كتاب الدعاوي والبيِّنات
وإذا ادعى رجلان نكاح امرأة فصدقت أحدهما بغير بينة كانت زوجته إلا أن يقيم الآخر بينة.
ومن ادعى نكاح امرأة ولا بينة له وامتنعت من اليمين فإنها تحبس حتى تقر أو تحلف ولا يحكم عليها بالنكول؛ لأن النكول لا يقوم مقام الشهادة في النكاح؛ لأنه لا يثبت إلا بالشهود وما يقوم مقامه.
وإذا كانت جارية في بيت رجل والظاهر أنها ملكه، فإن ادعتها امرأته فعليها البينة، فإن شهد لها شاهدٌ واحد حلفت مع شاهدها وحكم لها الحاكم.
[ح قوله: حلفت] لم يفصل عليه السلام بين أن يكون المدعي رجلاً أو امرأة.
ومثله نص الناصر للحق [ـ عليه السلام -] في كتاب الإمامة، ومثله مذكور في دعائم الإسلام، وأشار الناصر للحق في الألفاظ [إلى خلافه].
(ص) فإن شهد الشاهد بإقرار الزوج بالأمة للزوجة ولم يؤرخ وحلفت مع شاهدها وكان زوجها قد وطئ هذه الجارية وأولدها لحق الولد بالزوج إن ادعاه وحمل ذلك على أن إقراره بعد الولادة حملاً لأمور المسلمين على الصحة ما أمكن، فإن أقامت البينة على أنه وطئ الجارية وهي في ملك زوجته كان الولد مملوكاً لها دونه ولم يصح إقراره به.
وفي رجل حاضت زوجته عنده حيضة ثم حملت وادعت بعد ذلك أنها لم تعتد من زوجها الأول سوى حيضتين ثم قالت: لا أدري أحضت اثنتين أو ثلاثاً، إنه لا يجب على الزوج تصديقها بغير النكاح لأنها تدعي إسقاط حق الغير، ولو قدرنا صحة قولها بوجه صحيح لكان لا بد من وضع الحمل ثم تتم العدة الأولى وتطهر ثم تستأنف العقد، والطلاق لا يثبت حكمه إلا ببينة فإن أنكره الزوج فأكثر ما عليه اليمين.(1/351)
وإذا وقع الطلاق المختلف فيه وتنازع الزوجان وجب عليها إجابة الزوج إلى أي حاكم أراد والانقياد لما حكم به عليها، ويجب عليها تسليم نفسها إلى الزوج ولا إثم عليها وإن كان ما حكم به الحاكم خلاف مذهبها لأن الانقياد لظاهر الشرع واجبٌ.
ومن أقر أنه طلق امرأته ثلاثاً ثم رجع عن إقراره، إنها إن لم تنازعه وادعى أنه سهى [أو أدلى] بحجة يجوز وقوع مثلها ولم تنازعه المرأة قبل الرجوع عن إقراره جاز له مداناتها فيما بينه وبين الله تعالى.
(ح) وهذا مثل ما قال أصحابنا فيمن قال لامرأته: أنت طالق. ثم ادعى أنه نوى به غير ظاهره ولم تنازعه المرأة، فإنه لا يجب على المسلمين الإنكار عليه ولا رفعه إلى الحاكم.
(ص) وإذا بيع العبد والأمة من إنسان وادعيا الحرية بعد ذلك، إنهما إن كانا خرجا من أجناس الكفار وصح من حبش أو ترك أو نوبة ومن يجري مجراهم يعرف ذلك بلغاتهم وإخبارهم عن أنفسهم بخروجهم من بلاد الكفر ودار الحرب فلا يقبل قولهم ودعواهم للحرية إلا بالبينة العادلة على طرق العتق، وإن كانوا من مولدي الإسلام وقد اعترفوا بالملك أولاً ثم ادعوا الحرية لم يقبل قولهم إلا بالبينة، فإن لم يكونوا اعترفوا وإنما تكررت عليهم الأيدي فالظاهر أنهم أحرار والقول قولهم في ذلك وتكرر الأيدي لا يوجب ملكهم.
وإذا ادعى ورثة الميت أن مورثهم باع ما باع وهو غير عاقل، إن الظاهر مع المشتري ولهم تحليف المشتري ما شريته إلا ومورثكم عاقل شراءً صحيحاً، فإن لم يحلف بطل البيع؛ لأن حق الورثة يعلق بالمال قرب موته.(1/352)
وإذا تناكر البائع والمشتري في الثمن فالبينة على المشتري أنه قد سلمه وإلا حلف البائع ما قبضته.
وفي قومٍ بينهم مال فادعى أحدهم أن نصفه له، إنه إن صدقه الشركاء أو أتى ببينةٍ استحق النصف وإن لم يكن له ذاك حلفهم ما نعلم صحة دعواك وكان كأحدهم لأنهم ورثة، فإن كان المال في يده ولم يجدوا شهوداً حلف بالله ما لكم في النصف حق واقتسموا النصف على سواء.
وإذا تبايع رجلان في شيء معلومٍ بثمن معلوم وتناكرا القبض فعلى المشتري البينة بتسليم الثمن وعلى البائع البينة بتسليم المبيع، وقول البائع بعد البيع أن المبيع وقف لا يقبل، فإن ادعى الوارث بعد موته وأقام بينة عليه قبلت.
وإذا تقار ورثة رجل على موته في الغيبة وباعوا شيئاً من أملاكه نصب الحاكم للغائب وكيلاً ينازع الورثة فلا يستحقون شيئاً من ماله حتى يصح موته واستحقاقهم لإرثه وإلا وقف حتى تمضي المدة التي لا يعيش مثله في مثلها فعند ذلك يقتسمون المال على سهام الله عز وجل.
ومن كان في يده مال لأخيه الغائب وطالت غيبته فقال بحضرة غيره: لو كان حياً لقد وصل، ما هو إلا ميت، فطالبه ورثة الغائب بالمال، إن هذا الكلام لا يوجب موته، ولو أقرّ بموته لكان للمحتسب منازعته اللهم إلا أن يكون وارثه غيره فيكون شاهداً له إن عدل وإلا فلا شيء.
وإذا باع رجلٌ جارية إلى رجل وأتت عند المشتري بولد وأراد ردها إلى البائع بعيب أو غيره، وادعى البائع أن المشتري قد استولدها وإن الولد منه ولم يمكنه تصحيح ذلك، وردت عليه الجارية وطالبته الجارية وولدها بحكم الإقرار.(1/353)
إنه لا يجب عليه أن يخلي سبيل الولد والجارية لأن ذلك دعوى للغير والدعوى للغير لا تصح بغير إذن ما فلا يلزمه بدعواه للغير على هذا الوجه تخلية الأم والولد وإنما للحاكم إن كان الإقرار بحضرته أو بشهود أن يلزمه تخلية الولد دون الجارية، ويفترق الحال بين أن يدعي أن الجارية أم ولد للمشتري بأن الولد ولده مطلقاً أو يدعي سماع إقرار المشتري فيما بين البائع وبين الله تعالى في أنه إذا كانت الدعوى من جهة الإقرار فإن المشتري قد أقر للبائع بذلك يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى إطلاق الولد ويكون حراً، وإذا مات المشتري لزم البائع فيما بينه وبين الله تعالى إطلاق الجارية وتكون حرة، وأما في ظاهر الحكم فلا يلزمه.
ومن اكترى بعيراً وطلب صاحبه الأجرة فأنكر المستأجر، إن البينة على صاحب الجمل وعلى المستأجر إذا أقام صاحب الجمل البينة الأجرة، وإقامة البينة بما يسقطها عنه، فإن تصادقا على الإجارة فالبينة على المستأجر بتسليم الأجرة أو سقوطها بوجه.
وفي صبي صغير في يد إنسان يدعي أنه عبده، فإنه يقر في يده وإنكاره الحرية في حال صغره لا حكم له، فإن بلغ وادعى الحرية فعليه البينة لأنه يدعي خلاف الظاهر؛ لأن اليد قد استقرت عليه بخلاف الكبير فإن اليد لا تثبت عليه.
وفي رجل له مالٌ ولا طريق له إلا في ملك الغير، إنه إن قامت بينة أو شهرة لحق المرور له جاز له المرور؛ لأن للطريق شبهاً بالأوقاف فيكفي فيه الإشتهار ويخالف بذلك الحق الملك؛ لأن ذلك عادة المسلمين ولأن في خلافه إضراراً، فإذا كان المرور في موضع غير معمورٍ واشتهر لم يكن لأحد منعه.(1/354)
ومن ادعى على غائب وديعةً أو رهناً والغائب لا يرجى إيابه، إنه لا يصدق إلا ببينة وإن ظن صدقه.
وفي رجل ركب سفينة فادعى أن له متاعاً وذكر جنسه، فأنكر ذلك سائرهم وأقر له صاحب السفينة، فإن كان الشيء في يده فالقول قوله مع يمينه وعليهم البينة، وإن كان في أيديهم فعليه البينة، وإن كان خارجاً عن أيدي الجميع كانوا وهو كأهل الدعاوي وتحالفوا وجاءوا بالبينات وتقبل شهادة صاحب السفينة إن كان عدلاً.
وفي رجلين لأحدهما سفل بيت وللآخر علوه، فتنازعا في السقف، إن السقف لصاحب العلو كما أن القرار لصاحب السفل.
ومن ادعى الوكالة بقبض الدين وصدقه الغريم لم يجبر على التسليم إليه لأنه صدقة من مال الغير ودعوى الوكيل للغير أيضاً، فإن أقام الوكيل بينة أجبر على التسليم إليه.
والجارية إذا تداولها المشترون من دون إقرار بملكه ولا نكرٍ وولدت لبعضهم وادعى الولد بعد بلوغه وبعد موتها أنه حرٌّ وأن أمَّه كانت حرة، كانت عليه البينة؛ لأن الظاهر من عقود المسلمين الصحة.
وفي ثلاثة تنازعوا في مالٍ فادعى أحدهم ثلثيه والآخر نصفه والثالث ربعه وأقاموا البينة وهو خارجٌ عن أيديهم قسم المال على ثمانية أسهمٍ ونصف، لصاحب الثلثين أربعة، ولصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب الربع سهم ونصف.
[حاشية: الصحيح في قسمة هذا المال بين المدعين أن يقسم على ثمانية ونصف لصاحب الثلثين أربعة ولصاحب النصف إثنان غلط وقع في أصل النسخة].(1/355)