قلنا: وكذلك نقول يؤخذ على وجهٍ دون وجه إن رأى ذلك الإمام صواباً جاز وإلا لم يجز.
ومن اعتل بقول علي - عليه السلام -: "فأيكم يأخذ عائشة"، فكذلك قولنا لا نجيز السبي لمن دونها فكيف لها.
ومن قال: فلم فرق علي - عليه السلام - بين الأموال والذراري؟
قلنا: لما قدمنا من أنه حكمٌ بين الحكمين، واسم بين الإسمين.
ومن قال: إن السيرة في أهل البغي أخذت عن علي - عليه السلام - فلا يجوز إحداث حكم سوى ما فعله.
قلنا: كذلك نقول إنها أخذت عنه - عليه السلام - ولم نحكم بها إلا لحدوثها في عصره، إذ لم يبل أحد ممن كان قبله إلا بحرب الكفار ولم يحدث في وقته فساق من جهة التصريح فيعلم رأيه - عليه السلام - فيهم وإن جاز أن يختلف الاجتهاد، والذين كانوا في وقته هم الفساق من جهة التأويل فحكم فيهم بذلك، وإنما حاربه خيار عباد الله قبل حربه كشافة الكرب عن وجه رسول الله - صلى الله عليه وآله - فحال أولئك مخالف لحال فساق عصرنا من وجوه كثيرة:
منها أنهم أعيان الصحابة وخيار الأمة.
ومنها أن خلافهم كان هفوة ولم يكن تهتكاً.(1/441)
ومنها أن لهم سوابق قد رعاها علي - عليه السلام - فقال في قاتل الزبير: ((بشروا قاتل ابن صفية بالنار))، وقال لما رأى سيفه: ((طال والله ما كشف به الكرب عن وجه رسول الله))، وقال في طلحة قولاً جميلاً، ولما سئل عن الخوارج فقيل: أكفار؟ قال: ((من الكفر هربوا. قيل: أمؤمنون؟ قال: لو كانوا مؤمنين ما قاتلناهم. قيل: فما هم؟ قال: إخواننا بالأمس بغوا علينا فحاربناهم حتى يفيئوا إلى أمر الله))، فلم يبلغ حال متهتكي زماننا شربة الخمور، أرباب الفجور إلى أقل قليل من حال الصحابة، وقد قال تعالى: ?وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِن انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ?[البقرة:193].
والظالم عندنا على وجهين:
ظالم لنفسه بالمعصية، وظالم للناس بالجبرية.
ولا شك في معصية من تخلف عن الإمام وكثر سواد الجبارين، وعمر أرضهم، وسكن بلادهم، ونحن لا نشك في أن الضعفاء الذين لبسوهم الحرير، وركبوهم الذكور، وسقوهم الخمور، فأي عون أعظم من هذا، وإنما قلنا: تكون أموالهم غنيمة؛ لأنها أموال أخذت على وجه التنكيل على المعصية دليله الفيء.
وقلنا تقسم؛ لأن هذا حكم الغنائم.
فإن قيل: إن علياً - عليه السلام - لم يعرض لما وراء عسكر أهل الجمل وأهل النهروان.
قلنا: أولئك بغاة، وذلك اجتهاده - عليه السلام - فيهم، وأهل عصرنا هذا فساق متهتكون ظالمون، هذه أسماؤهم هي حادثة لحدوث معانيها، كما حدث اسم الفساق في زمن واصل بن عطاء ولها أحكامٌ مخصوصة.
منها: جواز أخذ الأموال، وهدم الديار، وخراب الزرائع، وقطع الأشجار.(1/442)
ودعوى الإجماع على أنه لا يجوز تغنم ما وراء عساكرهم لا يصح؛ لأنه لا سبيل إلى العلم بذلك من إجماع العترة فكيف بالأمة، وقد انتشر الإسلام في أقطار الأرض بحمد الله، ومسألتنا هذه حادثة، والعلم باجتماع الأمة فيها على قول غير ممكن، وأكثر ما يقال في ذلك أن يقال: لم نجد هذا قولاً لأحد.
فنقول: الذي لم تجدوه أكثر مما وجدتم، والهادي إلى الحق -عليه السلام- قد فعل ذلك في نجران وعلاف، فإنه هدم المنازل، وقطع النخيل والأعناب، (وأباح الأملاك للعشائر)، وأخذ أموال المهاذر وقسمها أخماساً، وأخذ من حصن النميص أثاثاً عظيماً، وسلاحاً، ومتاعاً، وكذلك ولده الناصر، هدم مدينة بارى وهي مدينة كبيرة، ومدينة الكلائج وقطابه، وأخذ أموال قُدمْ جملة، ولم يميز مال اليتامى والأرامل، وكذلك فعل عبد الله بن الحسين - عليه السلام - مع بني الحرث، أخذ أموالهم وقسمها بين الغانمين، وخرب إبراهيم بن موسى بن جعفر - عليهم السلام - سد الخانق بصعدة وكان عليه بساتين عظيمة فخربت إلى وقتنا هذا وهو داعي محمد بن إبراهيم بن إسماعيل - عليه السلام -، وما بقى من الأحكام فهي للتفرقة بين الكفار وبينهم، وهي:
جواز مناكحتهم وموارثتهم، والقبر في مقابر المسلمين، وتحريم سبي ذراريهم، ولا تغنم أراضيهم.(1/443)
وللإمام منعهم من بيعها إن رأى في ذلك صلاحاً للمسلمين، ولا نجيز سلب ما يواري النساء من الثياب، وأقول إن ذلك عقوبة للمستحقين ومحنة على الآخرين يعيضهم عليها رب العالمين، إلا من علم من النساء أنها راضية بما يفعل الظالمون فإنها من الغابرين، وقد فعل الله سبحانه مثل ذلك في الأمم الماضية وهو أقدر القادرين على تمييز المستضعفين والأطفال من الجبارين، ولأن ذلك معلوم لنا في سلفنا الصالحين، فإنهم فتحوا الأمصار الكبار، والمدن العظام، فلم يعلم أنهم ميزوا بين الأملاك، ولا استخبروا عن الملاك، بل جعلوا الحكم للأعم الأكثر كما ذكرنا عنهم؛ لأن من سكن في بلاد البغاة كان حكمه في جواز الأخذ والقتل حكمهم؛ لأن الحكم للأعم الأغلب، كما نقول في المسلمين إذا سكنوا دار الحرب وكانت لهم أملاكٌ هناك، وأهل زماننا ليسوا من البغاة في شيء؛ لأن الباغي هو من يحارب الإمام على أنه محق والإمام مبطل فيكون متأولاً في حربه، كما كان في الخارجين على علي - عليه السلام -، وهو معنى قوله تعالى: ?وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا…الآية?[الحجرات:9] وهل ينكر أحداث الأحكام في المسائل إلا جاهل أو متجاهل، ولقد قال المؤيد بالله - رضي الله عنه -: ما أعلم بهذا قال قائلاً قبل يحيى - عليه السلام - فما نقصه ذلك، وقد أخذ علي - عليه السلام - المال لأجل المعصية لا غير، كما فعل في مال المحتكر، وهو يقضي بأن لصاحب الأمر النظر واجتهاد رأيه في الحوادث، ولهذا فإنه - عليه السلام - عف عن دور أهل البصرة مع البغي وخرّب دار جرير بن عبد الله وغيره.(1/444)
وأما فرقنا بين دار المؤمنين ودار الكافرين بذكر دار الفاسقين فلأن الأسماء اختلفت لاختلاف مواقعها فاحتاجت إلى التمييز، وقد ثبت أن الفاسقين تأويلاً وتصريحاً خرجوا عن حقيقة اسم المؤمنين واسم المسلمين إذ لا حقيقة تقتضي أن أهل دار البغي مؤمنين ولا مسلمين بل مجرمين فاسقين، فسمينا كل أرض يغلبون عليها وتنفذ أحكامهم فيها دار الفاسقين ودار المجرمين، وكما أن هذا الاسم حادث في عصر واصل بن عطاء فكذلك حكم هذه الدار حادث لوضوح أمرها وغلبة أهلها وتماديهم وتشايعهم على المنكر عموماً بخلاف الأعصار المتقدمة فإن المعاصي كانت تحدث من الواحد والإثنين ومن الجماعة على وجه التأويل، كما في الخوارج على عهد علي - عليه السلام - وجلالة الإسلام باقية، وظواهر أحكامه جارية إلى وقت بني أبي سفيان وبني مروان، وكما لم يحسن لأحد أن يقول لأحد لم أحدثتم اسم الفاسق ولم يذكره السلف، فلا يقال لم سميتم دار هؤلاء دار الفاسقين وما هو مذكور في كتب آبائنا - عليهم السلام - فهو كلام على أمر ماضٍ مستقر ليس فيه نزاع ولا حرب، أو في أهل بغي متمسكون بأحكام الشريعة إلا في مخالفة الإمام، وهي مسألة واحدة يكفي فيها الرجوع إلى الله سبحانه وإلى إمام الحق.
فأما فساق زماننا وظلمتهم، فما معهم من الإيمان إلا مجرد الشهادة، فبعض اليهود ينطق بها من دون التزام أحكام الشريعة فلم يخرج بذلك من حكم اليهودية ولا دخل في حكم الإسلام، ولا تطهر أدناسهم إلا ما ذكرنا من استئصال شأفتهم وتعميم الحكم فيهم في هذه الدنيا لتعذر التمييز فيهم.(1/445)