ومن سبل بستاناً على المسلمين فاستثنى عمارته من غلاته ثم خرب هذا البستان لعدم الماء أو غصبه ظالم وبقي مع متوليه فضله فإن أصلحه بها كان نفعاً للظالم.
إن الفضلة يصرفها إلى ما أمر به الموصي فمتى خلصت من يد الظالم أصلحت، وعمل المنهل في الوقف جائز لمن هو وقف عليه؛ لأنه أحد وجوهه، والوصية فيه لا تجوز لتعلق حق الوارث لأن تصرفه في حال حياته جائز ويكون لهم نفع ذلك، وما كان وقفاً على المنهل أو بركة لا يصرف في غيره ما دام فيه عمل، فإن كان على المنهل مسجد جاز إصلاحه من فضل البركة؛ لأن البركة من مصالح المسجد والمسجد من مصالح البركة، وإذا انقطعت السقاية جاز صرف وصيتها إلى طريق أخرى، فإن عادت ردت إليها؛ لأن الثواب حاصل في الحالين واتباع غرض الموصي يلزم ما أمكن.
ومن أوصى بموضع للجهاد وجعله وقفاً لذلك واستثنى لنفسه غلته ما عاش صح ذلك ونفذ، فإن فعل هذا في مرضه المخوف كان الثلث يصرف في ذلك المصرف والثلثان للورثة، وإن زرعه الوكيل فعليه ثلث الكرا لمصرف الوصية والباقي للورثة.
ومن أوصى بموضع من ماله لكفارة أيمان ولم يقف الموضع، إن الموصي إن كان يريد الثمار والاستغلال مؤبداً كان وقفاً لأن للنيات في المعاملات الدينية تأثيراً يثبت به الحكم وإن لم يكن هناك عرفٌ جاز البيع وإخراج الثمن فيما ذكره.
والوصايا المطلقة لا يجوز بيعها لأن فيها (كناية الوقف) ومعناه دون صريحه ولذلك حكم في الشرع.(1/331)


(ح) الوصية المطلقة بمثل أن يقول: جعلت الأرض الفلانية وصية، فإن هذا في عرف أهل اليمن وقف ويقصدون به وقف هذه الأرض، ذكره الفقيه الإمام محمد بن أسعد أيده الله.
(ص) ومن أوصى بقطعة أرض للفقراء ولم يذكر أنها وقف إن العرف يقضي بوقفها ولا يجوز بيعها بل تحبس على مصرفها.
ومن أوصى بأرض عن حقوق عليه فصرفها الوصي إلى بعض الفقراء، إنه إن كان وقفها لما عليه من الحقوق صح الوقف ويجري غلتها على أي وجهٍ شاء، فإن لم يقف الأرض وملكها الفقير عما عليه من الحقوق فقد ملكها الفقير وله أن يتصرف فيها كما يتصرف في سائر أملاكه.
ومن أوصى بأرضٍ لسقاية فالظاهر أنها وقفٌ فلا يجوز أن يقبر فيها ميت، فإن قبر فيها لزم ورثة المقبور أو جماعة المسلمين حسبة بنبشه.
(ح) ومثله ذكر - عليه السلام - في الجنائز فيمن قبر في أرض مغصوبة، وقال - عليه السلام - في كتاب الشفعة أنه يكون استهلاكاً فلا نبش، ومثله ذكر السيد أبو طالب والمؤيد بالله وأبو حنيفة وأصحابه، وقال الشافعي: ينبش، ومثله ذكر الشيخ أبو جعفر في (الكافي).
(ص) وفي كتب موقوفة على قائم الحق من آل الرسول، إن كل وقفٍ يجري هذا المجرى يكون لقائم الحق مدة حياته، فإذا مات كان للقائم بالإمامة بعده ولا فرق بين ما قبضه الأول والآخر وما لم يقبضه في ذلك، ولا يكون لوارثه الذي ليس بإمام لأنه وقف على من تكون هذه صفته، كالذي يقف على فقراء غير معينين إنما يكون لمن صفته الفقر، ولا تنتقل إلى الوارث إلا أن يكون على مثل حال الأول.(1/332)


ويصح وقف العبد المرهون وعتقه وهو في يد المرتهن لأنه ملكه ويكون موقوفاً لتعلق حق الغير به، فإن كان غنياً نفذ العتق ولزمه فكاكه، وإن كان فقيراً وقف إلى مدة أجله إن كان مؤجلاً أو ملازمة الغريم إن كان مطلقاً، فإن قضى الغريم وإلا بطل ما فعله من وقف أو عتق إلا أن يتمكن العبد من السعاية صح العتق وسعى في مال الغريم وإلا لم يصح، وأما الوقف فلا يصح والحال هذه إلا أن يفكه من الرهن لأنه لا قربة في تفويت مال الغير ومن شرط صحة الوقف القربة.
ومن وقف على ولده لصلبه وله زوجات ولم يحرر الوقف، إنه إن كان في حال الصحة وكان مليا بقضا الزوجات من غير ما وقف نفذ وقفه وإن لم يكن مليا بقضا الزوجات حالة الوقف بطل الوقف؛ لأنه يتضمن إسقاط حق الغير وظلمه فلا يكون قربة.
[حاشية: والظاهر من مذهب أصحابنا صحة الوقف في حال صحته سواء كان منع الزوجات له عن الوقف بحق دين لهن عليه أو لأجل حق النفقة لأن حقهن في الوجهين تعلق بذمته لا بعين الموقوف. ذكره محمد بن أسعد].
وإن كان الوقف في حال المرض بطل أيضاً جملة؛ لأنه يتضمن منعهن من الإرث.(1/333)


ومن وقف ماله على ولده لصلبه وله بنت وعصبة ثم مات، إن الوقف لا يصح إذا قطع عنه الورثة بوجه من الوجوه؛ لأن من شرط صحته القربة، وسواءً كان الوارث عصبة أو ذا سهمٍ أو ذا رحمٍ، وكذلك لا يصح الوقف على البنت دون العصبة لما ذكرنا، ولو وقف رجل ماله في مرضه على ورثته وأعتق عبده ولم يجز الورثة عتقه لزمه السعي للورثة في ثلثي قيمته، ويستوي في الوقف أولاد الصلب، وورثتهم حكمهم حكمهم وكذلك ورثة الإناث، وهو بينهم على سهام الله تعالى.
ومن وقف على أولاده الذكور دون الإناث قبل وقتنا هذا وصار أولاد الأولاد الذين في أيديهم هذا الوقف رجالاً، إن هذا الوقف إن كان قدر الثلث جاز ونفذ وإن كان أكثر من ذلك نفذ منه الثلث وكان ما زاد على الثلث تركه، وإن اشتمل الوقف على الجملة انتقض؛ لأن من شرطه القربة، فإن أعطى النساء ما يعدل نصيبهن مما وقف على الرجال صح الوقف وكذلك إن رضين بالوقف، وإذا وقف الوارث ماله عما عليه من الحقوق أو على ابنه جاز وأجزاه إلى قدر ما يحصل منها وما زاد فهو عند الله سبحانه.
ومن وقف ثلث ماله أو دونه على نفسه وأولاده الذكور والإناث فإذا انقرضوا كان لأولاد الذكور دون الإناث، إن هذا الوقف لا يصح؛ لأن من شرطه القربة وفي هذا الوقف قطع الوارث من الإرث.
ومن وقف عبيداً بعد موته وجعل منافعهم لأنفسهم صح ذلك إذا كانوا من أهل الصلاح، وإن لم يكونوا أعفاء ولم يكن فيهم طلب الآخرة فالذي أرى أن وقفهم لا قربة فيه لأنه يكون تمكيناً لهم من المعاصي.(1/334)


فإن قيل بأنه تمكين من الطاعات، قيل: هم متمكنون من الطاعة الكاملة مع الرق الذي ثوابها يرجح ثواب الأحرار كما في الأخبار الشريفة، فإن ادعى عليه أنه وقفاً مشاعاً وأنكر، فعلى المدعي البينة لأنه يروم نقض العقد واليمين على الواقف فيما ادعى عليه، ومن علم من حاله استغراق المظالم والحقوق لماله فإن وقفه لماله يصح؛ لأن الحقوق والمظالم تتعلق بذمته ثم تنتقل إلى المال بعد الموت.
وإذا وقف عيون ماءٍ ولإنسان نصيب فيها في وقتٍ معلوم، إن الوقف يتناول الأرض دون الماء، والماء يجري مجرى الحق والمنفعة فله أخذ نصيبه برضى الموقوف عليهم الماء ولو كان في غير نوبته ورد عوضه فإن كان مصرفه الفقراء لم يجز (إلا بحسبة أو ولاية)، ولا يجوز صرف مائها إلى أرضٍ أخرى إلا أن يكون عليها ضرراً وكان فضله عما يحتاج إليه فيصرف لمصلحة ترجع إلى مصرفها إما برضى من هي له أو لغبطة الفقراء لولاية أو حسبة.
وقول السائل: هل يصح وقف بعض الجارية وأراد طريق الماء فهو على ما تقدم في أنه لا يصح إلا برضى الشريك فإذا رضي بطل حقه من القسمة وكانت وقفاً، وإن أراد بالجارية المملوكه فوقفها صحيح ويصح بيع النصف الباقي ويخدم صاحب الوقف في نصفه.
وإذا كان بين رجلين جمل فتصدق أحدهم بنصيبه وانكسر الجمل، إن الموقوف عليه إن كان حاضراً فإنه إن شاء أكل اللحم وإن شاء باعه، وإن كان غائباً بيع له وحفظ قيمته، فإن كان الثمن مما يمكن أن يشتري به ولو عنزاً أو شاة وتوقف مكانه فهو أحسن.(1/335)

67 / 97
ع
En
A+
A-