كتاب السير
الإمامة لا تصح بالعقد، وإمامة المنصوص تصح وإن لم يقم، فإن دعا وجبت إجابته، وإن لم يدع حمل أمره على أنه عازم على القيام عند التمكن بخلاف سائر الأئمة فإنها لا تثبت فيمن ليس بمنصوص إلا بمباينة الظالمين، والدعاء إلى الله سبحانه والتشمير للقيام بالأمر، فإن لم يفعل ذلك لم يكن إماماً، ولو فعل ذلك مع وجود المنصوص عليه القاعد لم تصح إمامته، بل الإمام هو المنصوص ولو لم يقم لعذر.
وتصح الإمامة بنص المعصوم دون غيره من الأئمة، ويجب على العالم من الرعية البحث عن شرائط الإمام مفصلاً، وعلى العامي معرفتها مجملاً بالإشتهار ونحوه.
وإذا وردت على العالم شبهة يدعي بها بطلان الإمامة وجب على العامي الإستقامة؛ لأن قول الإمام أولى من قول العالم في ذلك.
وما يحتج به أهل العقد من إمارة خالد بن الوليد يوم مؤتة وتقرير النبي - صلى الله عليه وآله - لهم على ذلك، فذلك كان لإزالة الضرر عن أنفسهم وهو أمرٌ يوجبه العقل بخلاف الإمامة فإنها شرعية، وكذلك ما يحتجون به من قول علي - عليه السلام - لمعاوية: ((أما بعد فإنه عقد لي من عقد لأبي بكر وعمر، فلم يكن للشاهد أن ينكر، ولا للغائب أن يختار))؛ لأنه كان منه إلزاماً جدلياً لاعتقادهم لصحته واعتمادهم عليه فأراهم مثله فيه على زعمهم.
ومعصية الرعية في ترك إجابة إمامة الحق بعد تجرده للقيام لا تسقط إمامته؛ لأن اللوم عليهم في ذلك دونه.(1/421)
فأما من شك في إمام عصره، فعندنا أن شكه فيه لا يخرجه عن الفسق بخلافه لأمره وترك التزام طاعته؛ لأن الإمام إذا تيقن أمر نفسه كان قطعه بذلك كالحكم على من خالفه، ويجب على الغير امتثاله وإن خالف اجتهاده كما نقول في حكم الحاكم.
وإذا كانت الحرب على رأي الإمام أو نائبه جاز الأسر والفداء، وكانت نفقة الأسير على بيت المال، وما يؤخذ منه لبيت المال، فإن جعله الأمير للذي أسره جاز.(1/422)
باب ما يلزم الرعية للإمام وما لا يلزم
يجب على الرعية التزام طاعة الإمام، والجهاد معه، ومواساته بالأنفس والأموال، ونصيحته في السر والعلانية، وموالاة أوليائه، ومعاداة من يأمرهم بعداوته.
ومن ترك الجهاد مع الإمام واعتل بأنه يعين بالمال، أو أنه من الرعية الذين لا يقومون بالقتال، أو أنه قد وقع له إذنٌ من الإمام، سقطت عدالته، وبطلت شهادته، وحكم بخطأه ولا يخلصه شيء من هذه الأعذار، وإن لم يجد الحاكم شهوداً سواهم أرجى الحكم إلى أن يجد شهوداً عدولاً، ولا يجب على الرعية متابعة الإمام في الأصول إلا فيما قامت حجته، ولا في الفروع إلا فيما ألزمه أو حكم به؛ إذ الحكم يخالف الفتوى، فإن لم يلزم جاز العمل بفتاوي أئمة الهدى؛ لأنهم معدن العلم وأهل الحكم، ويجب عليهم إنفاق ما دعت الحاجة إليه في سبيل الله من المال قليلاً أو كثيراً، ويتعين وجوبه بأمر الإمام وبطريق الحسبة متى علم خللاً في الإسلام لا يسده إلا إنفاق المال.
(ح) [قال مولانا محمد بن أسعد داعي أمير المؤمنين أيده الله:] أجاز - عليه السلام - للمحتسب أن يأخذ بعضاً من المال لدفع الضرر الأعظم عن المأخوذ منه كرهاً، ومثله ذكر يحيى - عليه السلام - في مسائل الطبريين.
[قال أيده الله:] والمشهور من المذهب أنه لا يجوز أخذ الأموال كرهاً ممن وجبت عليه إلا للإمام أو نائبه.
(ص) ولا يجوز الإخلال بطاعة الإمام، ولا الشك في إمامته لأجل تخليط العمال؛ لأن عمال النبي والوصي حدثت منهم الحوادث الكبار ولم تقدح في النبوة، والإمامة دونها، وأحداث أصحاب علي - عليه السلام - لا تنحصر.(1/423)
باب ما يجوز للإمام فعله (وما يجب عليه)
يجوز للإمام اتخاذ البواب للإشعار بالداخلين والخارجين، كما فعله سيد المرسلين - صلى الله عليه وآله - ولو منع كثيراً من الناس؛ لأن أنساً منع علياً - عليه السلام - مرتين ودخل في الثالثة.
والنهي في (البواب) إنما هو في الذي يمنع الناس عموماً، ويحجبهم سرمداً، كما يفعله الفراعنة والمتجبرون من بني العباس وغيرهم.
ويجوز للإمام قتل الأسير ما دامت الحرب قائمة لأهل الأسير وأحلافه ولا سيما إذا ظهر الكيد وفك القيد، وقد قتل علي - عليه السلام - الأسير بصفين وأجهز على الجريح، ومنَّ على بعض الأسارى بعد أن أخذ سلاحهم وتحليفهم لا حاربوه ثانياً، ووهب لكل واحدٍ منهم أربعة دراهم.(1/424)
ويجوز الدعاء لأنصار الحق من الأجناد بما يحسن من الدعاء وإن كانوا فساقاً، كما أفتى رسول الله - صلى الله عليه وآله - الصحابة بالدعاء لعاطس اليهود بأن يقال له: يهديكم الله ويصلح بالكم، ومن الدين أن يدعى للكافر والفاسق بالهداية وما يحسن من الله سبحانه به البداية، كطول العمر وسعة الرزق دون الرحمة، ولا يجب على الإمام تجديد الدعوة بعد اشتهارها، وإذا كان للإمام سعة يقوم بالمجاهدين والمصالح من المساجد والمناهل والطرق وغير ذلك لزمه الأمر، وإن كان الحال يقصر عن ذلك أو لم يصوبه إيثاره لبعض الأغراض لم يجب، ولأنه قد يتقوى بآلة المساجد للجهاد، كما فعله الحسين الفخي - عليه السلام - في أخذ ستور مسجد رسول الله - صلى الله عليه وآله - وعملها خفاتين لأصحابه، فمتى رأى إيثار أمر الجهاد فهو أولى، وكان يتفقد تلك المصالح بعد استقرار الحال وقوة الدين لأنه يبدأ بالأهم، والتحري في ذلك إلى الإمام دون غيره، ولا بد لجيش الإمام من مقدم يرد أمورهم إليه، وعلى الإمام التحري فيمن يصلح لذلك، وللإمام تأجير الحدود وإنفاذ الأمور العظيمة إلى أن ينفصل عن العدو مخافة الفتنة، وكذلك لأمير الجيش مثله.
ويجوز للإمام أن يولي من (لا خبرة له به) إذا غلب في ظنه صلاحته، وقد ولى رسول الله صلى الله عليه عتاب بن أسيد ثاني إسلامه على مكة من دون خبرة، وكان الرجل يأتيه تائباً فيعلمه الإسلام في مقامه ويرده على أثره داعياً إلى الله تعالى ووالياً على من أطاعه من قومه، كأبي أزيهر الدوسي وأمثاله، ومن لم تبلغه الدعوة وجب إبلاغه الدعوة وإيجاب الحجة عليه.(1/425)