باب ما يوجب سقوط القصاص
ومن رمى مسلماً فارتد المرمي ثم وقع به السهم فقتله، إنه إن صحت ردته قبل وقوع السهم به ثم وقع فيه في حال ردته لم يلزم إلا الدية؛ لأن الجناية وقعت بعد ارتفاع حكم القصاص.
وقد ذكرنا أن العلة مجموع وصفين فلا يلزم الحكم بأحدهما إلا فيما خصه الدليل فتخصيص العلل جائز على ما ذلك مبين في أصول الفقه.
(ح) وذكر الشيخ أبو جعفر [رحمه الله] في (الكافي) أنه لا يلزم شيء، وقال: لأنه كان حال وقوع السهم به مباح الدم.
(ص) ولو رمى مسلماً في ظنه فإذا هو حربي فلا شيء عليه، فإن رماه على أنه حربي فإذا هو مسلم لزمته الدية لمكان درأ القصاص للشبهة وإلا فالقياس يلزمه القصاص ولا يعتبر حال الإرسال فالإرسال جائز له في تلك الحال.
ومن أمر بقتل يتيمٍ وبذل في قتله، إنه لا شيء عليه سوى التوبة ولا كفارة ولا دية.
ومن قتل رجلاً فأهوى ورثة المقتول في القاتل وأهوى معهم رجل من غيرهم، إنه إن كان بأمرهم جاز ذلك ولا شيء عليه، وإن كان بغير أمرهم وكان قد وقع منه ما يقتل مثله كان آثماً ولا حق عليه، وإن كان مشكلاً تخلص بما يخصه من الدية، [أي: ضربوه ليقتلوه] فأما القود فلا يجب عليه، فإن أحل عليه بعض الورثة من الدم والدية سقط الدم وحق الوارث من الدية ويبقى حق الآخرين من الدية، وإن أحل الكل برئت ذمته، وإن كانوا صغاراً انتظر أمرهم.
وإذا قتل أحد المسلمين صاحبه في دار الحرب لم يلزم القصاص لكون الدار وما فيها على الإباحة ويكون آثماً وتلزمه التوبة وإلا هلك.(1/396)


[حاشية: وهو مذهب الناصر للحق، وذكر أبو طالب لمذهب يحيى عليه السلام وجوب القصاص وهو مذهب أبي حنيفة].
ومن تيقن كفر إنسان ثم قتله في دار الكفر قبل قوله بأنه كافر، وكذلك حكم من ظاهره مع الكفار بقول أو مخالطة فحكمه حكم الكفار وقول قاتله مصدق في ذلك، وإن كان ظاهره الإسلام لم يقبل قوله وكان فيه القصاص إن لم يتبين كفره.(1/397)


كتاب الديات
باب العاقلة (وما يلزم فيها)
العاقلة: تنتهي إلى حيث ينتهي التعصب ولا يحد ذلك بالحد الرابع أو الخامس متى حفظ وأمكن التوريث وهو يرتقي من بيت إلى بيت حتى ينتهي إلى القبيلة لأن له شبهاً بالنصرة وجاء الإسلام بذلك فورد الشرع الشريف بذلك عن النبي - صلى الله عليه وآله - في الحلف بين اليهود والمسلمين بني فلان على ريعتهم.
[(ح) أي: على أمرهم الذي كانوا عليه].
يعقلون معاقلهم ويفدون غائبهم بالمعروف فنسب إلى الجد الأكبر وبينهم عشرة جدود وأكثر ولا اعتبار بالعدد وإن الجاني يعد معهم وهو أولى من لزمه ذلك.
والمعتق إذا جنى لا يعقل عنه إلا عصبته من قبل النسب ما وجدوا، فإن عدموا عقل عنه سيده وعصبه سيده لأن عليه نصرته وله إرثه.
والدية التي تلزم العاقلة هي قتل الخطأ وما في حكمه كالصبي والمجنون، ويلزم في قتيل بين صفين أو قريتين.
والعاقلة هم العصبات على مراتبهم، فإن عجز الأدنون انتقل إلى أقاربهم فينتهي مناّ يا بني حسنٍ إلى بني حسين ثم إلى بني عليٍّ ثم إلى آل أبي طالب ثم إلى بني هاشمٍ مثلاً.
ويلزم كل واحد تسعة دراهم في ثلاث سنين ولا يدفع بعد ذلك شيئاً، ثم ينتقل إلى من وراهم، وإذا مات بعض العاقلة قبل حلول الأجل وبعد الحكم بها لزم وارثه ما لزم الميت، وإن مات قبل الحكم سقط، وإذا كان في العاقلة غني وفقير لم يلزم الغني أن يعقل عن الفقير، بل تلزمه حصته إذا كان غير مدقعٍ.
وعمد الصبي خطأ، والموضحة (فما فوقها تلزمه أو عاقلته أو المسلمين).(1/398)


باب الجنايات التي يلزم فيها الدية أو بعض الدية أو الحكومة
وفي رجل ضرب رجلاً موضحةً فصارت هاشمة، أو هاشمة فصارت منقلة، فهذا لا يمتنع وهي لا تصير منقلة حتى تهشم، فإذا هشمت لم يحكم بالهاشمة حتى يؤمن التنقيل، وأمان ذلك بالبرء، فإن حدث بعد ذلك سرابه كان في الجميع الأرش.
وإذا قطع الذكر ثم قطع الإثنتين في وقت واحد أو أوقات متفاوتة فعليه ديتان، فإن بدأ بقطع الإثنتين ثم بقطع الذكر فعليه دية وحكومة؛ لأنه بقطع الإثنتين أبطل منفعة الذكر وصار بمنزلة العضو الأشل، فإن قطع الذكر ابتداء فدية كاملةٌ [فإن قطع الإثنتين فدية كاملة] ولا تكون فيها حكومة بحال إلا فيمن صحّت عنته.
[حاشية: وإليه أشار الناصر للحق عليه السلام، والصحيح من مذهبه ومذهب سائر أئمتنا في بيضتي العنين الدية].
وإذا دخل السهم أربع أصابع لم يعلم [أنه جائف لأنه لا يؤمن أن يكون مسايراً للجلد، فلا] يعلم حاله إلا بالمشاهدة أو قيام للشهادة، فإن دخل السهم ثابتاً كانت جائفة؛ لأن الجائفة ما وصل الجوف، والبينة على المصاب بأنها جائفة واليمين على الخصم ما أعلم صحة دعواك، وأما الحكم فيها فلا طريق للحاكم إلا المشاهدة فيحكم بما يرى، أو البينة فيحكم بما يعلم من شهادة الشاهدين ولا تثبت بيمين صاحبها إلا أن يرضى بذلك الجاني، والتقدير بحكم الأرش إلى الحاكم.(1/399)


والسهم إذا وقع في الصدر ودخل النصف أو دون ذلك بقليل فإنها تكون جائفة بلا إشكال، وإن وقع السهم في سائر الأعضاء التي ليس فيها حكم مقدر فذلك يرجع إلى نظر الحاكم، ولا يصح إطلاق القول فيه بشيء معلوم، وليس في تقدير طول الشجة وعرضها أثر عن رسول الله - صلى الله عليه وآله - بل تكفي أن تكون موضحة أو هاشمة أو منقلة أو آمة، فهذه هي المقدرات في السنة الشريفة.
وفي السمحاق حكمٌ لعلي - عليه السلام - وهو عندنا من الأصول المتبعة وسائر الشجاج موقوف على رأي الإمام والحاكم كما تقضي به المشاهدة من سعتها وضيقها وخفتها وهونها ولا يمكن أن يوقف في ذلك على حد.
وقد قدر بعض أهل العلم للجراحات من القاشرة فما فوقها إلى الآمة قدراً معلوماً، ونحن لا نرى ذلك ولا يمكن الوقوف فيه على علة لا تتجاوز بجواز اختلاف الحال فيه، وله مسلكان:
إما تقديره بالتقريب والقياس على الشجاج التي ورد النص فيها.
وإما تقدير أن يكون المصاب عبداً وكم تنقصه تلك الجراحة ثم ينتقل إلى الدية والأول أوجه فيما نرى والله أعلم.
وروي أن علياً - عليه السلام - أمر من أصيبت إحدى عينيه أن يشد على عينه الصحيحة وينظر بالأخرى ثم أمره بإطلاق المشدودة وأمره بالنظر، ثم قاس التفاوت بينهما، وهذا محمول على أن الخصم صدقه وإلا فالحكم فيما نراه ما ذكرنا، ودية اليد والرجل سواء ولا وجه لذكر أن أحدهما أنفع، وإنما جعل ذلك كذلك لأجل الشرع النبوي فإنه جاء بذلك.(1/400)

80 / 97
ع
En
A+
A-