ويجوز للوالي أن يولي غيره فيما هو ولي فيه على سبيل التفصيل دون الجملة؛ لأن ولايته تتيح له ذلك إذ لا يمكنه استيعاب أعمال الولاية بنفسه، فإن كانت ولايته مثل قبض الصدقات وشبهه دون سائر التصرفات لم يكن له أن يولي في شيء آخر.
ولا يجوز لولاة الإمام الإذن ولا الأمر لمن يغزو البغاة إذا لم يكن فيهم محقٌ يضبطهم عما يحظره الشرع؛ لأن إباحة الغزو لا تكون إلا لإثبات الأحكام، فإذا لم يكن هناك تحكم وضبط انتقض الغرض ولا يكون ما يأخذونه على هذا الوجه غنيمة.
وللوالي أن يبيع ويشتري بحكم الولاية، ولا يفتقر إلى إجازة الإمام، وله قبض الأموال الكثيرة والقليلة ويخلطها بغير إذن أربابها ولا رضاهم بحكم الولاية، وله أن يصالح فيما يراه صلاحاً، ويزيد وينقص ما لم يقصد إسقاط الحقوق، وإنما يكون بنية التألف وتقوية الإسلام.
وتصح تصرفات الوالي من جهة الإمام وإن كان خلاف ما عنده؛ لأنه يجب عليه امتثال ما أمره به إمامه، ويصح أن يكون على ولايته، وإن عصى الله في غير ما وليه، وعليه التوبة إلى الله عز وجل، ولا ينعزل عن الولاية بذلك.
[حاشية: وذكر عليه السلام بعد ذلك في موضع آخر أنه ينعزل عن الولاية ثم يعود إليه بالتوبة].
ولم يعزل الصحابة من عصى من ولاتهم، وما أتلف أو تلف بسببه من بيت المال ضمنه؛ لأن الولاية شبهاً بالوكالة.
ولا يأخذ الوالي من أموال المساجد إلا بإذن الإمام؛ لأن له أن يأخذ منها ما شاء ويترك ما شاء عند الحاجة كما تقدم من فعل الحسين الفخي - عليه السلام -.(1/436)
ويجب الإنقياد لنائب الإمام كما يجب للإمام، ولا تحل معصيته إلا إذا أمر بمعصية الله تعالى فلا طاعة له في ذلك.
وليس لنائب الإمام أن يصالح من وجب عليه خمس أو غيره على بعض ما وجب عليه، بل يجب استيفاؤه، وليس له أن يمنع من يبع المبيعات لأن يشتريها الإمام إلا أن يأمره الإمام بذلك؛ لأن عمر أجبر بعضهم على بيع داره وجعل ثمنها في بيت المال ولم ينكره الصحابة.
ويجوز لنائب الإمام أن يخلط مال الزكاة والوقف بالكيل إذا علم مقدارهما؛ لأن الجنس عندنا لا يستهلك جنسه، ومن امتنع من تسليم الحقوق إلى نائب الإمام جاز له غزوه وحربه، وأخذ ماله، وسفك دمه ولو امتنع على درهمٍ واحد ودافع عنه.
والوالي إذا غلط في الحساب وشك فالحيطة إن فعلها لازمة بماله دون بيت المال.
وإذا أخذ الوالي الزكاة كرهاً أو تضميناً أو معونةً فالنية للإمام دونه ودون من سلمها، فإن نوى أربابها فلهم الثواب، ولا يأخذ الزكاة كرهاً إلا أن يتمرد رب المال.
ويأخذ الوالي بقول أهل البلد في الأوقاف وما منها مطلق وما هو للإطعام وما هو لغيره، ولا يضمن الوالي الفاسق ما يصرف فيه على الوجه الشرعي، وفسقه على نفسه، ويجب عليه إجابة إمامه وإن بعدت المسافة إذا تمكن، ولا يتضيف الوالي إلا بإذن الإمام، ولا يستوهب بجاه الولاية إلا بإذن الإمام، كما أذن رسول الله - صلى الله عليه وآله - لمعاذ لما وجهه إلى اليمن، فإن أخذ بغير إذن الإمام كان لبيت المال.(1/437)
وإذا أذن الإمام لأهل بلد (في صرف نصف) واجباتهم إلى المستحقين، ثم طالبهم والي الإمام بعد مدة بالكل لزمهم تسليمه على كل حال ويبطل حكم الإذن الأول؛ لأنه لا يمتنع أن يتجدد للإمام نظر في صلاح الأمة يوجب ذلك، وعلم الوالي بالإمام أخص من علم الرعية.
وتجديد الإذن من الإمام واجب إلا أن يقول الإمام للفقير: جعلت ذلك لك في كل عامٍ استمر عليه إلا أن يتعقبه نقص، ولا يبعد أن يكون ذلك خلاف السنة من الإمام والمأموم في الحبوب خاصة.
وإذا بطلت ولاية الوالي بالكبيرة رجعت بالتوبة، وقد كان ولاة رسول الله - صلى الله عليه وآله - يعصون ولا يجدد لهم عقد الولاية، كخالد بن الوليد وقتله أهل العميصا من بني خزيمة، وقال - عليه السلام -: ((اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد)) ولم يعزله ولا جدد له ولاية.
وتوليتنا من تاب من الظلمة لظننا بهم الكفاية فيما ولوه جائز، فقد ولى رسول الله - صلى الله عليه وآله - من كان يعبد الأوثان لما تاب، وكذلك أئمة الهدى - عليهم السلام - كتولية محمد بن إبراهيم - عليه السلام - لأبي السرايا، وتولية الناصر للحق - عليه السلام - لليلى بن النعمان، وقصة جستان مشهورة، وتولية الهادي - عليه السلام - لأبي العتاهية وكان سلطان الظلمة ثم كان زبدة المسلمين، فالولاية بخلاف الشهادة لأنها وكالة فلا يعتبر فيها إلا حفظ ما وكل فيه غالباً، والشاهد يجب أن يكون عدلاً مرضياً.(1/438)
باب السيرة في أهل الفسق وأهل البغي وأحكامهم عند الظفر بهم
لا يجوز غزو البغاة وقطاع الطريق إلا مع الإمام أو نائبه، وإن غزا البغاة بلاد المسلمين جاز للمسلمين لحاقهم وقتلهم وتشتيتهم في وقت الإمام وغير وقته، ويجوز تغنم ما أجلبوا به، ويخرج الخمس إلى الإمام إن كان في الزمان، وإن لم يكن صرف في مصرفه، والقياس يقتضي في كل مبطل يقاتل محقاً بجواز قتله وأخذ ماله عموماً من أرضٍ ونقدٍ، وهو مبني على حرب الكفّار.
((ح) وصرح بعد ذلك) أن الأراضي لا تغنم، وجعله مما يفرق به بين دار الكفر ودار الفسق.
(ص) والذي يجب قتالهم في الشريعة أصناف: المشركون، والمرتدون، والمحاربون، والبغاة، ويلحق بهم الفساق من أهل القبلة المتهتكون المتأخرون عن إجابة أئمة الهدى، فإن لهم عندنا حكماً بين الحكمين، واسماً بين الإسمين، ولا عجب أن يحدث حال لهم حكم، أفليس عمر لما افتتح بلاد المجوس قال: ((ما أصنع بقوم لا كتاب لهم، أنشد الله رجلاً سمع من رسول الله صلى الله عليه في المجوس شيئاً إلا ذكره)). فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعته يقول: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم)) فما ظنك إن لم يجد نصاً ما كان يعمل، أفليس كان يجتهد رأيه مستخيراً الله سبحانه، كما اجتهد رأيه في دية الأصابع وفاضل بينها في الدية حتى وقف على كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله - صلى الله عليه وآله - بالمساواة فيها، فرجع إلى علم الكتاب عن الإجتهاد، ولا تزال الحوادث تحدث ما بقي التكليف وتحدث بحدوثها أقوال الأئمة - عليهم السلام - وعلماء الإسلام.(1/439)
فإذا عرفت ذلك فاعلم أن دار الفسق هي دار ثالثة بين دار الإسلام ودار الكفر، وقد قال بتسميتها دار الفسق من أهل العلم أبو علي الجبائي فيمن اتبعه من أهل العلم، وسميناها دار الفاسقين لغلبة أهل الفسق عليها ونزولهم إياها، وقد قال تعالى: ?سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ?[الأعراف:145] وليس باسم علم لأن لنا أن نغير اسم العلم واللغة بحالها، فنسمي زيداً بعمرو، وعمراً بزيد ولا يختل المعنى، كما سمينا دار الكفر لغلبة الكفر فيها كما كانت مكة قبل الفتح، وسمينا طيبة دار الإسلام لغلبة الإسلام فيها.
وأما أموال الفساق فلها حكم بين الحكمين، كما أن لها اسماً بين الإسمين، وهو أن الأموال موقوفة على رأي الإمام، إن شاء أباحها وإن شاء حظرها، كما فعل علي - عليه السلام - في أموال أهل الجمل والنهر بالبصرة والنهروان، وكما فعل بمال المحتكر بالكوفة، فإنه قسم ماله نصفين، فحرق نصفه وأمر بنصفه إلى بيت المال، فقال: لو ترك عليّ مالي لربحت مثل عطاء أهل الكوفة.
ومن احتج بقول صلى الله عليه: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، فإذا قالوها عصموا بها دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)) لا اعتراض به علينا؛ لأنه لما قال ذلك وعصى الله أخذنا ماله عقوبة واحتجناه نكالاً؛ لأن الخبر إن حمل على عصمة اليقين والمال على كل وجهٍ انتقض عند الجميع؛ لأن المحارب يقتل وتقطع يده مع السلب، ويؤخذ مال صاحب الدين، ومن يشتري بماله السلاح والكراع للبغي إلى غير ذلك.
وإن قال: على وجهٍ دون وجه كما ورد في الخبر الشريف.(1/440)