال إلى جهة تجب المهاجرة إليها على أن للعلماء حكماً خاصاً، وهو أنهم ورثة الأنبياء كما رويناه بالإسناد، وفرض الأنبياء عليهم السلام معاشرة الكفار لإبلاغ الحجة عليهم، فكذلك العلماء، فلو هرب العالم بعلمه لكان قد أخل بما وجب عليه لربه من البيان في الفعل والترك، والنفي والإثبات.
ومن هاجر من دار الحرب وله فيها مالٌ أو دين وعليه لأهل الدار دينٌ سقطت الأموال والحقوق باختلاف الدارين إلا ما كان للمساجد فلا يسقط.
(ح) والأصح في ذلك ما ذكره يحيى عليه السلام في الباب الثاني أن الديون لا تسقط سواء كانت مما لها بالآدمي تعلق أو لا، وهو مذهب سائر أصحابنا عليهم السلام. [ذكره محمد بن أسعد].(1/477)


باب التوبة
التوبة هي الندم على (ما فات) والعزم أن لا يعود أبداً إلى مثله لأجل قبحه، ومثل هذا لا يكون من المطرفي ولا من الباطني؛ لأن المطرفي يعتقد وجوب الكذب للأغراض، والباطني يتمسلم للمسلم ويتهود لليهودي، فأكثر ما فيه تمسلمه لنا، فإن وجدت طريق إلى صحة توبته وجب قبولها شرعاً، وهذا لا يتقدّر إلا في الأعراب ومن جانسهم ممن يغلب على الظن طلبه للنجاة فيخدعه القوم، فالحاكم يراجع نفسه في ذلك، فإن حصل له غالب الظن قبلت توبته وإلا لم يجز؛ لأن أقل ما تثبت به الأحكام الشرعية هو غالب الظن.
فأما في علمائهم وأهل أحكام الدعوة منهم فلا يتقدر ذلك فيهم إلا أن يظهر بتوبة ويبدو صلاحه بإظهار محاربتهم وعظم النكاية فيهم على مرور الأيام، والتزام أحكام ظواهر الشرع النبوي زاده الله جلالة وشرفاً، ثم يأتينا بعد ذلك فإنه يقبل.
وعلامة صحة التوبة الاستمرار على الحق، وموالاة أهله، والكراهة للباطل، ومعاندة أهله، وليس في ذلك مدة معلومة، وأقرب ما يعتبر في ذلك سنة تقريباً لا تحقيقاً، وإلا فالرجوع في ذلك إلى غالب ظن الإمام أو الحاكم.
ومن تاب من المطرفية وسائر المرتدين سقط عنه حكم ما لزمه من نذرٍ أو كفارةٍ أو صلاةٍ أو صيامٍ ولا تسقط عنه حقوق الآدميين، فإن كان حربياً في الأصل ثم تاب ورجع إلى الإسلام سقط عنه الكل.
ومن أظهر البراءة من مذهب كفر والإمام يعرف كذبه أو يغلب على ظنه لم يسقط عنه حكم الكفر، دليله قصة العباس يوم بدرٍ وقصة أبي عزة.(1/478)


[(ح) لأن أبا عزة قد كان أسره رسول الله صلى الله عليه ومنّ عليه بعد أن أظهر الإسلام خديعة منه، ثم ظفر به ثانياً فأظهر الإسلام، فقال - عليه السلام -: ((لا يلدغ المؤمن … الخبر))]*.
(ص) وقوله صلى الله عليه: ((لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)). وفعال الهادي (إلى الحق) - عليه السلام - في بلاد وائلة وخراب دورهم وقطع أعنابهم، وهم يجأرون بالتوبة لما علم خبث سرائرهم.
وروينا عن أبي جعفر محمد بن جرير يرفعه إلى أبي بكر أن توبة المتمرد لا تقبل، ولم ينكر ذلك أحدٌ من الصحابة، وبه قضوا جميعاً - رضي الله عنهم - في أصحاب الأسود العنسي، وذلك معلومٌ لمن علم الآثار.
تم الكتاب بمن الله وعونه
[وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وسلم](1/479)


(مسألة في تكفير المجبرة وأحكامهم)
هذه المسألة كلها إضافة في النسخة (أ)، ولا توجد في النسخة (ب).
اختلف العلماء في المجبرة على قولين، منهم من توقف في تكفيرهم وهو السيد [المؤيد] بالله قدس الله روحه، وبه قال الشيخ أبو الفضل بن شروين، ومحمد بن المسيب، وعلى هذا القول لا يجوز أخذ أموالهم، ولا سفك دمائهم.
وقال السيد (م) بالله: من أخذ مال المجبرة في بلده أو بلد غيره لزمه رده عليه.
وقال سائر العلماء الزيدية والمعتزلة بتكفيرهم، وادعى السيد الإمام أبو عبد الله الداعي - عليه السلام - إجماع أهل البيت عليهم السلام على تكفيرهم، وهو مذهب الأئمة الفضلاء: القاسم بن إبراهيم، والهادي إلى الحق يحيى بن الحسين وأولادهما - عليهما السلام -، وهو مذهب الناصر للحق الحسن بن علي، وهو قول المعتزلة: كأبي علي، وأبي هاشم، وقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد، والصاحب الجليل كافي الكفاة، وبه قال أبو القاسم البلخي، وأبو القاسم السبتي من أصحاب قاضي القضاة، وأبو الهذيل العلاف، ثم اختلف من قال بتكفيرهم على ثلاثة أقاويل:
منهم من قال: حكمهم حكم أهل الذمة، وهو المروي عن أبي الحسن الكرخي، وقال أبو القاسم البلخي: المجبرة وإن كفروا فلا يجوز سبي ذراريهم، واستباحة أموالهم؛ لأن كفرهم من جهة التأويل.(1/480)

96 / 97
ع
En
A+
A-