كتاب القضاء والأحكام
قال - عليه السلام - في عهده لبعض قضاته: القضاء فريضة من الله سبحانه فرضها على من استخلفه ليفصل بين الناس، قال تعالى: ?يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِع الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ?[ص:26]، ولما كان من مهمات الدين رأينا أن نوليك هذا الأمر بمثل ما حمله به في الأصل من أمانة الله تعالى وعهده وترك اتباع الهوى، والصبر على الأذى فهو مقام صعب، واجعل شعارك التقوى، ودثارك الحياء، واجعل مادتك من الكتاب والسنة، والرجوع إلى قول إمامك، وذلك يتم بالعقل الثاقب، والاعتقاد الصحيح، والدين الصريح، والورع الشحيح، وكذلك خليفتك، ويكفيك مع صحة اعتقادك للأصول والفروع معرفة جمل من أقوال السلف الصالح من العترة -عليهم السلام- وتقدم ما صح عنا من المسائل التي تمتحن بها، وتجنب الحكم عند شدة البلوى، وعند الجوع الشديد (والظمأ والامتلا)، وساو بين الخصوم في سياستك ولحظك وإشارتك، ولا تحكم لأحد الخصمين بمحضر خصمه حتى تسمع كلام خصمه وتبحثه هل بقيت له حجة، واحكم على المتمرد والغائب فإن حضر وأدلى بحجة قبلت، وأكثر تخويفهم بنقمة الله وعذابه في الآخرة، ولا تبت الحكم حتى لا تجد إلى الصلح سبيلاً، وأنعم النظر عند الحكم، واستخر الله سبحانه عند مضائه، وتمهل لكي تتعرف علل الأقوال ووجوهها ثم أطلق بالحكم لسانك وقلمك مستمراً كالسيل لا يردعه شيء من(1/381)


مستقره، ولا تضف أحد الخصمين، ولا تقبل هديته ولا تضيفه، وتفقد أحوال الشهود في أنفسهم وصحة بصائرهم وأبصارهم وأديانهم وأحوالهم، وأزل التهم التي تلوث صحة الشهادة، واجعل جواسيس لا يعرفونهم لذلك، وتفقد أمور اليتامى وابحث عن وصاياهم وولاتهم، وما خشيت تلفه من أموالهم بعته بعد الاستقصاء في ثمنه، وانصب الولي المرشد لمن لا ولي له ولا وصي، واطلق لهم من الإنفاق ما جرت به عادات آبائهم في معايشهم ولباسهم وما يحتمله حالهم وزمانهم، وإن كانوا من أهل العلم فعلمهم وأنفق عليهم وعلى معلمهم، واحفظهم من مخالطة السفهاء وأهل الفحشاء، واحكم بخط القاضي إذا شهد شاهدا عدلٍ بقضائه أو قرأه عليهما أو ناوله الخصم بمشهدهما، وكذلك لو كان واحداً أو امرأة لحق بالأخبار وجاز إمضاؤه والعمل به ما لم يكن في حد أو قصاص أو أمر تتعلق به الشبهة أو يكون مخالفاً للأصول المقررة خلافاً مصرحاً.
(ح) وعند سائر الأئمة حكمه حكم الشهادة فلا بد من اعتبار من تصح شهادته ومن لا تصح، وتصح فيها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين.(1/382)


(ص) ولا تحكم في حكم القاضي بالخبر وأنت تجد الشهادة، وإذا نزلت بك نازلة من الحدود أبعدها الله فنح الناس عنك إلا من تستعين برأيه، وابحث عن صاحب الحادثة بحثاً بليغاً، وعن الشهود وعن السبب، وعلى أي وجهٍ وقع الفعل، وبالغ في سقوطه غاية ما لم يسقط ما قد وجب، وإن انبنى الحد على الإقرار في حدود الله سبحانه لقتنه الألفاظ التي يسقط بها فإن رجع بعد لزوم الحد فاقبل رجوعه، فإن تمكنت من مطالعة إمامك باسمه وأمره فلا تمض الحد حتى تطالعه وتعرفه باسمه واسم أبيه وبلده وكيفية الصورة في أمره فما حاك فامضه وإن لم تتمكن فلا حرج، ولا بد من مطالعة إمامك بالفعل أو الترك ليكون إمامك منك على معلوم، وتفقد المساجد والجمع والإستنابة في جهاتك بمن يقوم بها من أهل الصلاح، وكذلك الأوقاف والوصايا والطرق والأسواق والمناهل والمجامع بالولاة المحتسبين وتعريفهم بما يلزم من معرفته في ذلك ولو كتبت لهم كتاباً في ذلك ورسمت رسوماً وحددت حدوداً، وما التبس عليك من جميع هذه الأمور أنهيته إلى إمامك، فهو قبتك، وباب حطتك، وسفينة نجاتك، فما أراه الله أراك، وما هداه له هداك، وإن امتنع ذلك لبعض الأسباب استعنت بمن حولك من أهل المعرفة ولم تأل في الاجتهاد، وعلى الله سبحانه التوفيق لنا ولك (ولجميع المسلمين).(1/383)


وإذا خشي القاضي المضرة من أحد الخصمين وسعه ترك الحكم بينهما ولم يحكم بغير الحق كما فعله شريح لما خاف، وإن بين الحكم وأخر التنفيذ جاز وكذلك الإمام، وكذلك يجوز للإمام تأخير إقامة الحد للمانع كمصافة العدو أو خوف ما لا يمكنه تلافيه، فإذا تراضى الخصمان برجل يفصل بينهما وحكم بينهما بالحق لم ينتقض بل هو آكد من ولاية الإمام والوالي؛ لأنه يثبت بتراضي الخصمين.
(ح) فجعل حكم الحكم كحكم الحاكم، بل جعله أولى، (وبين محصلي أصحابنا - عليهم السلام - خلاف في ذلك)، فذكر القاضي زيد مثل هذا، وذكره الشيخ الحافظ لمذهب الناصر للحق، والفقيه أبو يوسف، وقال الشيخ أبو القاسم للمؤيد والفقيه شهراشويه لمذهب الناصر: لا يلزم حكم الحاكم.
(ص) وإذا حكم القاضي بما في كتب الأئمة عليهم السلام لم يعد مخطئاً إلا أن يلزمه الإمام حكم نفسه فإنه يتعين عليه ذلك، ولا يصح حكمه بفتوى من قبله من الأئمة.
وإذا أخطأ الحاكم لزمه ما حكم به إن لم يوف الاجتهاد حقه، فإن وفاه حقه كان الخطأ على بيت المال ولا بد من الغرامة والحكم ماض إلا أن يكون مخالفاً للكتاب والسنة فإنه ينقض.
والإمام إذا أمر الحاكم أن يحكم بمذهبه ثم حكم بخلافه لم ينبرم حكمه ولم ينعقد ولا يقال أنه ينقض حكمه لأن النقض تابع للثبوت وهاهنا لم يثبت الحكم؛ لأن لأمر الإمام وإلزامه حكم فلا ينتقض ولا ينعقد ما حكم بخلافه.(1/384)


ومن باع أم ولده ثم استولدها المشتري، إنها تكون أم ولد لهما جميعاً ولا ينتقض البيع إلا بحكم الحاكم فإن حكم الحاكم بفساده انتقض، وإن حكم بصحته وجب القبول للحكم، فإن مات الأول وقد رافع المشتري إلى الحاكم وحكم بصحة البيع كان للجارية المرافعة في حق نفسها ويحكم الحاكم باجتهاد نفسه، وما وقع فيه النزاع بين الحاكم وغيره لم يحكم فيه لنفسه بل بحكم حاكم آخر، وعلى القاضي أن يسأل عن تفصيل أحوال الشهود ليتضح له الأمر، ولا بد للقاضي أن يكون عالماً واقفاً على معاني الحكم والعلم ليدري ما يقول وبما يقضي.
وللحاكم أن يضطاف الخصمين دون أحدهما منصوباً كان أو غير منصوب، وللإمام أن يأذن في ذلك لمن يراه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه أذن لمعاذ في قبول الهدية وقد قال: ((هدايا الأمراء غلول)) والغلول هو الحرام، وأهدي لمعاذٍ ثلاثون رأساً من الرقيق في اليمن، فحاول أبو بكرٍ أخذها لبيت المال، فقال معاذ: "طعمة أطعمنيها رسول الله - صلى الله عليه وآله -" فأتى والرقيق يصلون فقال معاذٌ: "لمن تصلون؟ فقالوا: لله تعالى. فقال: قد وهبتكم لمن صليتم له" فأعتقهم وهذا أصل فيه.(1/385)

77 / 97
ع
En
A+
A-