واجتهاد الأئمة قد يختلف، محمد بن إبراهيم - عليه السلام - كره البيات، والهادي - عليه السلام - صوّبه، ومحمد وإبراهيم ابنا عبد الله -عليهم السلام- لم يمهلا لذلك ولا سئلا عن هذه المسألة، وليس لأن كل مجتهد مصيب، وما حكي عن أبي هاشم وغيره إن الدار لا تسمى بذلك لأنه ليس لها حكم يخصها فهو موضع النزاع فكيف يجعل الحجة بنفسه.
فأما الغرامة للمستضعفين عماّ أخذ منهم المجاهدون لتعذر التمييز فهو مبني على الإمكان وسعة المال، فإن لهم فيه حقاً وإن لم تهلك أموالهم، فإن قلَّت الأموال وجب (الإيثار للمجاهدين) ودفع الضرر الأعظم واطلاع منار الحق، والناصر للحق - عليه السلام - لم يرُع أهل قلعة شالوس وهم فتكوا في أمانه ولم يطعن عليه بذلك أحد من أهل العلم، ولسنا نتعمد النساء والأطفال بالقتل ولا نجيزه، ولا ندين الله به، وكيف وقد قال تعالى: ?وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى?[النجم:37،38].
ويجوز للإمام أن يعفو عن الفاسقين والكافرين، كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه، وفعله أمير المؤمنين علي - عليه السلام - يوم الجمل في مروان بن الحكم وغيره، وعلي - عليه السلام - لم يهدم في البصرة داراً، ولا فتح باباً، ولا اتبع منهزماً، وهدم بعد ذلك منازل على مجرد البغي، وحرق طعام المحتكر، ولم يقل له لم أحدثت حكماً ولم سميت اسماً؟ وفيما ذكرناه مما لم يذكره آباؤنا - عليهم السلام - مزيد فائدة وبيان حكمٍ نرجو أن يكتب لنا الأجر بذلك.(1/446)


وإذا نظرت في أهل زماننا رأيتهم أسوأ حالاً في باب المكيدة للدين من الكفار الذين عبدوا النار والصليب والوثن من دون الله، ومن اليهود الذين قالوا عُزير بن الله؛ لأن أولئك كادوا الإسلام من أطرافه وتخومه، وهؤلاء كادوا الإسلام من بحبوحته، وسودوا وجهه، ودنسوا ثوبه، فكانوا بالتنزيه من الأرض أولى، ولا يكون إلا باجتياح أصلهم، وقطع دابرهم، وخراب منازلهم، وأخذ أموالهم، وسفك دمائهم، ومن كان كالتابع لهم فهو داخل في حكمهم في وجوب رفع التفتيش عنه عندنا في الدنيا دون الآخرة، كما يُعلم في أولاد الكفار أن حكمهم حكم آبائهم.
وأما قول علي - عليه السلام -: ((لا تستحلوا ملكاً إلا ما استعين به عليكم)) فذلك حق، والبغاة لا تستعين علينا إلا بأموالها، وربما تكون مضرة المال في المصر أعظم مضرة علينا من كونه في العسكر.
وما قلنا من أن جهاد البغاة وفساق الأمة أفضل من جهاد الكفار، وهو مروي عن المرتضى محمد بن يحيى - عليه السلام - في كتابه المسمى بكتاب (الإيضاح)، ومثله روي عن المؤيد بالله - رضي الله عنه - في كتاب (الزيادات) وما يفعله الأعراب من الغزو والنكاح على غير شريعة، وترك الصلاة، وارتكاب المناكير فهو فسق وخروج من ولاية الله تعالى إلى عداوته، وله حكم، وهو جواز أخذ أموالهم، وقتلهم عن إذن الإمام، ولا يجوز من غير إذنه، ولا تجوز معاونة البغاة ولا تخليصهم ممن بغوا عليه.(1/447)


[قال الفقيه الإمام محمد بن أسعد أيده الله وأبقاه:] وله - عليه السلام - في دار البغاة وأحكامهم ودار الفسق وأحكامها كلامٌ كثير قد انتخبت منه هذا القدر وقدمت وأخرت، واجتزيت بالأقل، ولعل فيه أكثر معنى الباقي.(1/448)


باب المرتدين وأحكامهم
اعلم أن المرتد لا يخلو إما أن تكون له شوكة أو لا شوكة له، فإن لم تكن له شوكة فالحكم فيه أن يستتاب ثلاثاً، ويرفق به، ويطعم، ويسقى، فإن مضت الثلاث وهو على الإصرار قتل وقسم ميراثه بين ورثته من المسلمين أو رد إلى بيت المال إن كان لا وارث له.
وإن كانت له شوكة قتلت المقاتلة، وسبيت الذرية، وكانت دارهم دار حرب ما دامت لهم شوكة بحكم الله تعالى، ويغزون كما تغزى ديار الشرك، ويقتلون بأنواع القتل من الغيلة والمجاهرة، ويقتل كبيرهم البالغ وإن كان ضعيفاً عن القتال بخلاف المشركين ابتداء؛ لأن دار الردة يخالف حكمها حكم ابتداء الكفر في بعض الأحكام.
ومن رد ما هو معلوم ضرورة من دين الإسلام أو آية من كتاب الله تعالى أو أثراً معلوماً من آثار النبي صلى الله عليه المعلومة الظاهرة فقد كفر وارتد وخرج من دين الإسلام، وقد خالفت المطرفية أربعمائة آية وسبعاً وثلاثين آية من صريح القرآن الكريم والظواهر الشريفة، وإذا ثبت كونهم أهل ردة دخلت أحكامهم في جملة أحكام المرتدين.
واعلم أنهم يختصون بحكم زائد على حكم المرتدين، وذلك أن التوبة لا تقبل من علمائهم؛ لأنهم يعتقدون جواز الكذب بل وجوبه عند الحاجة إليه وتقويته لمذهبهم، وقد ناظرنا بعضهم على ذلك.(1/449)


ولا يجوز قبر المرتد في مقابر المسلمين، ولا يناكح، ولا يوارث، ولا تشيع جنائزهم، ولا يشمت عاطسهم، ولا يبدأ بالسلام، ومن ابتلي بهم ولم يتمكن من إجراء الأحكام عليهم وسار معهم في طريق ألجأهم إلى مضايقه وصغرهم كما صغرهم الله تعالى، ومن تمكن من غيالتهم في أزواجهم وأموالهم فقد أمرناه بذلك وأبحناه له، ومن أجاب دعوتهم وظاهرهم وكان من جملتهم فحكمه حكمهم، ومن أعطاهم الزكاة بعد ظهور كفرهم مستحلاً لذلك فقد كفر؛ لأنه خالف دين الإسلام؛ لأن أحداً من المسلمين لم يجزها للكفار، ومن عضدهم بكلامٍ أو فعالٍ فقد شركهم في كفرهم؛ لأن من أحب عمل قومٍ شرك معهم في عملهم.
والمجبرة كفارٌ عندنا، وهو رأي الهادي والقاسم - عليهما السلام -، والبلوى بالباطنية عظيمة، فما أمكن في أمرهم فعل، وما تعذر رفع الله تعالى عنا حكمه.
والمرتد إذا لحق بدار الحرب وكان له فيها مالٌ فماله فيء، وكذلك إذا انحاز إلى بعض بلاد المسلمين وكانت له فيها منعة كان ماله فيئاً.
وفي بلدٍ كان فيها المطرفية وأهلها عوامٌ، إنه إن غلب عليها حكم المطرفية ومذهبهم انتقلت دار حربٍ وحكمها حكمها.
ومن امتنع من دفع الزكاة إلى الإمام ارتد بذلك وكفر، وردة تميمٍ ما كانت لجحدانهم لله ولا رسوله، بل لمنعهم الزكاة عن أبي بكر، فكفروا لإنكار ما علموا من دين النبي - صلى الله عليه وآله - ضرورة من وجوب تسليمها إليه (أو إلى القائم من بعده).(1/450)

90 / 97
ع
En
A+
A-