(ص) والحربي المستأمن إذا دل على عورة المسلمين يكون نقضاً للعهد وترتفع به حرمته، وذمة المسلمين جائزة للكفار سواء كان من رجل أو امرأة إلا من ساكن القوم مختاراً.(1/456)
باب الغنائم
(الغنيمة ما يؤخذ) من متغلب على وجه التنكيل، وحكم الغنيمة موكولٌ إلى رأي الإمام إن رأى القسمة بين الغانمين صواباً فعله، وإن رأى المفاضلة جاز له ذلك، وهذا رأينا في الفيء جملة إن أمره إلى الإمام، ودليله قوله تعالى: ?يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُل الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ?[الأنفال:1] فنزعه الله من أيديهم وصير حكمه للرسول، وللإمام ما للرسول.
وما قيل إن رسول الله صلى الله عليه استطاب نفوسهم أو سألهم إياها، فإنما فعل ذلك استطابة لنفوسهم واستصلاحاً لدهمائهم؛ لأنه لو كان حقاً متعيناً لوجب أن يشاور عزيزهم وهينهم، وهم يوم حنين اثني عشر ألفاً، ولم يؤثر عنه - عليه السلام - ذلك، ولأنه فاضل فيه بغير مشاورة ولم يلحقه أهل العناية في القتال ولا الصلاح في الدين.
وللإمام خيار النظر في الأرض التي تؤخذ عنوة من دار الحرب إن شاء قسمها على الغانمين، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وآله - بأرض خيبر، وإن شاء تركها في أيدي أهلها على خراج يؤدونه من النصف أو الأقل أو الأكثر، كما فعل المسلمون في سواد العراق.
وأخذ المسلم لأموال الكفار، إن كان في السلم لم يجز من غير إذنهم، وإن كان في الحرب فهو فيء، وهم يملكون أموالنا ونملك أموالهم بالغلبة، وإن أسلموا على شيء فهو لهم، وإن غلبناهم على أرضهم كانت فيئاً.
ومن أغار عليهم العدو فظفروا منه بشيء فهو غنيمة وفيه الخمس، وكذلك ما يؤخذ من قطاع الطريق والبغاة مغالبة يغنم في وقت الإمام وغير وقته ويخمس.(1/457)
باب الجهاد والحث عليه
الجهاد سنام الدين ولولاه لطمست رسوم العدل، وطفى نور الحق، وهو فرض على الأعيان في وقتنا هذا، وإنما يكون على الكفاية إذا حضر المسلمون وقام بعضهم بدفع العدو وإهلاكه جاز للبعض الإمساك، فلو قال الكل هذا القول فعلى من يجب الجهاد حينئذ، والمعلوم من دين أصحاب محمد - صلى الله عليه وآله - أن أحداً لا يجوز له أن يتأخر عن النفير إلا لعذر مما ذكره الله سبحانه في كتابه أو إذن من رسول الله - صلى الله عليه وآله - وكذلك أعوان الأئمة المتمسكون بالحق كانت هذه حالهم، والمعلوم لنا ضرورة أن المسلمين كانوا يجددون الاستئذان عند كل حادثة تحدث على رسول الله - صلى الله عليه وآله - أو منه.
واعلم أن واجب الكفاية المراد به هاهنا أنه إذا استقل بعض المسلمين بحرب من يجب حربه جاز للآخرين الإذن بالتخلف، فأما إذا لم يقع الاستقلال فالتأخر عن الجهاد لا يجوز لا بإذن ولا بغير إذن لأنه محظور (فلا يفسخه) الإذن وإن كان يجوز لإمام الحق الإذن اقتداءً برسول الله - صلى الله عليه وعلى آله - كما كان يأذن للمنافقين، كالجد بن قيس وغيره، وكذلك فعل الحسين بن علي - عليه السلام - ومحمد بن عبد الله - عليه السلام - لما انهزم أصحابه فقال: "إلى أين يا قوم، إلى أين يا ناس، النار أمامكم، والجنة خلفكم"، فلما يئس من رجوعهم قال: "اللهم إنهم عجزوا عن جهاد عدوك، فاجعلهم في حل من بيعتي"، ونحن أذنا لمن قل صبره، وإلى يومنا الحرب قائمة مع العدو لبغيه لا للدفع، وبغيه باق، فتعين على الكافة حربه.(1/458)
وحكم تارك الجهاد سقوط العدالة والفسق عند أهل العلم؛ لأنه كبيرة كتارك الصلاة والزكاة، بل هو أولى لأنهما ينقصان ليتم كالمسايف ولاحق العدو، ومن يخشى فوته ويخشى عودته فإنه يصلي مخفاً ومومياً لأجل ذلك، وقد قال الله تعالى: ?وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ?[الأنفال:39] وهو أمرٌ يقتضي الوجوب ولا يسقطه إلا أن يكون الدين كله لله، ولا يسقطه أن يكون لك أولاد، فقد قال تعالى: ?قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ?[التوبة:24].(1/459)
والمعلوم من المهاجرين أنهم لم يلتفتوا إلى الأهل والأولاد، بل هرب كثير منهم بنفوسهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - مؤثرين للجهاد، وتركوا الأولاد والنساء، كقصة أبي سلمة وزوجته وما جرى عليها بعد خروجه للهجرة والجهاد، فالواجب أن يكل الأهل والأولاد إلى خالقهم وحكمته، فإنه تعالى يميته ويمرضه، وإنما نقول الواجب إن كان له مال وجب أن يترك لهم ما يعولهم، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإن لم يجد سقط عنه فرضهم، ولو كان عذراً لسقط فرض الجهاد عن الإمام؛ لأن حضوره مع أولاده أصلح لهم في دنياهم اللهم إلا أن يكونوا في مفازة من الأرض فإنه يوصلهم إلى الناس إن أمكنه، وإن كانت المحارم ممن تصلح للزواج عرضهن على الأكفاء، وقد ترك المسلمون أزواجهم مع المشركين وأقرهم رسول الله - صلى الله عليه وآله - على ذلك، وخرج أبو بكر مع رسول الله - صلى الله عليه وآله - وترك أباه شيخاً كبيراً أعمى، وترك أولاده، وأخذ المال معه، وكان من محاسن أعماله، ولا عذر حينئذٍ لمن يقول لا أجد ما أترك معهم، ولا أجد ما أنفق عليهم بعدي أو على من يكفلهم، أو إني أتسبب لهم من المهنة، فإن هذا غير عذرٍ عند الله سبحانه.(1/460)