وإذا حلف رجل بصوم عشر سنين لا دخل داراً معينة ثم ألجأه من يطلب قتله ولم يكن ليسلم منه إلا بدخولها فدخلها وخرج عقيب ظن السلامة، إنه لا يحنث؛ لأنه حلف لا دخلها طوعاً واختياراً والإلجاء إلى دخولها أمر طارٍ فلا حكم له، لأن اليمين في مقابله الإختيار، وإلجاء العدو له لا يخطر بالبال فلا تتعلق به اليمين.
ومن حلف بصيام ألف سنة أو حلّف غيره فلا شيء عليه لأنه في الأصل عقد غير صحيح.
(ح) لا خلاف بين أئمتنا أن هذه اليمين لا تلزمه، واختلفوا هل تلزمه كفارة يمين [أم لا]، ومثل ما أطلقه هاهنا هو مذهب الناصر للحق عليه السلام.
(ص) ومن حلف لا أكل ولا شرب ولا قام ولا قعد وما أشبه ذلك، إنه إن فعل هذه الأمور دفعة واحدة في وقت واحد لزمته كفارة لكل فعل؛ لأن الحرف يفيد الاستثناء والابتداء فتغايرت الأفعال لذلك.
(ح) وعند سائر أئمتنا تلزمه كفارة واحدة بأيها فعل.(1/316)
(ص) ومن حلف بالطلاق لا حضر مع خصمه بين يدي حاكم (ولا يخلص مما) يوجبه الحق ثم وهب ماله لغيره لأن لا يحنث، ثم قال للموهوب له: إذا دفعت ما وهبته لك إلى خصمي فباره عليه من الحق الذي له عليّ، فسلمه الموهوب له وباراه من الدعوى، إنه لا يحنث والحال هذه، وإن سألهم أن يخلصوه من المدعي لأن المال قد صار ملكاً لهم والمصالحة لخصمه موقوفة على اختيارهم فمتى صالحوه عنه برئت ذمته وكانوا متبرعين بذلك وأجزاه فعلهم ولا سيما إذا سألهم لأنهم صالحوا الخصم من مالهم الذي ملكوه بالهبة فكان الصلح من قبلهم تبرعاً منهم ويملكه صاحب الدعوى لأنهم سلموه باختيارهم وراضوا عن صاحبهم فكافوه على إحسانه إليهم فصح جميع ذلك.
ومن استعار نعلاً فضاعت ثم طالبه صاحبها وهو يخافه فأنكرها فحلّفه بصيام عشر سنين ما أخذها فحلف ونوى أنه ما أخذها بعد أن ضاعت، إنه لا يحنث لنيته ويلزمه الضمان لظاهر الإنكار لأنه قد زال حكم الأمانة بالإنكار فيلزمه لظاهر الحكم قيمتها.
ومن حلف بالكفر بالله أو بالبراءة من الإسلام ثم علق يمينه بشرط، إنه لا يكفر عند الحلف بها في تلك الحال (ولا بعد وإن) عدم الشرط إلا أن تنعقد يمينه على البراءة واعتقاد الكفر فإنه يكفر، ولكن إن حلف رجاء منه أن يفعل ومنعه مانع لم يلزمه حكم الحنث.
((ح) لا خلاف بين أئمتنا أنه ليس بيمين)، واختلفوا متى يكفر، فذكر الشيخ أبو جعفر أنه يكفر بمجرد اللفظ، وذكر الأستاذ أبو يوسف أنه إنما يكفر بالحنث، ومثله ذكر الفقيه أبو علي والإمام - عليه السلام - يلزمه الكفر.(1/317)
(ص) ومن حلف يميناً لا فعلت كذا ثم رأى فعله أولى من تركه واستثنى اللفظ، إن الاستثناء يصح ما دام الكلام متصلاً، فإذا انفصل بأمر آخر بطل حكم الاستثناء.
ومن حلف على أمر ثم استغفر الله عقيب اليمين ناوياً انحلال اليمين بلا فصل انحل بحكم اليمين ما لم يكن ذلك في حق غيره.(1/318)
باب الكفارة
ومن عليه كفارات الأيمان بالله تعالى وهو فقير جاز له أن يكفر بالصوم إن خشي من التكفير بالإطعام عيلة مجحفة أو مضرة شديدة.
والفقر الشرعي أن لا يملك مائتي درهم أو عشرين مثقالاً أو ما قيمته ذلك ما خلا ما يعظم بالتحلي من البلوى فإنه مستثنى، فإن كان يملك دون ما ذكرنا ولم يخف مضرة مجحفة لم يجزه إلا الإطعام أو ما يقوم مقامه؛ لأن الله علل بأن لا يجد.
ويجوز للفقير أن يتصرف في كفارة اليمين كما يجوز في الصدقة ببيع وهبة وأكل وغيره؛ لأن العلة واحدة وهي الملك بالاستحقاق، ولفظ الإطعام لا يوجب الأكل لأنه تعالى يقول حاكياً عن إبراهيم - عليه السلام: ?وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ?[الشعراء:79] ومعناه يملكني ما يصح (أن يكون) طعاماً لا معنى أنه هيأ له الطعام أو قرّبه، وليس في كلام الهادي إلى الحق - عليه السلام - ما يوجب الأكل بل هو مسكوت عنه وإن كان أحوطه، وكفارة اليمين وكفارة الصيام وكفارة الصلاة تجري مجرىً واحداً (لأن السلف الصالح من آبائنا -عليهم السلام -) لم يفرقوا بين ذلك ولا بلغنا عن رسول الله -صلى الله عليه وآله- فالفارق بينهما يثبت حكماً شرعياً بغير دليل.
(ح) يعني لا يجب فيها الأكل ولا يشترط بل يجوز أن يفعل بها ما شاء.
(ص) وهي تختلف في الثبوت.(1/319)
وكفارة اليمين والصيام يتعلقان بالمال، والصلاة لا تتعلق به إلا بالوصية؛ لأن الصلاة لا تصح فيها النيابة ومثلها الصيام لولا خبر ابن عباس وما حكي عن الهادي والقاسم - عليهما السلام - أنهلا يخرج منها شيئاً حتى للمسكين الذي يسأل على الباب فلم يصح عنهما ولو صح لظهر ولا شك أنها من الحقوق، ولم نعلم أحداً من أهل العلم حرم على من كسى ثوباً من كفارة يمين أن يتصدق به أو يبيعه وهو أحد الأبدال المخير فيها فلا فرق، ولأن الإجماع منعقد أن المسكين لو مات وقد صرفت إليه كفارة أنها تورث.
(ح) أما كفارة اليمين فمن جميع المال على ما ذكره السيد المؤيد بالله، وعليه [دل كلام] أصحابنا وهو ظاهر ما ذكر في هذا الباب.
وذكر السيد أبو طالب أنه من الثلث، واجتمعوا في كفارة الصيام والحج وكفارة الصلاة أنه من الثلث.
(ص) على أن كلام القاسم والهادي - عليهما السلام - محتمل ولا تمنع الأئمة قبلهما ولا بعدهما من النظر في المسائل وإن أدى إلى مخالفة قولهما بل ذلك هو الواجب، ومن كان نهماً لا يقدر على الصيام أطعم كل يوم مسكيناً، ومقداره نصف صاع من أي جنس كان.
(ح) إلا من البر فربع صاع وهو مد، عنده عليه السلام.
(ص) وكفارة الظهار وسائر الكفارات تجري مجرى الزكاة وتملك بالتمليك وتخرج فيها القيمة بإذن الإمام أو نائبه.
ومن حنث في يمينه لم يجزه الصيام إذا ملك قوت عشرة أيام من حب أو قيمه فاضلاً عما يقتاته إلى أن يطلب شيئاً يصلح حاله.
ومن وجبت عليه كفارة يمين جاز أن يكسوا الحرير وهو أفضل، فإن كان القابل رجلاً باعه، وإن كانت امرأة فعلت به ما شاءت.(1/320)