ولا يجب إيثار الأجانب بما يستحقه الإمام دون نفسه وأقربائه، بل عن خدامه، وقد وهب رسول الله - صلى الله عليه وآله - حلة سيف بن ذي يزن وقيمتها مال أسامة بن زيد مولاه ولم يعب ذلك أحدٌ من المسلمين، وأمّره على من هو خير منه من المهاجرين والأنصار بالإجماع وهو ابن سبع عشرة سنة.
فإن قيل: وأين منزلة أسامة.
قيل: وأين منزلة أولئك ومنزلة رسول الله -صلى الله عليه وآله- ونحن أبناؤه ما قدمنا ما أخر ولا أخرنا ما قدم.
وأما الضرائب وقبالات الأسواق والجلائب وإكراه أهل الزرائع على أخذ أكثر من الزكاة فيجوز للإمام من ذلك ما يسد به الثغور ويصلح به الجمهور، وقد كتب رسول الله - صلى الله عليه وآله - يوم الخندق لعيينة بن حصن ومن تابعه من غطفان بثلث ثمار المدينة من غير مشورة أهلها، فلما عرَّفوه حالهم وقوتهم أعطاهم الكتاب فمزّقوه على أن لولي اليتيم أن يدفع قسطاً من ماله للدفاع عن سائره، ففي أمر الدين أولى؛ لأن المال يترك للدين، والدين لا يترك للمال ولا ينكر ذلك من سير آبائنا - عليهم السلام - إلا جاهل، فإن الهادي -عليه السلام- أخذ المعونة من أهل صنعاء.
وقال السيد المؤيد بالله قدس الله روحه: من له فضل مال وجب عليه إخراجه في سبيل الله ويأثم إن لم يفعل، والقاسم - عليه السلام - أخذ المعونة من بلاده التي استقرت عليها ولايته غير مرة.
والسلطان الظالم إذا تاب وقد أخذ من الرعية أموالاً لا يجوز له أخذها ورجع إلى طاعة الإمام جاز للإمام إقراره على ما في يده؛ لأن له أن يتألفه ببيت المال إذا رأى ذلك صلاحاً.(1/431)


وللإمام أن يقتل من يظهر الفساد، وكذلك من يرجف، قال الله تعالى: ?لَئِن لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً ، مَلْعُونِينَ……الآية?[الأحزاب:60،61]، ولما بلغ الهادي - عليه السلام - مكر آل يعفر وآل طريف كبلهم بالحديد وسجنهم أضعافاً وغيرها، وأخذ دوابهم وسلاحهم.
ومن اتصل بالعدو من العلوية وغيرهم ونصرهم فهو أحق بالقتل ما دامت الحرب قائمة؛ لأنه جعل نفسه من قومٍ وحربهم قائمة، وكذلك فعل الهادي - عليه السلام - في كتابه إلى ابن عمه محمد بن سليمان واليه على صنعاء، فإنه أمره بقتل الأسرى لحادثٍ من غيرهم، ورسول الله صلى الله عليه قتل من الأسرى عقبة بن أبي معيطٍ بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، والنضر بن الحارث، قتلهما علي - عليه السلام - صبراً.
ومن هاجر إلى الإمام جاز أن يعطيه وجاز أن يؤثر عليه غيره، ورأي الإمام في ذلك موكول إليه دون الرعية، وقد فعل ذلك رسول الله - صلى الله عليه وآله -.(1/432)


ويجوز للإمام أن يرد أمر المتنازعين إلى الوالي إذا اعتقد صلاحه وإصلاحه، ويجوز بناء بيوت الإمام وغيرها بما يحسنها ويرصها من تزويق وجص وغير ذلك، وقد فعل ذلك سليمان بن داود صلى الله عليه فيما حكى الله تعالى من قوله: ?يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ?[سبأ:13] وكان ذلك مما عمل بالزجاج والرخام والجوهر على أنواعه، وقد عمر كثير من الصحابة دوراً فرغوا منها بألوف، وفيها الساج والفضة والعقيق، كالزبير وهو حواري رسول الله - صلى الله عليه وآله - وكذلك أنفق عمر عشرة آلاف مثقال في دارٍ بمصر ولم ينكر ذلك أحدٌ من المسلمين.
ويجوز للإمام وغيره لبس الرفيع من الثياب، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وآله - يلبس الخز وإن قام الصوف مقامه.
ويجوز للإمام أن يولي من يغلب في ظنه كفايته فيما ولاه فيه وإن كان فاسقاً، وقد ولّى رسول الله - صلى الله عليه وآله - الفساق، كالوليد بن عقبة، وأبي سفيان، وعمرو بن العاص.
ويجوز للإمام أن يكل السائل إلى غيره من العلماء ممن يقوم مقامه لا سيما إذا كثرت الأشغال، فإن لم يقم بها غيره تعين عليه، وله أن يمسك عن الجواب إن كان له فيه نظر.
ويجوز للإمام أن يعطي الغير من الزكاة والكفارة وغيرهما من الحقوق مطيعاً كان أو فاسقاً؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وآله - أعطى عبدة الأوثان وهم باقون على كفرهم وحربه، وأعطى يهودياً من صدقة بني رزيق.
ويجوز للإمام أن يعطي الفاسق ما يقضي به دينه أو ينتفع به ولا يجوز لغيره.(1/433)


ويجوز تعذيب المطرفية والمشبهة والفساق لأخذ المال منهم، وقد فعل ذلك رسول الله - صلى الله عليه وآله - حين دفع ابن أبي الحقيق إلى الزبير فربد في صدره حتى جرح على فؤاده.(1/434)


باب الولاة ومن تجوز توليته ومن لا تجوز وما لهم فعله وما ليس لهم فعله
يجب الاجتهاد في تولية من يصلح به أمر الإسلام، فإن خالف ما أمر به زالت ولايته لانتقاض الأصل الذي بني عليه، وقد ولى رسول الله صلى الله عليه قوماً فخانوا، فتبرأ من فعلهم، ثم أظهروا التوبة فولاهم ثانياً، وكذلك علي - عليه السلام - والصحابة بعده.
وإذا دخل الوالي للولاية فلتكن نيته صادقة وليتحر فيما يأتيه نفع المسلمين، ولا يهتم بالحطام وكسب الآثام، ولتكن في ولايته كالماشي في النار أحب شيء إليه الخروج منها، ولا يحارب ليذكر فيكون مرائياً، وليعاشر من يجاوره أو يتصل به بأحسن عشرة، وليتفقد الرعية في حفظ أنفسهم وأموالهم والتحريض على طاعة الله عز وجل، وليشاور العقلاء وأهل العلم في باب العلم، وأهل كل صنعة فيما يحتاج إليهم فيه، وليستخلف في عمله من يقوم مقامه، ولا يعجل بقبول الشكاية قبل تعرف القصة، وإذا كان العدو عاقلاً فليخادعه بالنصيحة، وإن كان جاهلاً فليعم الأمر عليه، وليرحم الرعية، ولا يظهر كل ما عنده من محبة أو عداوة.
ولا يجوز للوالي أن يأخذ لنفسه من بيت المال إلا ما عينه له أو أطلقه؛ لأن المال لا يجوز إلا بمبيح شرعي، فإن ألجأت الضرورة وبعد الإمام عنه أخذ ما يأخذ قرضاً وطالع فيه الإمام، وللإمام أن يعطيه على قدر السعة والضيق، وقد ولى رسول الله - صلى الله عليه وآله - ورزق، وولى ولم يرزق، كما حكي عن عتاب بن أسيد.
وإذا لم يفوض إليه أن يعمل برأيه كان الإذن يتناول القوت والكسوة الشرعية دون الفضلات.(1/435)

87 / 97
ع
En
A+
A-