كتاب الوقف
قال - عليه السلام - في جوابه للسائل عن الوقف:
الكلام في الوقف مبني على أمور:
أحدها: معرفة الوقف في نفسه وما حقيقته.
والثاني: الدليل على جوازه.
والثالث: الكلام في أنواعه.
والرابع: الكلام في أحكامه.
أما الوقف: فهو الحبس من التصرف على الوجوه المعتادة، ومنه الوقوف عن السير.
والوقف في الإعراب: المنع من الحركات، ويقال: وقف دابته في موضع كذا، ثم صار بالنقل الوقف على غرض الواقف سواء كان في طاعة أو معصية، ثم صار بالشرع يفيد حبساً مخصوصاً على وجه مخصوص على وجه القربة إلى الله تعالى، وما خالف ذلك فليس بوقف في لسان الشرع.
وأما الدليل على جوازه فقول النبي - صلى الله عليه وآله -: ((إن خالداً حبس أدراعه وأفراسه في سبيل الله)) فأسقط عنها الصدقة بذلك وصارت ملكاً لله تعالى، وإجماع الصحابة على ذلك من فعل علي - عليه السلام - في ينبع ووادي القرى وفعل عمر في ملكه في خيبر، وفعل عثمان ببئر رومة ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة.(1/326)
(ح) بئر رومة: [قوله عليه السلام في بئر رومة، قال داعي أمير المؤمنين أيده الله: هذه] بئر بالمدينة كانت ليهودي وكان يبيع ماءها من المسلمين، فقال رسول الله صلى الله عليه: ((من يشتري ماء هذه البئر للمسلمين على أن يكون دلوه كدلو واحد منهم وأضمن له سقاء في الجنة)) فشرى عثمان نصفها باثني عشر ألف درهم، فقال عثمان لليهودي: اختر إما أن أنصب على نصيبي شراعاً أو تنصب على نصيبك، وإما أن يكون لي يوم ولك يومٌ، فقال اليهودي: بل يكون لك يومٌ ولي يوم، فكان المسلمون يستقون في يومهم ليومين، فقال اليهودي لعثمان: أفسدت عليّ بئري، فاشترى النصف الآخر بثمانية آلاف درهم.
وأما اقتسامه: فمشاع وغير مشاع، والمشاع ينقسم إلى ما تتأتى فيه القسمة وما لا تتأتى.
وأما أحكامه: فهي خروجه عن ملك مالكه إلى الله تعالى وليس لواقفه إلا تعيين مصارفه فيما لا يحظره الشرع وجميع ما يحكى عن الأئمة -عليهم السلام- لا يخرج عن هذه الجملة، ولا يوجد للوقف أصل إلا ما ذكرنا وما وقع من خلاف في وقف المشاع أو ما تتأتى فيه القسمة أو لا تتأتى فللملاحظة هل ذلك قربة أم لا، وما فعله عمر محمول على أن أصحابه من أهل السهمان أجازوا فعله فزال المانع من صحته ولهذا أذن فيه رسول الله صلى الله عليه وهو معلم الشرع.
ولا بد في الوقف من لفظ التأبيد أوالحبس بتة أو جعله لله تعالى أو جعله لله تعالى وما شاكله فلذلك لا ينتهي إلى حد وإن انقطع مصرفه لم يخرج من كونه وقفاً ، ومن قال من أصحابنا يرجع بعد انقضاء المدة ملكاً محمول على أنه جعله لفلانٍ مدة فيلحق بحكم العمرى.(1/327)
واعتبار السيد أبي طالب أن من وقف على ورثته على ما يقتضيه الميراث فإنه يصح في المرض والصحة تشهد لما قلنا، وما حكى عنه من التخصيص محمول على المنحة والعطية في حال الصحة، وحكم الورثة يخالف حكم الأجانب في هذا لما قدمنا في حديث بشير بن سعد وشبهه وأنه في حال الصحة فما صح للحاكم أنه في وجه قربة أمضاه وإلا أبطله.
(ح) هذا الكلام إلى آخره يتكلم في أنه لا يصح وقف الثلث على بعض الورثة دون بعض وتناول مذهب الهادي - عليه السلام -.
(ص) وإطلاق أصحابنا أن له أن يفعل في الثلث ما شاء محمول على ما لم يمنع منه الشرع وقد منع الشرع من قطع بعض الورثة.
وأما لفظ الإعطاء فليس من الوقف في شيء فلا يشتغل بذلك على أن من أبطل وقف ما زاد على الثلث يعلله بأنه مخالف للشرع الشريف، وهذا التعليل قائم في تخصيص بعضهم دون بعض كما قدمنا.
وما يحكى من فعل الهادي - عليه السلام - في إعطاء من وقف عليهم قبل وصوله على وجه لا يصح فهو على سبيل الصلح وفعله ماضٍ لأنه الثابت عن الرسول صلى الله عليه في وقته، كما وقع التقرير لأهل الذمة على كثير من معاصيهم لما تعذر انقراعهم على الجملة.
وليس من القربة أن يقف الرجل ماله لئلا يصل الزوجة وغيرها من أهل دينه إلى حقوقهم، بل قال تعالى: ?وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ?[البقرة:188] وعلى هذه القاعدة التي قدمناها لا يصح الوقف مؤقتاً، بل مؤبداً لكونه لله تعالى فلا يصح رده ولا نقضه.(1/328)
وأما قول السائل: هل ينقض بحكم الهادي - عليه السلام - فنحن نهاب ذلك لعظم حاله فيما أضيف إليه، كما نهاب إثبات ما قامت الدلالة على بطلانه، بل نقول لا يمنع وقوع السهو في المسألة وأشباهها سيما مع مثله -عليه السلام- فإن كثيراً منها أملاها وهو على ظهر فرسه تجاه العدو، والواجب أن ننظر في أصل الوقف عنده -عليه السلام- فإذا كان من شرط صحته القربة عنده.
قلنا: إن حكمه (ينقض لحكمه) وهو الرضا وعلى أنه لو كان خلافاً له - عليه السلام - لم يكن لأحد أن ينكر مثل ذلك على المجتهدين في مسائل الاجتهاد، وإن كنا نستبعد أن يجيز الوقف لغير قربة أو يقول به أحد من العلماء، وإنما يقع الخلاف إذا علل أحد المجتهدين بعلة وعلل الآخر بعلة أخرى فيبقى النظر في ترجيح العلل، كالتعليل في علة الربا لكونه مطعوم جنس أو مكيل جنس.
ومن وقف ماله أو بعضه على المساكين لأجل حقوق الله تعالى أو لمظالم جاز؛ لأنه قربة، ولا حق للوارث في ذلك. وإن كان لغير حق اختلّ وقفه؛ إذ ليست فيه قربة، فإن جهل قصد الموصي حمل على الصحة وإن وقفه عن حقوق عليه.
وإذا وقف أرضاً أو غيرها على آل فلان فإن انقرضوا فهي وقف على ضُعِّف صعدة ثم لم يبق منهم إلا امرأة وأشهدتهم على ما عرفت من الوقف، إن هذا الوقف صحيح ويلحق بها أولادها في الحكم، ولا يكون قولها شهادة بل إقرار وهو يقبل عليها ولا يقبل على أولادها إن ادعت قطعهم من الحق في الوقف، فمتى انقرض أولادها وأولادهم رجع إلى ضعَّف صعدة؛ لأن منافع الوقف تجري مجرى الأملاك في أنها تورث، وذوو الأرحام يرثون إذا عدم العصبات وتابعهم.(1/329)
والوقف على الورثة ينقسم على سهام الله تعالى؛ لأنه لا عدل إلا عدل الله ولا حكم (إلا حكم الله).
وإذا وقف رجل موضعاً ليسكن فيه ابن السبيل جاز للإمام أن يصرفه إلى واحدٍ من أهل تلك الصفة، فإن كان على من يكتن فيه ليلاً ونهاراً من الحر والبرد لم يجز أن يختص أحدٌ بالسكنى فيه ويمنع غيره بل المارون فيه سواء.
وفي مال فظهر أنه وقف على آل فلان، إن الوقف يصح بالشائعة والشهرة وكذلك مصرفه أيضاً، ويجوز للواحد من الورثة أن يتحرى ويأخذ قدر نصيبه منه على أي وجه أمكنه، والذكر والأنثى فيه سواء.
(ح) يعني في استحقاق أنصابهم.
(ص) فإن أمكن تمييز الحصص وجبت القيمة على السواء وإن تعذر ذلك كان لكل إنسان من الموقوف عليهم تناول ما صار إليه منه ولم يمنع تعذر تصير نصيب غيره إليه من تناول ما أمكنه تناوله من نصيبه.
ومن أوصى بربع أرض مشاعاً غير مقسومٍ وأوصى أن لا تقسم مضارة لشريكه.
إن الوصية المسبلة تجري مجرى الوقف ولا تصح أن تكون مشاعة لما فيها من الضرر على المسلم ولو لم ترد مضارة، فإن المضارة تحصل بما ذكره من ترك القسمة، فإن أوصى أن يقاسم ثم يكون كذا وكذا بعد ذلك كان كمن وكل غيره يقف عنه موقفاً صحيحاً فإن ذلك جائز.
والوقف لا يلزم الوارث حكمه إلا بشهادة شاهدين أو شهرة ظاهرة وإلا كان إرثاً ولم يكن صدقة.
ووقف المشاع الذي تصح فيه القسمة لا يصح سواءً تساوت أجزاؤه أو اختلفت، والذي لا تصح فيه القسمة يصح وقفه.(1/330)