واعلم أن الواجب على كل مسلم أن يحقق لإمامه أمره على جليته ولا يزيد في تغليظ العذر بما لا يعلمه إلا الله، فهو كمن يخاصم في شيء يعلم أنه فيه مبطلٌ في الباطن، وإن اعتل بطلب العلم فالجهاد لا ينافي العلم، ولو كان كذلك لسقط الفرض عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله - لأن الحاجة إلى العلم في ذلك الأوان كانت أمس؛ لقرب الناس بالجاهلية وعبادة الأوثان، والمأثور عن رسول الله - صلى الله عليه وآله - أنه كان يلزمهم فرض الجهاد في جميع الأحوال ويطلبون العلم في خلال ذلك لكونهم في المعرفة مراتب.
[حاشية: يعني أن المأثور عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه لم يأمر أحداً ممن وصل إليه للإسلام بترك الجهاد والإشتغال بالتعلم، بل كان يأمرهم بالجهاد فلأنه أهم وأوجب].
والأثر عن النبي صلى الله عليه أن أحداً ما وصله فقال له: ((دع الجهاد وتفرغ للعلم))، بل منهم من يسأله: هل أنت رسول الله؟ فيقول: نعم. فيشهد بشهادة الحق ثم تجرد للجهاد، ومنهم من يستحلفه إنك رسول الله، فيحلف، فيكون كذلك، ولم يرخص لأحد منهم إلا من عذره الله تعالى في الجهاد.
ومعلوم أن العلماء فيهم هم الأقل من الأكثر فلم يطعن عليهم الآخرون، وعلي - عليه السلام - سمع الذي حلف بالذي احتجب بسبع سماوات، قال: ومن هو؟ قال: الله، يا أمير المؤمنين. فقال علي - عليه السلام -: لا تحويه الحجب. الكلام بطوله، فقال: يا أمير المؤمنين، (فما كفارة) قولي؟ قال: لا كفارة له؛ لأنك حلفت بغير ربك. ولم يأمره إلى المدرسة واستفزه للجهاد.(1/461)
ونحن نرى المرابط يتمكن من قسط من الفائدة وافر، وترك المبرز في العلم للجهاد يحبط ثوابه، ولا عذر له بأن يأذن له نائب الإمام في التخلف؛ لأن الإمام لو أذن لمن لا غنى عن حضوره لم يخلص فكيف بنائبه، ولا عذر له عن الجهاد بقوله لا أقدر على المشي إلا أن يعلم من نفسه العجز عنه فيكون كالزمن، ووجب استئذان الإمام أو طلب مركب، فأما مجرد المشقة فمشقة الجهاد أعظم، وقد كان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه من يحمل الحمل المثخن وهم يمشون، كما فعل أبو ذرٍ في غزوه تبوك.
ومن اعتقد إمامة الإمام ولم يجد ما يقوم به للجهاد من سلاح وركوب ولم يجد الإمام ما يعطيه لعذر مانع، إن هذا الفرض ساقط عنه في تلك الحال؛ لأن الله تعالى يقول: ?لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا?[الطلاق:7].
ويجب على المجاهد أن ينوي طاعة الله تعالى وإعزاز دينه، فأما حب الثناء والمدح فالنفوس مجبولة عليه، ولا يجوز للناس ترك ما أمروا به من الجهاد مخافة الضرر في النفس والمال؛ لأن الجهاد بنفسه إنما هو لتعريض النفوس للتلف لقوله: ?وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ?[التوبة:41] بخلاف سائر الفرائض.(1/462)
باب إزالة المنكر
للمرء أن يقاتل دون رفيقه المسلم والجار وإن أدى إلى تلف النفس والمال، فإن قتل رفيقه لم يكن له المطالبة بالنفس أو المال، بل ذلك إلى الإمام أو الولي.
وما علم كونه منكراً ظاهر القبح وجب إنكاره ويتضيق عليه الإنكار إن كان في الصلاة وكان مما تفوت إن أتمها قطعها وأنكره، وإن كان مما لا تفوت بإتمامها أتمها ثم غيره إن أمكنه، وإن كان محتملاً أن يكون منكراً أو لا يكون وجب عليه السؤال والبحث؛ لأن أحوال المسلمين تحمل على السلامة ما أمكن، وإن لم يؤثر إنكاره وجب إنهاؤه إلى الإمام إن كان في الزمان.
وخشية الضرر في إنكار ما يجب إنكاره لا يسقط وجوبه إلا أن يجحف أو يؤدي (إلى تلف النفس) أو ما يقاربه؛ لأن الدنيا تترك للدين ولا يترك الدين للدنيا للآيات والأخبار، وإن غلب على ظنه أن تكرار النهي يؤثر (وجب عليه إنكاره) مع شرائط الوجوب.
ويجب نهي من ظهر منه المنكر ووعظه على الإمام وغيره مع تكامل الشرائط.(1/463)
باب الحظر والإباحة
لا يجوز نتف شعر العانة، بل الواجب حلقه؛ لأنه النمص المنهي عنه إلا أن يحلقه بالنورة فهو جائز، وفيه الأثر عن الحسين بن علي عليه السلام.
وإذا احترق من الصبي أكثر حشفة الختان ويبس سائرها حتى انكشف ما تحتها أو أكثره أو عسر اختتانه لذلك سقط وجوب الختان في هذه الحال، والمزاح بالكذب حرامٌ.
ولا ينظر من المحارم إلى الظهر إلا للضرورة، والضرورة تبيح النظر دون الإستمتاع، ويجوز المسير في طريق فيها النساء متبرجات، ويتوقى النظر؛ لأن الأصل إباحة مناكب الأرض.
وتجوز القراءة في المصحف بغير إذن مالكه؛ لأنه هداية للخلق ولا يحل منع الهداية.
وما يجمع للظلمة على وجه المدافعة والمداراة فهو جائز إن لم يمكن دفعهم إلا بذلك، ويجوز أخذه من القوي والضعيف واليتيم بالرضا والإكراه، ومن تولى ذلك من شيخ أو رئيس فعليه أن يتحرى بجهده ومبلغ طاقته ولا يحيف وهو يعلم ذلك، فما وقع بغير تعمد فلا حرج عليه، ومن أطعم عاصياً مع الحاجة فهو مثاب.
وجواب السلام للكافر يجوز بما يجوز، كما يقول وعليكم ولا يذكر الرحمة، وإذا عطس قال: يهديك الله ويصلح بالك، هكذا قال رسول الله صلى الله عليه.
والذين يؤذون المسلمين ويضرونهم مضرة شديدةً يجوز قتلهم في وقت الإمام وغير وقته ولا إثم على القاتل ولا الآمر إلا أنه في وقت الإمام يكون بأمره؛ لأن ولايته عامة.
ويجوز حضور الضيافة عند الكافرين في دار الإسلام إذا كان الذابح ممن تجوز ذبيحته إلا أن يضيع ذلك من حرمة المسلم حرم الحضور عنده إلا أن يكون مداراة فيجوز.(1/464)
وضرب الدبادب المطرب للعب بالسلاح جائز، ولا يجوز ذلك في المعاصي، ويجوز عمل الشعر مقصوراً كان أو كاملاً.(1/465)