ومن سكن بين المطرفية والباطنية ومن شاكلهم من أهل الاعتقادات الكفرية وهو لا يرى برأيهم ويلعنهم، ويأكل ذبائحهم، وينصرهم حميةً، إن من هذه حاله لا يجوز مناكحته إلا أن يعتقد عداوتهم، ويقيم بنية استئصال شأفتهم [وهو عازم على الإنتقال منهم إن تعذر عليه إدراك المطلوب فيهم] وما سوى ذلك فلا يجوز؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وآله - قال لعمّه العباس لما قال: أخرجني القوم قهراً، قال: ((ظاهر أمرك كان علينا)) فألزمه الحكم بالظاهر.
وفي فاسق تاب إلى المطرفية بزعمه ثم اغتصب شيئاً، فإنه خرج من الفسق إلى الكفر لاعتقاده مذهبهم، فإن كان له شوكة ومنعة ومات أو تاب سقطت عنه الحقوق، وإن كان للمسلمين عليهم سلطان فهو مرتد تجري عليه أحكام الإسلام.
وقال - عليه السلام -: اعلم أن دار الكفر أن يظهر الكافر مذهبه من غير ذمة ولا جوار، وكل بلدة ظهر فيها الكفر بعير ذمة ولا جوارٍ فهي دار حربٍ يجوز غزوهم ليلاً ونهاراً، وتحريقهم، وتفريقهم، وسبي ذراريهم، وقتل مقاتلهم غيلة وجهراً في وقت الإمام وغير وقته وسواء كان فيه الكفر أصلياً أو ردةً.
وقال - عليه السلام -: واعلم أن المطرفية والباطنية والمشبهة والمجبرة والمجوس واليهود والنصارى يتفقون في اسم الكفر وأحكامه من قبلهم وسَبيُهُم إذا كان لهم شوكة وجاهروا بالامتناع، فإن أظهروا مذاهبهم لا غير ولم يعرضوا للمسلمين كان حكمهم حكم اليهود والنصارى من إقرارهم على عقائدهم بدفع الجزية ولا يقبل مثل ذلك من المطرفية والباطنية والمجبرة والمجوس واليهود والنصارى أجمل حالاً من المطرفية.(1/451)
فالمجبرة إنما كفرت بإضافة (أفعال العباد إلى الله تعالى) ولم تنف (أفعال الله تعالى عنه).
والمطرفية نفت أفعال الله عن الله، وأضافت (أفعال العباد إليه)، فأحاطت بالكفر من كل جانبٍ، ثم شاركت ملل الكفر في أقوالها فزادت على كفر الكافرين، فإن تاب المطرفي رغبة في الدين ونزوعاً عن كفره قبلت توبته، فإن غلب في الظن أنه تفاد لما في يده من مالٍ لم تقبل وجاز قتله وكان كالمتمردين؛ لأن حكم المطرفية والباطنية مخالفٌ لسائر أحكام الكفار؛ لأن المطرفية يعتقدون وجوب الكذب لنصرة مذهبهم.(1/452)
والباطنية مذهبهم مبني على الكتمان والإنكار والتمسلم للمسلم والتنصر للنصراني، والتمجس للمجوسي إلى غير ذلك من اعتقاداتهم، ويعتبر فيهم غالب الظن، فإن تاب وله شوكةٌ ومنعة كان ماله فيئاً لمن قبضه، وإن كان لا منعة له ولا شوكة رد عليه ما كانت عينه باقية دون التالف، ومن حسّن الظن بهم كان كمن حسن الظن بالمشركين فيكفر بذلك، وكذلك حكم من تشكك [في قتلهم كمن تشكك في قتل الكفار على عهد رسول الله -صلى الله عليه وآله- فإن ذلك كفر بيقين؛ لأنه لو تشكك] في جواز ذبح شاة لكونها شاة كان كافراً فكيف في جواز قتل الكفار، فإن من شك في كفرهم كفر كمن شك في كفر المجوس واليهود والنصارى؛ لأن الشاك في ذلك شاك في نبوة محمد صلى الله عليه فيكفر بذلك، ومقلدهم كافر أيضاً، وكذلك محبهم قال تعالى حاكياً عن المشركين: ?إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ?[الزخرف:23] وقال - صلى الله عليه وآله -: ((المرأ مع من أحب وله ما اكتسب)) والمراد به الحكم والمنزلة.
وما عمل من المساجد بعد ظهور المطرفية في بلادهم فلا حرمة له، وما تقدمت عمارته قبل هذا المذهب الخبيث فحكمه حكم المساجد، وما أشكل أمره أجري عليه حكم مساجد المسلمين.
ومن أخذ من دار الحرب من أولادهم إلى دار الإسلام صار حكمه حكم المسلمين في الطهارة وغيرها إلا الرق، فإن ظهر المسلمون على ديارهم عادت دار إسلام لغلبة المسلمين عليها.(1/453)
ويجوز وطئ السبي؛ لأن الغالب على نسائهم العامية إلا أن تكون عارفة لمذهبهم، فإن غلب على الظن إيمانها حلّت، وإن كان الظن بقاؤها عليه كان حكمها حكم رجالهم في جواز قتلها ولم يجز وطئها ولا مقاربتها، ويجاب أهل الذمة إذا سلموا ما يجوز، ولا يجاب المطرفي لأنه لا ذمة له.
وكان أول من أحدث كفرهم وضلالهم رجل يقال له أبو الغوازي في زمن الشريف العالم زيد بن علي من ولد الحسن وهو الذي أظهر مذهب الزيدية بصنعاء وينسب إليه دار الشريف، وأنكر هذا المذهب في زمانه، وكذلك الشريف العابد عبد الله بن المختار بن الناصر - عليهم السلام -، والشريف العالم الحسن بن عبد الله بن المهول الحسني، والإمام الناصر أبو الفتح بن الحسين الديلمي، وله رسالة عليهم سمّاها (المبهجة في الرد على الفرقة الضالة المتلجلجة)، وكذلك الشريف العالم حمزة بن أبي هاشم، والإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان -رضي الله عنه- في كتاب (تبيين كفر المطرفية)، وفي (الرسالة العامة)، وكتاب (المطاعن) و(الهاشمة لأنف الضلال) وشرحها (العمدة)، وصرّح - عليه السلام - في هذه الكتب بأنهم أهل دار حربٍ وأن قراهم دار حرب، فهؤلاء كبار أهل البيت في ديار اليمن صرّح كل واحد منهم في زمانه بكفرهم وارتدادهم، ومعاوية عندنا كافر؛ لأنه رد ما هو معلوم من الدين ضرورة وهو ادعاء أخوة زياد، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) ولغير ذلك، وعلي - عليه السلام - لم يسبهم؛ لأنهم لم يلقوه (في صِفين) بالذرية، بل بالسيوف والرماح، على أن معاوية لم يدع زياداً إلا بعد موت(1/454)
الحسن - عليه السلام -.
وقال - عليه السلام -: اعلم أن الدور ثلاث، لكل واحد منها حد وحكم.
فأما دار الحرب فهي كل دار تظهر فيها خصلة من خصال الكفر فما فوقها، ولا يحتاج مظهرها إلى ذمة ولا جوار وإن ظهر فيها شيء من أحكام الإسلام إذا كانت الغلبة للكفر بأحد ثلاث وجوه:
إما أن يكون السلطان ممن يرى بذلك القول أو الفعل.
وإما أن يكون الكفر أكثر.
وإما أن تكون الغلبة لأهله.
فدليل ذلك مكة حرسها الله كانت قبل الهجرة دار كفر وفيها رسول الله - صلى الله عليه وآله - والمسلمون يظهرون دينهم ولا يكاتمون دينهم أحداً، ويغالبون في بعض الأحوال، ويتهددون الكفار بالقول والفعل في بعض الأحوال.
وكل دار يظهر فيها إثبات قديم مع الله تعالى، كمن يقول بقدم القرآن أو يثبت للباري تعالى رؤية كالقمر ليلة البدر، أو يضيف أفعال عباده إليه من القبائح والمخازي، أو يجوز عليه سبحانه الظلم، أو ينفي شيئاً من أفعاله عنه، فإنه يكون كافراً، وداره بما قدمناه من الاعتبار دار حربٍ.
(ح) وهو قول القاسمية والناصرية لا خلاف بينهم فيه، وهو قول علماء المعتزلة ومحصلي العدلية.
(ص) ومن أقام في دار الحرب مضطراً إلى الإقامة، فغزى المسلمون تلك الدار، فله حرمة الإسلام على المال والأولاد، ويلزمه قضاء الصلاة، فإن كان غير مضطر إلى الإقامة لم يلزمه القضاء إذا تاب، وما يؤخذ من أموال الكفار في ذمتهم حرام.
(ح) يعني ما يؤخذ من أموالهم في أيام الهدنة والصلح بينهم وبين المسلمين يجب رده عليهم.(1/455)