وفي رجل ادعى على غيره حقاً فأنكره، فاستحلفه المدعي بإذن الحاكم، ثم أتى المدعي بشاهد واحد، إن الشاهد الواحد مع اليمين يقوم مقام شاهدين، فمتى حلف معه فيمين المنكر لا حكم لها؛ لأنه أثم (بكنه الإنكار).
ومن قال: إن لم أحج هذا العام فعبدي حرٌّ، ثم ادعى أنه قد حج وأقام العبد البينة على أن سيده كان يوم النحر بالكوفة عتق العبد.
وإذا ادعى أحد القبيلين أنه بغى عليه وأنه ما حارب إلا دافعاً عن نفسه، إن البينة عليه فيما ادّعاه على خصمه، فإن لم يكن له بينة كان على خصمه اليمين بأن حكمه حكمي في هذا الحرب وأن التعدي من الجميع، فإن أتى المدعي ببينة من أهل البلد ممن لا يحمل السلاح قبلت بينته.
وقول الخصم إن الشاهد من قبيل المشهود له لا يلتفت إليه إلا أن يثبت أن الشاهد شارك أهل البغي في بغيهم بيد أو لسان فيكون ذلك قدحاً في شهادته، فإن ادعى الخصم أن الشاهد ممن بغى حلف ما بغى شاهدي في هذا الحرب.
[حاشية: سائر الأئمة عليهم السلام لم يلزموا المدعي ذلك في حق شاهده وما قاله عليه السلام محمول على أن المدعي حلف مختاراً من قبل نفسه لأن الحاكم يلزمه ذلك].
وحلول الشاهد مع القبيل لا يبطل شهادته.
وفي رجلين تخاصما فادعى أحدهما أن فيه جراحات من الآخر وأنكر الآخر، إن عليه البينة فيما ادعاه وإلا حلف له بالله ما جرحتك، والإقرار بالمخاصمة لا يكون إقراراً بالجراحة.(1/356)


ومن أصابه غيره بغير حق فادعى المجروح ذهاب بصره أو سمعه لم تقبل دعواه على خصمه ولكن الحاكم يختبر ذلك ويضرب عليه الأرصاد ويقيسه بالمقاييس، ومن صورها: الإشارة إلى عينيه التي ادعى ذهابها، فإن طرفت علم بصحة بصرها وإلا فهو صادق، وكذلك في دعوى ذهاب سمعه يضرب عنده بشيء له صوت على غفلة، فإن فزع فهو يسمع أو ما أشبه ذلك، واليمين تصح مع شاهدين على شاهد الأصل.(1/357)


باب ما يلزم فيه اليمين وكيفيتها
ومن وجبت عليه يمين لقومٍ في حق فأسقطها بعضهم كان للباقين تحليفه، ولصاحب الدين تحليف غريمه ما وهب ماله لياً وتوليجاً، ودعوى التوليج تصح في كل مستحق دون ما ليس بمستحق.
(ح) [قوله: تحليف غريمه]. إن كان الغريم محجوراً فلا تصح هبته فلا معنى لتحليفه، [وإن لم يكن محجوراً فتصرفه في ماله نافذٌ فلا معنى أيضاً لتحليفه]، والصحيح أنه لا يمين عليه كما ذكره في باب الهبات.
(ص) ومن أوصي له بمالٍ بحضرة شهود عدول وهو غائب ثم طلب ورثة الموصي يمينه على صحة الوصية، إن الشهود متى أخبروا بما علموه من الموصي راجع نفسه، فإن حصل له العلم بصحة ما قالوه جاز له أن يحلف قطعاً؛ لأن عندنا يجوز أن يحصل العلم بخبر الواحد والإثنين ويختلف الحال في ذلك؛ لأن هذا العلم من فعل الله تعالى فجرى مجرى الذكر، كما أن في الناس من يحفظ من مرة ومرتين في الدرس، ومنهم من ينتهي إلى عدد كثير، وإن لم يحصل العلم لم يحلف على القطع، وإن حصل له غالب الظن حلف أن شاهديّ ما شهدا فيما علمت إلا بالحق وكانت يمينه بمنزلة يمين الوارث.
والطريقة الجامعة بينهما أن الموصى له استفاد المال من جهة الغير كما كان ذلك في الوارث، والمسألة تحتمل النظر.
وإذا حصل الخصمان عند القاضي ووجبت اليمين على أحدهما لم يحلفه الحاكم إلا بإذن من له اليمين، فإن حلفه بغير إذنه ثم سألها الخصم لزمت له ثانياً لأنه حقّه، فلا تسقط إلا بإسقاطه أو أمره.
وإذا اقتتل قبيلان فجرح من بينهم رجلٌ وأنكر كل قبيل أن تكون الجراحة منهم ولم يجد المدعي بينة حلفوا ما أصبنا ولا علمنا.(1/358)


وإذا عدم المقذوف البينة كان له تحليف خصمه؛ لأن الحق غير متمحض لله تعالى؛ لأن للمقذوف إسقاطه قبل المرافعة.
ومن ادعى أنه وارث فلان وشهد له بذلك شاهد واحد أو شهد الشاهد على إقرار الميت استحق المدعي الإرث مع يمينه دون ثبوت النسب.
(ح) وهذه المسألة محمولة على التفصيل الذي ذكره عليه السلام عقيبها.
(ص) ولا يحلف المدعي مع شاهده إلا بما يعلم فقط.
وفي رجل معه مال لميت، فادعى قوم أن لهم فيه بيعاً، وادعى آخرون وراثة، وشهد قوم أن بعضه صدقة ولم يحدوه، والورثة منكرون، إن الظاهر أن المال في حكم الورثة وما يدعى فهو طارٍ، وعليهم اليمين على علمهم، ومن ادعى الإرث وجب أن يصحح النسب أو السبب وإلا فلا تحقيق لدعواه، ومدعو الصدقة يجب أن يحدوه وإلا لم تصح دعواهم ولا شيء على الوارث.
وفي رجلين تداعيا في دعاوي وتحالفا بينهما وقطعا خصومتهما من غير حضور الحاكم، إن الحاكم لا يراد إلا لإرتفاع الخصومة ووفاء الحقوق، فإذا فعلا هذا الأمر بينهما نفذ.
(ح) قال [أيده الله] سواءً كان بحكم (حكمٍ أم لا)؛ لأن كل واحدٍ منهما قد قطع حقه برضاه فلا رجوع له، أو لأن كل واحدٍ منهما جعل خصمه بمنزلة الحكم ورضي بحكمه عليه فلم يكن له نقضه.
(ص) فإن رام أحدهما نقض ذلك كانت عليه اليمين بالله ما قطعت ما بيني وبينك من الدعوى، فإن أدلى بحجة كما يدلي بها لو وقع الفصل بين يدي الحاكم سمع وإلا فلا.(1/359)


كتاب الإقرار
وفي رجل أقر أنه زوَّج ابنته وهي صغيرة من آخر فأنكر المقر له، ثم ماتت المرأة، إن النكاح لا يثبت بإقرار الأب، وإنما يثبت بإقرار الزوج وتصديق الزوجة، فمتى أنكر الزوج ذلك ولم تقم به بينة لم يكن بينهما توارثٌ، فإن أقرت بالزوجية قبل الموت وادعاه الزوج ثبت النكاح، ولا يصح الإقرار على الغير.
وفي امرأة ادعى نكاحها رجلان، فأقرت لأحدهما بالزوجية وشهد للآخر شهود بالنكاح ثم ماتت، إن الزوج من قامت له البينة، ولم يكن لإقرارها للآخر حكم، ويرثها من قامت له الشهادة بالزوجية.
وإقرار الرجل بالطلاق يصح.
[حاشية: هذه المسألة تقدمت في الدعاوي وقد ذكرنا معناها هناك، وما قاله هاهنا لا ينافي ذلك ولا يخالفه].
فإن قال هو رجعي فله الرجعة، وإن كان بائناً أو ثلاثاً لم يقبل قوله، وظاهر إقراره يحمل على تطليقة واحدةٍ سواءً كان رجعياً أو بائناً.
وإذا أقر أنه طلق امرأته ثلاثاً ثم رجع وصدقته المرأة وقال: كنت طلقتها اثنتين لم أرجع بينهما، إنه يلزمه حكم الثلاث ولا يقبل قوله من طريق الحسبة، فإن علم أنه لم يطلق ثانياً كان له وطئها فيما بينه وبين الله تعالى دون ظاهر الحكم.
ومن أقر بالشراء لزمه الثمن إلا أن يبين دفعه، فإن أقر له بقدر من الثمن ولم يرضه البائع ولا بينة له حلف المشتري مالك عليّ إلا هذا.
ولو قالت امرأة للغير: خذ من زوجي مهري الذي عليه فهو لك، ولم تأخذه حتى ماتت، إن قولها: هو لك. محتمل ولا سيما لكونه في ذمة الغير.
(ح) [لأن قولها]: هو لك. ظاهره الإقرار إذا كان عيناً، فإن كان ديناً فلا يكون إقراراً.(1/360)

72 / 97
ع
En
A+
A-