(ص) فإن قبضه في حياتها استأمرها فيه وإن كانت ميتة لميتعلق به حكم لأنه ليس فيه معنى الوصية ولا لفظها إلا أن يكون المهر شيئاً معيناً جرى مجرى الإقرار.
وفي رجلٍ أقر أن في يده شقصاً في بئر فلان الذمي في بلد كذا وكذا ولم يوجد هناك من له ذلك الاسم إلا رجل واحد، وجاء وكيله يطالب، إن البينة إذا وقعت بالإقرار على ما ذكرنا كان على وكيله البينة بأنه لا فلان ذمياً في ذلك المكان إلا هذا ولزم بذلك تسليم المال إلى وكيله دون أن يشهد الشهود بأن المال له وأن هذا غير المقر له.
ومن كان في يده عبد فتلف بجناية الغير ثم أقر أنه كان ابناً له، إن إقراره هذا لا يقبل في حق الغير لأنه يريد إلزامه الدية اللهم إلا أن تكون قيمة العبد تبلغ دية الحر أو يكون في يد العبد مال ويخلف ولداً فإن إقراره يقبل في حق الأولاد ولا يقبل على القابل.
(ح) هذا هو الصحيح من المذهب (وإن أشار) القاضي زيد إلى أن إقرار المولى يصح من غير اعتبار أمر آخر.
(ص) وإذا أقر رجل بصبي أنه ولده والناس يعلمون أنه لا فراش لأم الصبي منه، إن الإقرار بالولد لا يصح مع ذلك.
ومن أقر في مرضه بدين لآخر وأعطاه بدينه أرضاً، إن هذا الإقرار صحيح والقضا نافذ، فإن اتهمه الورثة حلفوه ما أقر لك إلا بحق، فإن لم يحلف كان ما أقر به وصية تخرج من الثلث.
ومن قال: هذا المال أو مالي بينك وبيني نصفين كان له نصف المال إن قامت به بينة عند التجاحد.
ومن قيل له: هل تصدقت على فلانٍ بكذا؟ فقال: نعم. كان ذلك إقراراً من جهة العرف.(1/361)


وفي رجل أودع وديعةً وقال: هي لابن عمي وله أبناء عم، ومات المودع، إنه لا بد من انتظار صحة من تصح دعواه، ولا بد من تعرف الساكت من بني العم هل يدعي أم لا، فإن ادعاه أحدهم والحال هذه كان أولى به، وإن تساووا في الدعوى حكم به للجميع، وإن تركوا الدعوى كان لبيت المال.
ومن قال: أعتقت واحداً من عبيدي هؤلاء وهم ثلاثة وقال: هو ذا، بل هذا، (بل هذا)، إنه يثبت العتق لمن استقر عليه القول إلا أن يقول: هذا، ثم يخرج من هذا الكلام إلى كلام آخر ويطول الوقت، ثم يقول: بل هذا، لم يلتفت إلى قوله كما يقول في الاستثناء إنه لا يكون إلا متصلاً.
ويصح الاستثناء في الإقرار، ويصح فيه العطف والإضراب، والعرب تعتمد ذلك في لسانها.
ومن كان له ثلاثة عبيد وثلاثة بنين، ثم قال: أحد العبيد ابني، ومات ولم يعلم من هو، إن هذه الدعوى لا تصح إلا في عبيد مجهولي النسب، فإذا كان كذلك عتق من كل عبد ثلثه؛ لأنه لم يعين، وسعى كل واحدٍ في ثلثي قيمته وصح أن يرثوا بهذا الإقرار ويورثوا تارة بالسبب وتارة بالنسب على التجويز والتحويل.
ومن أقر على نفسه بالرق وهو مجهول الحال صح إقراره ولا سيما إذا قال لفلان.
ومن قال إن الذي في يدي من أبي وقف على ورثته واستثنى منه شيئاً معلوماً ثم مات المقر وتنازع الورثة في صحة الوقف وفساده، إن الإقرار لا يلزم إلا في نصيب المقر دون سائر الورثة.(1/362)


باب الإقرار بالنسب
ومن أقر أن أقرب الناس إليه إذا انقطع نسبه آل فلان ثم مات وأتى المقر له بالبينة، وأتى آخر ببينة عادلة أنه أقر في صحته بأنه وارثه وتساوت البينتان، إن المقر إن بين وجه استحقاق الإرث وكان ذلك يوجب استيلاء آل فلان على الإرث كانوا أولى ممن أقر أنه وارثه؛ لأن ذلك لا ينافي استيلائهم على المال لأنهم قد يكونون ورثةً ويستولي على المال غيرهم بوجه شرعي متى عدم ذلك المتولي كان لهم، وكونه أقرب لا يوجب إرثه لأن الأقرب قد يحرم الإرث كما في الحماريه على أنا لو قدرنا استواء البينتين في لفظ الإقرار إلا أنه لحال هؤلاء أقرب كانت بينة الآخرين أولى لأنهم بمثابة الخارج وبينته أولى، فإن استويا في كل وجه قسم بينهما.
فإن مات المقر بالعصبة وبمن يرثه وولد له ولد بعد موته ومات صغيراً وأتى المدعون للإرث بالبينات في المسألة الأولى وللصبي ورثة من ذوي السهام كان إقرار الأب يلزم ورثة الإبن لأنه إنما يصل إليهم من جهته فالقول فيه قوله إلا أن يعلم خلافه، وليس لأهل السهام إنكار ذلك مع حصول البينة وإنما لا يعتبر إقراره فيما ملكه الولد من غير جهة الأب إلا أن يأتي الورثة المقر لهم، فأما ما كان في يد أبيه فإقراره فيه صحيح في حياته وبعد وفاته.
والنسب لا يثبت إلا بمقارة المتناسبين جميعاً أو بالبينة وليس فيه تقدير إلى أي جد يكون، بل إن صح العلم بالقرب بينهما ولا أقرب منه إلى الآخر صح إلى الأب العاشر وأكثر، وإنما يقال إلى الجد الثالث قياساً على قرابة بني هاشم، وإنما كان ذلك لأنهم خصوا بالأقربين، ولو أطلقت القرابة لتناولت كل قريب.(1/363)


كتاب الشهادات
باب من تصح شهادته(ومن لاتصح)
قال - عليه السلام - في جواب السائل عن الشهادة:
سألت أيدك الله عن الشهادة وأنواعها ومعانيها وأحكامها، وأنا أذكر لك ذلك على وجه الاختصار لتضايق الأوقات:
أما الشهادة فهي المشافهة، يقال: شاهده، بمعنى شافهه، وقال تعالى: ?عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ?[الأنعام:73]، فالغيب ما غاب وبعد، والشهادة ما شافهك وقرب، شهدت كذا وكذا بمعنى حضرته وشافهته.
ولما كان الشاهد لا يشهد إلا بما علم كما قال سبحانه: ?إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ?[الزخرف:86] ولا يعلم إلا ما شافهه أو كان في حكم المشافهة لظهور برهانه ووضوح بيانه سمي شاهداً وعلمه شهادة.
ولما أتى الشاهد إلى النبي - صلى الله عليه وآله - وقال: كيف أشهد؟ أراه الشمس فقال: ((على مثلها فاشهد وإلا فدع)).
وأما أنوعها فهي تنقسم إلى نوعين:
شهادة ضرورة، وشهادة غير الضرورة.
فشهادة الضرورة تنقسم إلى شهادة النساء، وشهادة أهل الملل بعضهم لبعض، وشهادة المخالفين لنا في ديننا، وشهادة الفساق من جهة التصريح عند عدم غيرهم، وقد روي عن علي - عليه السلام - أنه أجاز شهادة الصبيان بعضهم على بعض قبل رجوعهم إلى أهاليهم.
فأما شهادة النساء فلما كانت ضرورة ولا يطلع على أحوالهن في الأغلب غيرهن كانت شهادتهن صحيحة لأجل هذه العلة وإن انفردن عن الرجال، ولما كان في الجائز أن لا تحضر إلا امرأة واحدة قبلت شهادة الواحدة ولم يقع مثل ذلك في شيء من الأحكام لما كانت ضرورة كاستهلاك المولود وحوادث الفروج.(1/364)


ولما كان أهل الملل يغلب عليهم الإنفصال عن غيرهم وانفرادهم بأنفسهم في كثير من أحوالهم صحت شهادة بعضهم على بعض وإن كانوا غير عدول على مقتضى شرع الإسلام النبوي زاده الله جلالة وعلواً، ورفعةً وسمواً، فتقبل شهادة اليهودي على اليهودي، والنصراني على النصراني، والمجوسي على المجوسي إلى غير ذلك [من أنواع الكفر]، وقد أمرنا سبحانه بالحكم بينهم فقال تعالى: ?إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا…الآية?[المائدة:44] والحكم رحمك الله لا مبني له ولا محال إلا على الشهادة، ولا يشهد بينهم إلا هم في أغلب الأحوال، وقال سبحانه في شهادة المخالفين لنا في ديننا إذا اضطررنا إلى الشهادة لأن من الجائز أن لا يحضرنا غيرهم وذلك قد كان ويكون، فقال سبحانه: ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُم الْمَوْتُ…إلى آخر الآيات?[المائدة:106]، لم يختلف أهل جمهور أهل العلم وجلتهم أنها نزلت في تميم الداري وصاحبه وهما نصرانيان ومولى عمرو بن العاص السهمي وكان مسلماً فسافر معهما وحضرته الوفاة فأوصاهما وأشهدهما على وصيته ووقع ماله وكان كاتباً ودسّه في بعض رحله بغير علم منهما، فرجعا ونصا الشهادة بوصيته وأنفذت شهادتهما وسلما بعض المال وكتما بعضاً، وأقاموا مدة فوجدوا توقيع المال فوجدوا المال ناقصاً فهو معنى قوله سبحانه: ?فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا?[المائدة:107] والقصة طويلة لا معنى لذكرها لانفصاله عن مرادنا.(1/365)

73 / 97
ع
En
A+
A-