وصحح ذلك جدنا العالم عبد الله بن الحسين -عليه السلام - وكان قدوة ذكره في كتاب (الناسخ والمنسوخ) فمعنى قوله تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا علم لنا إلا ما علمنا الله، ?أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ?[المائدة:106] يريد تعالى من غير أهل ملتكم، وقد قال بعض الناس: معنى من غيركم أي: من غير قبيلتكم، وهذا قول ساقط لأن أحداً لم يقل باختلال شهادة قبيلة على قبيلة من المسلمين ولا في هذا خلاف فيذكر؛ لأن الإسلام جملة واحدة وأهله أخوة في الله تعالى كما قال تعالى: ?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ?[الحجرات:10]، ونهى رسول الله صلى الله عليه عن الإعتزاء إلى القبائل كما كانت تفعله الجاهلية فكيف يفرد له حكم، هذا ما لا يقوله ذو معرفة.(1/366)
ولما طال الأمد على المسلمين وقست قلوب كثير منهم وخالفوا أهل بيت نبيهم في الدين، وتنكبوا سبل الهادين، لم يبق المتمسك بالحق إلا الأقلون، كما قال تعالى: ?وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ?[سبأ:13] وقال سبحانه: ?وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ?[هود:40] وبعض من ينتسب إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين قد ترك شرائع الإسلام ورفضها، وبعض من ينتحل الإسلام خرج عن الإسلام بالاعتقادات الخبيثة التي بعضها يؤدي إلى الكفر وبعضها - وهو الأقل - يؤدي إلى الفسق، ولا ضرورة أكثر من هذا لانتشار كلمة الإسلام في الآفاق وكونهم لا يفزعون تديناً إلا إلى الشرع النبوي زاده الله جلالةً وعزاً، فلو منعنا من شهادة بعضهم لبعض لأدى إلى تلف الأموال واختلال الأحوال وهذه ضرورة لا يجهلها [أحد من] أهل المعرفة، وقد أجاز جل أهل العلم شهادة أهل الأهواء والمذاهب وبعض أقوالهم يؤدي إلى الكفر باتفاق.
وقد ذكر أهل التحصيل من أهل العلم جواز قبول أخبار المخالفين في الاعتقادات، وروى عنهم المحقون بغير مناكرة في ذلك، والإخبار نوع من الشهادة ويجري مجراها في بعض الأحكام.(1/367)
فإن كانت هناك بلدة لا يوجد فيها العدل العدالة الشرعية كان حكمها حكم الضرورة وقبلت شهادة ثقاتهم ومن لا يعرف بالكذب والخيانة منهم؛ لأن الشهادة مرجعها إلى غالب الظن، وقد يغلب في ظننا صدق كثير من العصاة وتاركي الصلاة، ولا ينسب إلى كثير منهم الكذب ولا الخيانة في الشهادة وقد يخشى ذلك من كثير من المظهرين للدين، فكما أنه يرجع في الشهادة إلى غالب الظن يعتبر الحاكم نفسه في ذلك، فإن غلب على ظنه صدق الشاهد حكم بشهادته وإن لم يغلب في ظنه ترك، وكذلك الحكم في كل شاهد فاعلم هذا الأصل وتلك العلة التي يدور عليها الحكم نفياً وإثباتاً.
وقد علمنا كفر كثير من المخالفين لنا من أهل المذاهب وأن التاركين للفرائض منا أهون جرماً من العباد منهم والنساك، بل أكثر عبادتهم يزدادون بها من الله بعداً، فقد أجاز أهل العلم شهادتهم وقبلوا إخبارهم، فما المانع من قبول شهادة عصاة الأمة إن لم يوجد غيرهم ويكون ذلك ضرورة، بل هو غير ضرورة لكن أكثر البلاد بل جلها إلا القليل لا يوجد فيها من تصح عدالته على الوجه المعتبر عندنا، فأي ضرورة أعظم من هذه.
وأما معنى الشهادة: فهو لفظ مبين معلوم يثبت به الحكم في مقابله الدعوى الصحيحة.
وأما أحكامها: فهي تختلف بحسب اختلاف معانيها.
فمنها ما يتعلق بالنفي.
ومنها ما يتعلق بالإثبات.
ومنها ما يعرض للسقوط.
ومنها ما يكون الأولى به الثبوت.
ومنها ما يضعف بمقاربة ما يقويه كشهادة الداخل والقابض.(1/368)
والشهادة على المعترف بالزنا يسقطها الإعتراف، وينتقل الحكم إلى باب الإقرار، وموضع تفصيل ذلك كتب فروع الفقه، ولولا تراكم الأشغال لذكرنا من ذلك طرفاً، والإشارة تدل على ما وراءها، فتأمل رحمك الله هذه المسألة فإنها من مهمات الدين.
وإذا أقر الخصم للوكيل ثم عزل عن الوكالة صحت شهادته عليه؛ لأنه ليس هاهنا أمر يبطلها، بل العزل، بخلاف ما لو شهد في حال وكالته لأنه منهم، ولا تصح شهادة الوكيل فيما باعه لأنه كالشاهد لنفسه.
وشهادة المجبرة لا تقبل؛ لأن من أضاف القبح إلى عدلٍ سقطت عدالته فكيف من أضاف إلى رب العالمين، والمراد به إذا شهدوا على أهل العدل.
وتصح شهادة الشاهد الواحد مع يمين المدعي، ومن شهد بما لا يعلم بطلت شهادته إلا أن يرضى الخصم ويحرم على الشاهد ذلك.
ولو جاءت امرأة ببينة أن هذه ابنة جاريتي لم تصح هذه الشهادة إلا أن يشهدوا أنها ملكها إلى الآن.
وإذا أخبر رجل عدل عن رجلٍ مات عنده أنه ذكر أن وصيته عند فلانٍ ثم أخرج فلانٌ هذا وصية وشهد بما فيها وظاهره الصلاح لكنه مخل بالجهاد من غير عذرٍ، إن تركه للجهاد مع علمه بوجوبه يجرح في عدالته، وإن تركه جهلاً أو عجزاً عن القيام به فشهادته جائزة، وينفذ تصرف الوصي في مال الأيتام بشهادته إن كان معه شاهد مرضي على صحة الوصية.
وإذا عرف الشهود المال المدعى بحدوده ولم تكن عندهم معرفة عينه فشهدوا بحدود المال على وجه الصحة وأتى المدعي بشهود على أن هذا المسمى المحدود هو الذي شهد به الشهود صحت الشهادتان؛ لأنهم قد شهدوا بما علموا.(1/369)
وإذا شهد العاصي الذي يغلب في الظن صدقه بحق الشرب للصدقات جاز الحكم به وكان خبراً لا شهادة وإن كان واحداً ولا يمين على أحد في ذلك بل ذلك من طريق الحسبة.
وإذا اقتتل قبيلان وانفرجوا عن جراحاتٍ في أحد القبيلين جاز قبول شهادة من شهد من القبيل الذين وقعت فيهم الجراحات ممن لم يشاركهم في بغيهم، فإن ادعى الخصم على خصمه بطلان شهادة شاهده لبغيه حلف ما بغى شاهدي في هذه الحرب، وحلوله فيما بين القبيل لا يبطل شهادته.
وإذا شهد الشهود بحق ثم ماتوا أو غابوا صحت شهادتهم ويقر بها الحكم إلا في الرجم؛ لأن الاعتبار في الرجم يبدأ بهم (وقد فقدوا قدر تبين الحد)، فإن ارتدوا (بأقوال أو أفعال) فهو بمنزلة موتهم وأمضيت الأحكام إلا في الرجم.
(ح) وذكر أصحابنا أنه لو شهد ثم كفر أو فسق قبل حكم الحاكم لم يحكم بشهادته وادعوا الإجماع، فأما لو مات أو جن أو أغمي [عليه قبل حكم الحاكم فإنه] يحكم بشهادته.
(ص) والشهادة للعبد الصغير بالحُرية من غير دعوى تقبل من طريق الحسبة، وتصح الشهادة على بيع الأرض بثمن معلوم وحدود معلومة وإن لم يعرف الشهود الحدود بالمشاهدة.(1/370)