باب القسامة
وفي قبيلتين اقتتلا بغياً بينهما ووقعت بينهم جراحاتٌ كثيرة، فمنها الموضحة وما فوقها وما دونها ولم يدع أحد جراحاته على معين، إن القسامة تلزم في النفس وما دونها إلى الموضحة لكونها أرشاً مقدراً قياساً على الدية (ولا يبطل في الإسلام دمٌ)، وما دون الموضحة في حكم التافه للإضافة إلى الدية ولا تلزم فيه القسامة.
وإذا تقرر هذا الأصل كانت الأيمان على خمسين رجلاً ما أصبتك ولا علمت من أصابك ومراده معيناً، فإذا تقرر ذلك ألزم الحاكم الأرش القبيل لما قدمنا.
وإذا اقتتل طائفتان فيما بينهما فخرجت امرأة من (إحدى القبيلتين) وماتت وخلفت أباها وأمها ولم يدر من قاتلها، فادعى أبوها قتلها على أحد القبيلتين.(1/406)


الجواب: إن مسألة القسامة صحتها مبنية على الشبهة لأنها باليقين تسقط فكيف يحاول إسقاطها بالشبهة، فأما إبراء الأب لأحد القبيلين من غير تعيين الأشخاص فهو كالبراءة لنصف أهل القرية غير معين فلا تصح البراءة بذلك ولا تسقط به القسامة لأن الدعوى قد تعينت على الخمسين باليمين فيكون التعيين والحال هذه سبب الإلزام، فإن كان القبيل متعيناً لقلته كالعشرة والخمسة أولاد فلان سقط حق الأب من اليمين وكانت القسامة باقية للأم؛ لأن مرجع القسامة إلى المال دون النفس والتبعيض يصح في ذلك وكان للأم تحليف الخمسين من الفريقين وتلزم الدية الكل ولا يسقط نصيب الأب منها إلا بالإبراء، فإن أبرأ سقط حقه، وإن ادعى على رجل معين أو رجال معينين سقط ورجع الحكم في بابه إلى البينات والأيمان، وإذا لم يوجد الخمسون كررت الأيمان على من دونهم حتى تبلغ الأيمان خمسين يميناً، وإذا اختار أولياء القتيل [في القسامة] لليمين جماعة وفيهم من يعلم القاتل، إن اليمين في القسامة هي أن يقولوا ما علموا ولا قتلوا.
وفائدة قولهم قتله فلان أن يدعي أهله على ما ذكره الحالفون فتسقط القسامة بذلك ولا يقبل قولهم قتله فلان ولا شهادتهم على من أضافوا القتل إليه.
فإذا علموا أن إنساناً قتله قالوا: ما قتلنا ولا علمنا قاتله إلا فلان لئلا يلزمهم الحنث (وتلزمهم العاقلة).
والقتلى بين العساكر فيهم القسامة إلا أن يعين أولياء القتيل الدعوى على رجلٍ معين أو جماعة مخصوصة فلا تكون لهم إلا البينة أو يمين المدعى عليهم.(1/407)


وفي رجل أهوى فيه جماعة وأنكروا ما قتلوه فشهد ثقات بأنه سقط بينهم، إن القتيل إذا قتل بينهم وصح ذلك بالبينة أو اعترفوا بأنه قتل بيننا ولكن ما قتلناه كانت عليهم القسامة ولزمت ديته العاقلة.(1/408)


كتاب الوصايا
باب وجوب الوصية
(ومن كانت) عليه صلوات كثيرة وصوم كثير بحيث لا يمكن قضاؤها لكثرتها، إن الواجب عليه قضاء ما أمكن وإن قل فذلك فرضه فإن دهمه الموت لزمه الإيصاء بكفارة الصوم وجوباً وبكفارة الصلاة استحباباً، وما يكون وجوبه متعلقاً بالمال فإن الوصية به واجبة، فإن لم يوص وجب على الوارث والوصي إخراجه.
ومن كان تاركاً للفرائض مرتكباً للمحارم ثم تاب وتخلص بما يمكنه وأوصى بما تعذر خلاصه بنفسه لم يلزمه بعد ذلك شيء، والوالد يلحقه أجر ما عمل له ولده وإن لم يوص به لأنه بمنزلة الجزء منه لغةً وشرعاً، قال النبي - صلى الله عليه وآله -: ((فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني)) وفي اللغة ظاهر.
قال الشاعر:
أكبادنا تمشي على الأرض

فإنما أولادنا بيننا(1/409)


باب ما يصح من الوصية وما لا يصح
الوصية بالأرض لما عليه من زكاة وبيت مال وكفارة أيمان وعتق ونذر تصح.
حاشية[ وذكر محمد بن أسعد داعي أمير المؤمنين أيده الله يريد عليه السلام بالوصية هاهنا الوقف، فينبغي أن يكون مراده عليه السلام بيان صحة وقفية الأرض، وإن كان وقف لما ذكر هاهنا دون الأجزاء والسقوط هذه الأشياء عن ذمة الواقف ليكون موافقاً لقول سائر أئمتنا عليهم السلام].
ومن أوصى بوصية لرجلٍ فصرف إلى الموصى له ثم أوصى به بعد هذا الرجل لمسجد أو منهل بعد قبوله وملكه جازت الوصية به لأنه يجري مجرى أملاكه.
ومن أوصى بأراضي تصرف غلاتها إلى المطرفية أو إلى مساجدهم إن الأغلب ممن يوصي أنه يريد الخروج عن ديون لزمته في الماضي وإنما تُعين إلى مساجدهم أو إليهم لأنهم أظهروا اسم الإسلام ولبسوا على العوام فيجب إخراج ما جرى هذا المجرى على الوارث وصرفه إلى بيت المال، فإن علم أن الموصي لا حق عليه (وإنما أراد أمر) كان مرجع ذلك إلى الورثة.
ومن أوصى بوصية للضيف صحت من الثلث إلا أن يجيز الورثة ما زاد.
ومن أوصى بشيء من ماله عما يجب عليه فَسلِم من ذلك المرض، إنه إن عين الواجب عليه وكان مما للإمام المطالبة به كان له ذلك ولنائبه، وإن لم يعين لم يلزمه لأنه ربما ظن عند الموت وجوب ما لم يكن واجباً.
ومن أوصى بشيء لحمام مكة صح ذلك لأن فيها قربة ووجب صرفه إلى حمام مكة.
ومن أوصى به للثغر وجب صرفه إلى أحد الثغور وأقربها إلى بلادنا هذه بحر عدن إن غزت بلاد الهند أو مراكبهم، ويكفي في العلم بأنها وصية الشهرة.(1/410)

82 / 97
ع
En
A+
A-