(ح) [قال محمد بن أسعد:] هذا مثل ضربه - عليه السلام - لعلم الأئمة واجتهادهم وإن اجتهادهم بمنزلة المعدن الذي يستخرج منه الجواهر على مراتبها في الجودة والضعف والقلة والكثرة، فلا يجوز لأحد طرح شيء من ذلك ولا إنكاره.
(ص) ولا يجوز عندنا للمجتهد أن يقلد من هو أعلم منه، بل يرجع إلى رأي نفسه، وفيه خلاف بين العلماء قد شرحناه في صفوة الاختيار.(1/471)


باب الهجرة والحث عليها
الهجرة واجبة عن بلد المخالفين، وإن أظهروا الجدل ونهوا عن ظاهر المنكر إذا كان سلطان البلد ظالماً.
والظاهر من مذهب أهل البيت - عليهم السلام - وجوب الهجرة، وأن من أخل بذلك فأقل أحواله الفسق، وذلك معروف في كتبهم.
وقد روينا أن بعض أشياعنا سأل محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن - عليهم السلام - وهو النفس الزكية قبل خروجه، فقال: يا ابن رسول الله، متى يكون هذا الأمر - يعني خروجه -؟ فقال: وما يَسُركَ منه؟ قال: ولم لا أستر بأمر يعز الله به المؤمنين ويخزي به الفاسقين. قال: يا فلان، أنا والله خارجٌ، وأنا والله مقتول، ولكن والله ما يسرني أنّ لي ما طلعت عليه الشمس وأني تركت قتالهم، يا أبا فلان، إن امرءاً لا يمسي حزيناً ويصبح حزيناً مما يعاين من أفعالهم لمغبون مفتون. قال: قلت: يا ابن رسول الله، فكيف بنا ونحن بين أظهرهم لا نستطيع لهم رداً، ولا لفعلهم تغييراً؟ قال: فقال - عليه السلام -: اقطعوا أرضهم. فأوجب الهجرة كما ترى.
فأما القاسم بن إبراهيم - عليه السلام - فهو من أشدّ الأئمة أمراً بها، وكذلك أولاده ذكروا ذلك في كتبهم وتصانيفهم، ولمحمد بن القاسم -عليه السلام- كتاب (الهجرة)، وكذلك يحيى - عليه السلام - وأولاده يوجبونها في وقت الإمام إليه وفي غير وقته أيضاً.(1/472)


وقد ذكر الحاكم - رحمه الله - في (تحكيم العقول) أن من علم أن الانتقال من جهة إلى جهة يكون أقرب إلى فعل الطاعات وترك المعاصي وجب عليه الانتقال، ولا شك أن الطاعة مع المتمسكين بظاهر الإسلام أهون، والعبد إليها مع الصالحين أقرب، ومن كان لا يخلو سمعه في كثير من الأوقات من الأصوات المنكرة ومشاهدة العهار والبغايا يتجاذبون، والسكارى يتراتعون ويتصايحون فإنه يقسو قلبه، ويزداد أنساً بالمعاصي، وهذا كله في غير وقت الإمام، فأما في وقته فمن سمع واعيته ولم يجبه كبه الله على منخريه في نار جهنم، وإجابته لا تكون بالإقامة في دار عدوه، وتغليظ سواد محاربه، والمعونة لمن يصب الحرب له، وسواء كانت المعونة باختيار المعين أو بغير اختياره؛ لأن الهجرة عنهم كانت تمكنه، كما أن رسول الله صلى الله عليه أسر العباس عمّه مع قوله: كنت مسلماً وإنما أكرهني القوم، فلم يجعل قوله عذراً له في ترك الهجرة ومباينتهم وجعله عوناً لهم وإن كان مكرهاً، وقد ثبت من دين أهل البيت - عليهم السلام - أن الخاذل لهم فاسق، ومن المعلوم أن الساكن مع الظالمين أكثر مضرة، وأنفع للفاسقين، وأقبح حالة، وأبشع جرماً من الخاذلين.(1/473)


فإن كانت الدار الغالب عليها الكفر من قول باطن أو جبر أو تشبيه ولهم السيف والمنبر فحكم المقيم بينهم إذا كان متمكناً من الخروج والهجرة حكمهم في الكفر، وإن كان الغالب عليها الفسق فحكمهم في أيام الإمام حكم الفاسقين، وفي غير وقته حكم الصالحين إلا أن يغلب في الظن أنهم إذا انفصلوا عنها يكونون أقرب إلى فعل الطاعات وترك المقبحات فالهجرة عنها واجبة عليهم في وقت الإمام وغير وقته، ويفسق من لا يخرج، وإن كان ظاهره الصلاح (بالدين والعدل والتوحيد)، ومن احتج بقوله (ـ عليه السلام -): ((لا هجرة بعد الفتح)) واعتقد نفي الهجرة عن المعاصي وإلى الإمام فهو من أجهل الجاهلين وأذهل الذاهلين، إنما كان من لم يهاجر إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - وإن كان مسلماً انقطعت ولايته وتعينت عداوته، وقال تعالى: ?مَا لَكُم مِنْ وَلايَتِهِم مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا?[الأنفال:72]، فلما فتحت مكة صارت جزيرة العرب كلها هجرة، وإلى أين يهاجر المهاجر والحكم واحد في شمول الإسلام (للجزيرة العربية) من آيلة إلى (حصن) أبي موسى إلى عمان إلى عدن إلى بحر الحبشة، فإلى أين يهاجر إلى الفرس أم إلى الروم، وكذلك في وقت الإمام متى ظهر أمره سقط حكم الهجرة؛ لأن تلك الأرض تصير كلها تحت أمره.(1/474)


وقلنا: تجب الهجرة وإن أظهروا العدل ونهوا من كثير من المناكير إذا كان لهم السيف والمنبر؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وآله - هاجر من مكة وأمر أصحابه بالهجرة مع أنهم كان لهم بعض المنعة، وكانوا يتظاهرون بدين الإسلام، ويعلنون به، ويقاتلون، كما فعل حمزة بن عبد المطلب في رأس الكفر أبي جهل بن هشام وشجه الشجة العظيمة بالقوس في نادي بني مخزوم فما قدروا على التغيير، وكذلك سعد بن أبي وقاص وضربه للمشرك بلحى بعير ميت فشجه شجة عظيمة، وهو أول من أسال دم الكفار في دعوة النبي - صلى الله عليه وآله - فأمرهم الله بالهجرة، وكانت الدار في هذه الحال دار كفر لما كان الغالب الكفر.
ومن أقام في دار الحرب مساكناً ومتابعاً لهم تجري عليه أحكامهم وتنفذ فيه أوامرهم بغير إذن الإمام، أو جاورهم أكثر من سنة فإن حكمه يكون حكمهم، ولا تعصمه طاعاته؛ لأن إخلاده إلى القوة ينقض حكم إيمانه شرعاً، وقد قال تعالى: ?وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ?[هود:113]، ولا يسلم بقاء الإيمان لمن اختار سكنى دار الكفر سواءً كان رجلاً أو امرأةً ممن يتمكن من الخروج بأي سبب كان، حتى أنه يجوز للمرأة الخروج من دار الكفر من غير محرمٍ، ولا يجوز في سائر الأسفار، كما فعلت أم سلمة رحمها الله في خروجها إلى المدينة، وزينب ابنة رسول الله صلى الله عليه في خروجها مرتين بغير محرم مرة مع أخ زوجها وليس لها بمحرم، ومرة مع رجل آخر من المشركين.(1/475)

95 / 97
ع
En
A+
A-