باب التعزير
من راود امرأة على المعصية ولم يقع منه زنا يكون عاصياً ولا حد عليه، بل التعزير إن رآه الإمام أو الحاكم؛ لأن للإمام أن يسقط التعزير إن رأى فيه صلاحاً والحد لا يسقط.
(ح) [قال أيده الله] وفيه إشارة إلى أن التعزير ليس (بحق لله تعالى مطلقاً)، كما ذكره الشيخ أبو جعفر (للناصر للحق) -عليه السلام- وذكر سائر أصحابنا أنه حق لله محضٌ فلا يدخل (فيه العفو).
(ص) ومن عرف منه مثل ذلك جاز للمسلمين تعرف حاله وإن تركوه فلا حرج، وقد أقيمت الحدود على عهد رسول الله صلى الله عليه، وبعده يتربص المسلمين للفساق.
وترتفع حرمة عورة الفاسق والفاسقة بل لاتتم الشهادة إلا بذلك، وإنما المذموم أن تشيع الفاحشة في المؤمنين بما لم يفعلوا كما في الإفك (على الشك، فأما) هتك الفاسقين فمن الدين.
ويعزر من سرق الزرع وما دون عشرة دراهم، ومتى وجد رجلان في ثوب واحد لا حاجز بينهما لزم الإنكار عليهما.
وقاتل من ينكح كما تنكح المرأة لا يسقط ميراثه منه؛ لأنه لم يرتكب فيه محظوراً فكأنه قتله بالحكم إلا (أن لا يتمكن) من أخذ الحكم فيه فلم نأخذه.
(ح) قال أيده الله يعني قتل من هذه حاله وصفته لا يحرم الميراث ولا يمنعه؛ لأنه قتل بإجازة الشرع وإذنه.
[(ص) أخرى يعني يقدر على منعه من ذلك وإزالته من دون القتل فإنه يكون متعدياً فلا يستحق الميرث؛ لأنه قاتل عمد.(1/391)
(ح) ويحتمل معناه وجهاً آخر، وهو أن يتمكن من رفعه إلى الإمام ليقيم الحد، فإذا قتله مع ذلك كان متعدياً فلم يستحق الإرث منه؛ لأنه ليس له قتله والحال هذه، ذكره الفقيه الإمام محمد بن أسعد أبقاه الله وأيده]*.
(ص) ومن كان يقطع الطريق، ويغدر بالرفيق، ويؤوي المفسدين، ويسفك الدماء، ويظلم الناس، تجب عقوبته والتأديب له بما يراه الإمام أو المسلمون.(1/392)
كتاب الجنايات والقصاص
باب ما يوجب القصاص
وإذا جنى جماعة على رجل فمات وبعض الجنايات مما يموت من مثله في الأغلب ومنها ما لا يموت من مثله في الأغلب وعلم جناية كل واحد منهم، إن القود يلزمهم جميعاً، فإن تقدمت الجناية التي يعلم أنه يموت منها لا محالة كقطع الرأس والوسط وتأخرت جناية من لا يعلم أنه يموت منه كانت كالجناية على ميتٍ.
وإذا قطع رجل يد رجل من مفصل الكوع وقطعها آخر قبل اندمال ذلك الجرح من مفصل الذراع ثم مات المجنى عليه إن الجنايتين إن كانت أوقاتهما متقاربة فكل واحد منهما قاتل يلزمهما القود جميعاً، وإن كانت متفاوتة ولكن قبل الاندمال وكان الظاهر من حال القطع من الكوع السلامة ومثل ذلك يعلم بالعوائد من حال المقطوع كان أرش اليد على القاطع الأول والقود على الثاني، وإن التبس الحال واعتدلت الإمارات سقط القود ولزمهما جميعاً الدية؛ لأن القصاص من جنس الحدود وهي تدرأ بالشبهات والشك من أقوى الشبهات، وإن كانت الأمارة مستمرة ثم حدثت هذه الجناية الأخرى فمات كان القود على الجميع ولم يضر تخلل الأوقات، كمن يجني جناية تقتل مثلها في مجرى العادة ثم يقطع الآخر رأسه.
وإذا قطعت المذاكير ووقف على حد معلومٍ وأمكن استيفاء مثله وجب القصاص وإلا فلا ويلزمه الدية ويبعد أن يوقف على حد معلوم في السليم.
[حاشية: والصحيح من مذهبه ومذهب سائر أصحابنا عليهم السلام أنه لا قصاص في المذاكير].
وأما العينين فإنه يمكن الإستيفاء؛ لأنه لا تزيد ولا تنقص ولا تصعد ولا تهبط، فإن امتنع القصاص فمن باب الخيفة أن لا ترقى العروق.(1/393)
ومن قطع أصبعاً فشلت الأخرى أو اليسرى فشلت اليمنى فعليه القود في الأصبع واليد؛ لأنها المعتمدة ولا يعتاد تعديه غالباً، وتجب الدية فيما شل من يدٍ أو أصبعٍ.
ومن قطع يد رجلٍ عمداً ثم قتله عمداً، إنه إن كان وقت الفعل واحداً أو متقارباً لم يكن له إلا القتل، وإن كان الوقت متبايناً بحيث يلزم القصاص في اليد مفردة كان للولي قطع يده أولاً ثم يقتل ثانياً؛ لأنه لا يحكم له ثانياً إلا بما استحق أولاً.
ومن رمى عبداً فأعتق وصادف وقوع السهم حريته لزمه القصاص.
[(ح) وهو قول الشافعي، وعند الناصر للحق لا شيء عليه، ذكره الشيخ - رحمه الله - (أعني من الدية والقصاص)، بل تلزمه قيمته عمداً].
(ص) لأن الاعتبار بوقوع الفعل لا وجود سببه، كما إذا رمى صيداً في الحرم فوافق خروجه من الحرم وقوع السهم فيه في الحل يكون آثماً به في النية ولا يلزمه شيء؛ لأن الفعل صادف الإباحة، ولولا شرائط في المرتد لما كان يلزمه شيء.
وإذا شهد شاهدان على رجل بقتل آخر وهو يعلم خلاف شهادتهما، إن له الهرب والمدافعة ما لم يحكم عليه الحاكم، فمتى حكم عليه لزمه الانقياد لظاهر الحكم حفظاً للشرع النبوي.
وفي رجلين قتلا رجلاً وله أولاد صغار، إن صاحب الأمر إن تمكن من حبسهما إلى بلوغ الصغار كان له ذلك، فإذا بلغوا خيروا بين القصاص والدية فأيهما (اختاروا لزم لهم).(1/394)
والمرتد إذا قتل ذمياً لزمه القود؛ لأن في الرواية أن علياً - عليه السلام - أقاد في الذمي وقال: "أنا أولى من أوفى بذمة رسول الله -صلى الله عليه وآله- " وإن كان الخلاف فيه واقعاً فهذا أصلٌ ممهد، فأما مع الردة فدماؤهما متكافية.(1/395)