باب وجوب الشهادة
وفي أمة تدعي الحرية وتذكر أن في بلدها شهوداً يعرفونها ويعرفون حريتها، إن الشهود إن كانوا عدولاً يرضاهم الحاكم أو رضى بهم مولاها شهوداً وجب عليهم تحمل المشاق [والوصول، لأن شهادتهم مما يتعلق بالدين ومما يجب فيه تحمل المشاق]، وإن كانوا غير عدولٍ ولم يرض بهم مولاها لم يجب عليهم الحضور، فإن تأخروا وهم عدول بعد أن عرفوا ذلك وتبين لهم وجوبه لم يبعد أن يفسقوا بذلك.
والشاهد يجب عليه أداء الشهادة فيما دون الميل ولا يجب عليه فيما فوقه، وعليه أن يشهد على شهادته إن سئل عن ذلك، فإن اجتاز فوق الميل كان المؤنة على من يشهد له.
(ح) أشار - عليه السلام - بجواز الشهادة على الشهادة إذا كانت المسافة فوق الميل، ومثله ذكر السيد أبو طالب لأنه قال أدنى ما بين البلدين.(1/371)
باب اختلاف الشهادة
وإذا اختلف شهود الوصية فقال بعضهم: أوصى بها بعد موته، وقال بعضهم: بل أبتها في حياته. وفيهم العدل وسواه، إن الظاهر من الوصية أنها بعد الموت، فإن غلب على ظن الحاكم صدق من شهد بأنه أثبتها في حياته ورجح عنده على ما عارضه من الشهادة الأخرى حكم به، وإن لم يحصل ما ذكرنا فالظاهر أنها بعد العين.
ومن أتلف ثوباً لآخر وشهد شاهدان من أهل الخبرة أن قيمته عشرة، وشهد آخران بثمانية، إنه يؤخذ بالزائد؛ لأنه يثبت حكماً والناقص ينفيه.
وإذا شهد أحد الشاهدين أنه وقف ماله على نفسه وولده وزاد الآخر على ذلك بأنه على فرائض الله سبحانه صحت الشهادتان؛ لأن الوقف متى أطلق كان على فرائض الله سبحانه.
وإذا شهد أحد الشاهدين بألف في البيع والنكاح والآخر بألف وخمسمائة فقد اختلفت الشهادة وتعارضت فالواجب الرجوع إلى وجه آخر.(1/372)
باب العدالة والجرح
الجرح أولى من التعديل وإن كثر المعدلون فإنهم لا يخبرون إلا عن ظاهر الحال، والقادح إذا كان عدلاً يخبر عن باطنه، ولأن المعدل ينفي والقادح يثبت والإثبات أولى من النفي في باب الشهادة غالباً.
وإذا حلف رجل بصوم عشر سنين لم يكن جرحاً في [عدالته إلا أن ينضم إليه أمر آخر].
ومن كان ظاهره العفة وإقامة الواجبات، وامرأته أو ابنته يجرحان وهو يزجرهما ولا يقصر في نهيهما عن ذلك بكل ما يمكنه من ضرب وتأديب عقيب الأمر باللين وكان خروجهما متبرجتين ولم يقصر في النهي عن ذلك فإن ذلك لا يسقط عدالته (إلا أن يظهر على المرأة فجورٌ) فلم يطلقها فإن ذلك يسقط عدالته، وكذلك إن ظهر على البنت [حبسها حتى يقام عليها حكم الله سبحانه أو تظهر التوبة إن لم يكن به إمام أو قائم مقامه]، فأما إذا خرجت مستترة لأمر يعنيها فلا إثم عليه ولا عليها.
والشاهد إذا سب بما هو محظور فلا يبعد أن تسقط عدالته إن كان المسبوب مسلماً، وإن كان فاسقاً لم يقدح في عدالته إن سبه بما هو فيه.
ومن لم يعدل غيره لأنه لم يخبره ثم عدله بعد ذلك صح تعديله إذا أخبر القاضي بوجه صحيحٍ في ذلك.(1/373)
باب الشهادة على الشهادة
والشهادة على الشهادة أضعف من ابتداء الشهادة فلا بد أن يشهد على الأصل فرعان، فإن شهد كل واحد من الشاهدين على كل واحدٍ من الأصلين صحت الشهادة وإلا فلا بد من أربعة.
ويشهد الشاهدان عن رجل ومرأة وهي شهادة واحدة.
(ح) معناه شهادة على شهادة رجل واحد؛ لأن شهادة المرأة وحدها لا حكم لها مع شهادة رجل واحد فتصح هذه الشهادة على قول من يجوز الحكم بشاهد ويمين المدعي.
(ص) ومن لم يقدر على أداء الشهادة لمرض وشبهه أشهد على شهادته عدولاً، فمتى حكم الحاكم بذلك نفذ، فإن رجع شاهد الأصل ولم يرجعوا غرم، وإن رجعوا معه غرموا معه، ولا غرم على القاضي.
ومن شهد على شهادة شاهد الأصل وأنكر شاهد الأصل لم تصح شهادته.
والمسافة التي معها يجوز معها الإدعاء على الشهادة هي التي لا يمكنه الرجوع إلى بلده بيومه.
(ح) [قوله: إلى بلده بيومه]. هذا يدل على أن المسافة يجب أن تكون دون مسيرة يومٍ وهو أربعة فراسخ، ومثله ذكر صاحب (الوافي) [لمذهب القاسم ويحيى عليهما السلام].(1/374)
كتاب الوكالة
ومن قال لغيره: اشتر لي كذا وأقرضني ثمنه واستقرضه لي، ففعل ذلك وتلف المبيع كان من مال الموكل، والوكيل أمين، فإن اتهمه حلفه لقد اشتريته بكذا.
والسمسار إذا باع مال غيره رجع فيما يلزم في غير المبيع (من يمين وغيرها) إلى مالكه، وما كان من عقود البيع وألفاظه فهو إلى السمسار، وهكذا في نظائره، وإذا ظهر من الوكيل خيانة بطلت وكالته لأن أصلها الأمانة.
ومن أخبره مخبر بأن له أرضاً في بلد كذا فوكل رجلاً ببيعها وهو لا يعرفها، إن الوكالة تصح على الجملة ولا يبطل قول الوكيل ولا دعواه إلا ببينة، فإن باع الأرض كان موقوفاً على إجازة المالك.
ومن سافر واستخلف على أهله رجلاً وسلّم إليه شيئاً ينفقه عليهم وعليه كان له أن ينفق عليه إلى قدر أجرته وعليهم إلى قدر حاجتهم وما يعتاد مثلهم من مثله، فإن اختص بشيء دونهم لم يجز إلا بإذنه إذا كان زائداً على المستحق، فإن ظن كراهته كان أعظم في المنع من الجواز، ومتى نفذ (ما سلمه إليه من نفقة) لم يجز أن يبيع مما في بيته للإنفاق إلا بأمر وليٍّ أو حاكم، فإن فعل ذلك كان ضامناً لما أحدث اللهم إلا أن يكونوا في مفازة أو موضع لا يمكن فيه الرجوع إلى الحاكم وانتظار أمره وخشي عليهم التلف فإنه يجوز له والحال هذه من طريق الحسبة أن يبيع من مال موكله وينفق عليهم بالعدل على جاري العادة ويتناول قدر ما يستحقه.(1/375)