فأما الوعظ والنصيحة ونشر المصاحف فحسن غير واجب؛ لأن أكثر الأئمة لم يفعله.
وللإمام أن يأخذ المال على وجه العقوبة، وله أن يعفو، وهذا إذا أخذه بغير مغالبة ولا قتال، فإن أخذه بالمغالبة والقتال فهو فيء لوجود علة الفيء فيه.
ولنا في وقت الجهاد ومدافعة الظالمين أن نلزم إنفاق المال في سبيل الله مع الجهاد بالنفس لقول الله سبحانه: ?إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ…الآية?[التوبة:111] وقوله تعالى: ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ…الآية?[الصف:10] وما كان في مقابلة تركه العذاب الأليم فهو واجب.
ولنا أن نكره الناس على فعل الواجب، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وآله - فيما رويناه عنه: ((اجعل مالك دون دمك، (فإن تجاوز بك البلاء) فاجعل مالك ودمك دون دينك)) وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب.
وأما قوله تعالى: ?وَلا يَسْأَلكُم أَمْوَالَكُمْ?[محمد:36] فقد كان ثم انتسخ بقوله تعالى: ?خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً?[التوبة:103] والأخذ آكد من السؤال، وآيات وجوب الإنفاق نزلت بعد ذلك.(1/426)
وللإمام أن يلزم الرعية الضيافة على قدر ما يراه من المصلحة لمكان الولاية التي جعلها الله له عليهم وأن ينظر في مصالحهم، ولو قصد عدو إلى بلد فيها شيخ أو رئيس يجمعهم على رأيه لكان له أن يأخذ من أموالهم ما يدفع به العدو عن أنفسهم وأموالهم وحرمهم، وإن كره أكثرهم فالإمام أولى بذلك لمكان الولاية العامة، وما حكي من كثير من الأئمة - عليهم السلام - مما يخالف ذلك (فلعله كانت معهم بيعة) أو لم يكن بإزائهم عدوٌ شحيح المطالبة.
(ح) لأنه روي عن الهادي والناصر للحق وغيرهما من الأئمة - عليهم السلام - أنهم لم يتجاوزوا أخذ الواجبات حتى روي عن الهادي - عليه السلام - أن أفراسه باتت بغير شعير ولا علف في قرية من قرى اليمن ولم يأخذ منهم ذلك القدر.
(ص) فأما نحن فقمنا في وقت عظم العدو فيه واحتجنا إلى تأسيس الأمر من أوله؛ لأن الحق قد كان اندرس، والقبح قد فشا واشتهر، كما علمه من علمه، ومن علم أن لأمره ونهيه فيه تأثيراً وجب عليه أن يأمره وينهاه من فعل فريضة أو ستر عورة أو ترك قبيح، وإن لم يعلم جاز له أن يسكت عنه.
وله أن يقر كثيراً من الفرق على ما يستجيزون فعله في مذاهبهم، وله أن يمنعهم ويعاقبهم، والإمام موكولٌ في ذلك إلى نظره.
ونرجو أن يمكننا الله سبحانه من استئصال شأفة المفسدين من العرب والعجم لنتفرغ لأطر الناس على الدين.
ولنا أن نعاقب بالمال من ظلم بقتل أو فسادٍ في الأرض ومن يظاهره من أهل بلده ويمتنع من النكير عليه لئلا يتمالى الناس على الظلم بل يقع الإنزجار خيفة العقوبة.(1/427)
ولنا (أن نواسي أهل القتيل) ببعض العقوبة إلى أن يتمكنوا من قتل القاتل.
ولنا أن نقر الظالم خشية أن ينجم منه ما هو أشد منه أو يفوت من نصرة الحق ما هو أقوى منه، وتجوز عقوبة من رد الدينار الجائز في المعاملات، كما عاقب علي -عليه السلام- المحتكر ولما روي في علوم آل محمد - صلى الله عليه وآله - أنه قال: ((من أدى الزكاة طيبة بها نفسه فله أجر، ومن كره أخذناها منه ونصف ماله غرامة من غرامات ربكم)).
(ح) مثاله أن يأمر الإمام الناس أن يتعاملوا بنوع من الدراهم والدنانير فيمتنع بعض الناس من أن يبيع سلعته بذلك النوع ويريد نوعاً آخر مما نهى عنه الإمام، فإن للإمام عقوبته على ذلك.
(ص) وما جعلناه طعمة لمن لا (نصرة) له في الدين فقد فعل رسول الله - صلى الله عليه وآله - بالغربان، وجعل له طعمة من غيل مراد وجوف المحورة القرى والقرطية.
[حاشية: الغربان هو لرجل من اليمن رآه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ولا سلاح له، فقال: من هذا الغربان، فلزمه اللقب ودعاه الناس به. ذكره محمد بن أسعد أيده الله].
وكذلك أقطع البون همدان، وكتابه بذلك عندنا موجود إلى الآن، وأقطع الأبيض بن جمال جبل الملح بمأرب إلى (أن ردعه بعض) أصحابه، وكذلك فعل الأكيدر دومة الجندل حتى ردته قبيله إلى غير ذلك، وهذا لما كان الدين وأهله بهم عالين أعطاه رسول الله - صلى الله عليه وآله - أهل الفسق والفجور وهو مال الله ورسوله.
وأرى تثبيت الأعداء، وهو رأي الهادي - عليه السلام - وفعله، وكان محمد بن إبراهيم - عليه السلام - لا يستجيزه.(1/428)
وأرى نصب المنجنيق معتمداً على قوله تعالى: ?وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِنْ قُوَّةٍ?[الأنفال:60] فاستطعنا وأعددنا بمقتضى الأمر.
وأرى الآن جواز الرمي به بعد أن كنت أرى الإرهاب به لا غير، لكن لقومٍ دون قومٍ.
فإن قيل: فيهم الصبي والمرأة.
قلنا: وكذلك الكفار.
وأرى رمي البغاة به في حربهم وإن اتقوا بأولادهم أو دخلوا بينهم لنريح العباد والبلاد من شرهم، ونحن نقول بهذا الكلام فيمن كان الغالب عليه الفسق من نسائهم ورجالهم ولعدم الصلاح فيهم جملة، فحال هؤلاء أشبه بحال الكفار منهم بحال المسلمين، وأهل القبلة من الفساق المتأولين.(1/429)
وتجوز الإستعانة بالفساق على حرب المبطلين، ورسول الله صلى الله عليه قد حالف اليهود على حرب قريش وغيرها إلى أن نقضوه بالغدر يوم الأحزاب، وجدّد رسول الله - صلى الله عليه وآله - الحلف بينه وبين خزاعة، وتجديد الحلف الذي كان بينهم وبين أبيه في الجاهلية على قريش وبكر وكنانة حتى كان ذلك سبب الفتح، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله -صلى الله عليه وآله- مسلمهم وكافرهم، وحالف بني مدلج وغيرهم، فإذا جازت الإستعانة بالكفار فبطريقة الأولى جوازها بالفساق أولى، وهو ظاهر من آبائنا -عليهم السلام- وعليه تحمل استعانة علي - عليه السلام - بقتلة عثمان ونهوضه بأصحابه يريد صفين المرة الأخيرة وهو يقول في أصحابه ما يشهد بفسقهم من حكايته لخذلانهم وتأخرهم عن الجهاد وتربصهم وأنهم وروا صدره غيظاً، وجرعوه غصص التهمام، وتمنيه أنه لم يرهم، وبعض ذلك يقضي بفسق أكثرهم، ولأن بعضهم كان يكفره وهم علماء السوء منهم وأهل العنادة، وانتهى الحال إلى فراقهم وخلافهم عليه حتى كان وقعة النهروان.
ولا تقدح في إمامة الإمام ترك قبول الأخيار لبعض ما أمرهم، كما لم يقدح ذلك في رسول الله -صلى الله عليه وآله- في القرن الأول، وقد قال - صلى الله عليه وآله -: ((خيركم القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)).(1/430)