فصل فيما يجوز للمحتسب (وما لا يجوز)
المحتسب يجب أن يختص بالعقل الوافر، والورع الكامل، وحسن الرأي، وجودة التدبير، والعلم بقبح ما ينهي عنه، ووجوب ما يأمر به، وسواء علم ذلك أو قلد فيه وأمضى فتوى العالم به.
ويجوز للمحتسب أن يحارب لإزالة المنكر، ويأخذ للدفع عن المسلمين نصيباً من أموالهم وإن كره بعضهم، وليس له فعل ذلك كرهاً لإظهار معالم الدين ولا لتقويته، ولا له الإكراه على إخراج الحقوق ولا المحاربة على ترك الواجب، ويجب أن ينهي بلسانه ثم بالسيف على مراتبه.
وأما الأمر بالمعروف فبلسانه دون سيفه، وله سد الثغور، وتجييش الجيوش للدفع عن المسلمين، وحفظ ضعفتهم عن شياطينهم بالقول والفعل، والدعاء إلى طاعة الله، وعليه التأهب لإجابة دعوة الداعي من عترة رسول الله - صلى الله عليه وآله - وحفظ الأوقاف، وتفقد المساجد والمناهل والسبل، والمنع من التهارج والتظالم، وليس إليه شيء من الحدود، ولا قصد الظالمين إلى ديارهم؛ لأن ذلك للسابق لا غير أو نائبه، وكذلك ليس له قتل من لم ينقد للحق، ومن يمتنع من إخراج حق الله تعالى.
ويجوز قيام محتسبين أو جماعة في وقت واحد في جهاتٍ متفرقة إذا دعت إلى ذلك حاجة.
ولا بد من تباين الديار؛ لأن احتساب أكثر من واحد في جهة واحدة يلزم منه التنازع فينتقض معه الغرض الذي لأجله طلب هذا المعنى.
وينعزل المحتسب عند قيام السابق ويقر ما سبق من عقوده.
(ح) وأحكامه لما مضى دون ما يستدام.(1/466)
(ح) قال الفقيه الإمام محمد بن أسعد أبقاه الله وأيده: المراد به فيما خالف كتاب الله والسنة، فأما فيما وافقهما فيجب أن ينفذ حكمه؛ لأنه إما حاكم أو حكم، ولا يقصر حاله عن أحد منهما، بل له من الولاية ما ليس لهما، فوجب حمل المسألة على ذلك والله أعلم.
(ص) وإن رأى السابق نقض المستدام فله ذلك.
(ص) وليس في وقت المحتسب مؤلفة من مال الله فلهذا لا يكره أحدا على تسليم ماله إلا برضاه، فإن أكرهه ضمن.(1/467)
باب الاجتهاد وذكر المفتي والمستفتي
وإذا غلب على ظن المستفتي أن أحد الإمامين أولى بالاتباع بأن يكون أعلم على الجملة كان اتباعه أولى، ويؤخذ برخصه وعزائمه إلا أن يلزمه إمام الوقت العمل بفتاويه لزمه ذلك وحرم خلافه؛ لأنه كالحكم عليه فينقطع الإجتهاد، فإن رجع إلى مذهب الإمام الثاني قبل أن تمر الصلاة المتروكة لزم فعلها على الرأي الآخر وقضاؤها إن كان قد فعلها.
[(ح) ومثله حصل كثير من المشائخ على مذهب يحيى والمؤيد بالله، والشيخ أحمد الكني حصل من مذهب الجميع أنه لا تجب الإعادة لا في الوقت ولا بعده].
(ص) ويجب امتثال إلزام الإمام وإن خالف مذهب المستفتي.
والفتوى المطلقة لا تكون إلا لمذهب إمام الوقت إن علم، فإن كان مذهب غيره عين صاحب المذهب ما لم يكن المفتي مجتهداً.
ومن وقف على مسألة شرعية واحتاج إليها هو أو غيره جاز له أن يعمل على ذلك إذا تعذر عليه الوصول إلى المفتي، وكذلك له أن يحكي ذلك لغيره حكايةً لا فتوى، وتقليد الحي أولى من تقليد الميت.
ومن قلد الإمام الماضي في جملة أقواله دخلت المسألة الحادثة في جملتها، وإن كان إمام عصره لا يرى بها إلا أن يلزمه إمامه الرجوع [إلى قوله] كان كالحكم عليه.(1/468)
وللإمام أن يوجب باجتهاده ما لم يكن واجباً كأخذ قسط من المال عند الحاجة، والامتناع مما يجوز فعله إذا رآه مصلحةً، كما فعل - صلى الله عليه وآله - تارةً أخذ وتارة صفح، كما (عفى عن أهل الطائف) بعد قطع طائفة من أعنابهم، وكذلك في بني مدلج ترك غزوهم وهم يستحقون الغزو والقتل والسبي، وترك لعن حمير، وشدد في قتل قريش، ورفع القتل عنهم يوم الفتح، وقتل من بني قريظة سبعمائة وخمسين صبراً، وأمر بقتل قومٍ غيلةً، وأمر بقتل رجال ونساء يوم الفتح بكل حال.
وأخذ الهادي - عليه السلام - من بعض البغاة ورد لآخرين منهم، وأخذ قرى، وهدم أخرى، وعم بعضاً، وخص بعضاً.
وأما صوره السياسية فحكمها في الأصل يرجع إلى صورة الاجتهاد ولا أصل له معين فهو شبيه بالإجتهاد فيفعله صاحب الأمر بحكم الولاية العامة له أو لمن ولاه، وطريقه إليه غلبة الظن لأمارات صحيحة تظهر له.
والدليل على جوازه ما رويناه أن أمير المؤمنين - عليه السلام - حكم بشهادة بعض الصبيان على بعض، وهذا من السياسة، ومن ذلك جواز الحبس بالتهمة وهو سياسة، وأصل ذلك القسامة لأنها سياسة محضة، وقد حكم بها كثير من أهل البيت - عليهم السلام - أعني السياسة، وكذلك القسامة هي من أقوى الأدلة على حكم السياسة؛ لأن القتيل إذا أصبح قتيلاً في بلد لزم أهلها بعد أيمانهم ما قتلوا ولا علموا، فما السياسة إلا هذا، وليس مع أهله شاهد ولا يمين.(1/469)
ولا يجب فيما رآه الإمام أن يكون منصوصاً لمن قبله من نبي أو إمام؛ لأن القول بذلك يؤدي إلى قطع اجتهاد المجتهدين، وقد فعل ذلك علي - عليه السلام - أعني الاجتهاد في الحوادث في مال المحتكر وقد ذكرناه، وقال: لو ترك لي أمير المؤمنين مالي لربحت مثل عطاء أهل الكوفة. وعطاء جند الكوفة يومئذٍ مائة ألف مثقال، وكذلك أمره بتحريق رقعة الشطرنج وإقامة كل واحد ممن لعب به معقولاً على فرد رجل إلى صلاة الظهر، فقالوا: لا نعود، فقال - عليه السلام -: إن عدتم عدنا. وكذلك مشورة علي بن الحسين - عليهما السلام - على عبد الملك بن مروان بمنع المسلمين من المبايعة بنقود المشركين في ديار الإسلام، وكذلك فعل عمر في ثمن دور من امتنع من بيعها ليوسع الحرم الشريف وترك أثمانها في بيت المال ولم ينكر عليه أحدٌ، وقد أقطع رسول الله - صلى الله عليه وآله - الأبيض بن جمال جبل الملح بمأرب، ولما استكثره بعض الحاضرين استرجعه، وأقطع رجلاً من ربيعة الدهناء وغير ذلك، وكذلك الناصر أحمد بن يحيى عليهما السلام أقرّ أسعد بن يعفر وأحمد بن محمد الضحاك وغيرهما من رؤساء اليمن على رئاستهم وأعمالهم.
(ولا يحكم) على الأئمة لأنهم معدن العلم، وما خرج من علم الآخر أضيف زيادة في علم الأول، كقوم لهم معدن يستخرج منه الياقوت والجوهر على قدر ما يرزقهم الله سبحانه من الكثرة والقلة والجودة مع أن المعدن والجنس واحد.(1/470)