باب في وجوب الحج وفيمن أخر الحج بعد وجوبه عليه من غير عذر
قال محمد: أخبرني جعفر، عن القاسم عليه السلام في قول الله عز وجل: ?ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين?. قال: الكفر به هو الترك بعد الاستطاعة، ومن ذلك أيضاً إنكاره وجحوده.
قال محمد: وأخبرني القومسي، قال: سألت القاسم عليه السلام عمن ترك الحج وهو موسر. فقال: إن أخره وكان مجمعاً على الحج فليس كالتارك له.
وقال محمد: وإذا مات رجل وعليه الحج فإن كان تركه مصراً على تركه غير تائب فهو عندنا ممن حق عليه الوعيد ووجب عليه العذاب.
وقال في موضع آخر: إن كان لم تمنعه من الحج علة يعذره الله بها فقد مات على ما قال الله عز وجل فيمن ترك الحج وهو قادر عليه، ?ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين?، وإن حج عنه وليه فهو خير له، وإن كان منعته من الحج علة أو تفريط ثُمَّ أوصى أن يحج عنه بعض أهله أو غيرهم رجوت له إن شاء الله وأمره في ذلك إلى الله عز وجل.
وروى محمد بأسانيده عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: ((كتب عليكم الحج)) فقام رجل من بني أسد فقال: أكل عام يارسول الله؟ فقال: ((لا، ولكن مرة واحدة))، ثُمَّ قال: ((والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لم تطيقوها ولو تركتموها لكفرتم))، وقال: ((اسكتوا عني ما سكت عنكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم))، فأنزل الله عز وجل: ?يا أيها الذين آمنوا لاتسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم?.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: ?ومن كفر فإن الله غني عن العالمين? قال: من حج لايرجو ثوابه ومن قعد لايخاف عقابه فقد كفر.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من مات من المسلمين ولم يحج لم يمنعه من ذلك مرض حابس ولاسلطان جائر ولاحاجة ظاهرة فليمت على أي الحالين إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً)).(2/36)


وعن أبي جعفر عليه السلام في هذه الآية قال: من لم تكن به علة من مرض أو سلطان فلم يحج فهو كما قال الله، وعن مجاهد وسعيد بن جبير قالا: من مات مؤسراً ولم يحج مات كافراً.(2/37)


مسألة: في الاستطاعة
قال القاسم عليه السلام، والحسن ومحمد عليهما السلام: في قوله سبحانه: ?ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً? قالوا: السبيل الزاد والراحلة.
قال القاسم عليه السلام: وأمن السبيل.
وقال الحسن ومحمد: مع صحة البدن وما يكفي عياله إلى أن يرجع إليهم.
قال الحسن عليه السلام - في رواية ابن صباح عنه - وهو قول محمد: وإن كان يطيق المشي فله أن يمشي وليس بواجب عليه.
وقال القاسم عليه السلام - فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن ابن سهل، عن عثمان بن محمد، عن القومسي، عنه -: ويوجب الحج الزاد والراحلة إن لم يضر به ولابعياله إخراجهما.
وقال الحسن عليه السلام في صرورة أفاد ألفي درهم أو باع عقاراً بألفي درهم وهو محتاج إلى التزويج وإلى دار يسكنها ومعاش يعيش به هو وعياله فليصرف من هذا المال في هذه الجهات ما يكفيه في غير إسراف فإن فضل شيء حج به وإن لم يفضل منه شيء لم يجب عليه الحج. وتأويل قول الحسن في هذه المسألة أن تكون إفادة المال في أول السنة قبل أشهر الحج وقبل مخرج أهل بلده للحج، فأما إذا أفاد المال في أيام الحج وخروج الناس فإن عليه الحج ولا ينبغي أن يصرف ذلك إلى غيره. هذا قول الحسني.
وقال الحسن في رجل له ألف درهم وعليه مثلها ديناً إما مهر امرأة أو غيره ولم يحج حجة الإسلام. قال: يسأل صاحب الدين أن يُنظِره فإن فسح له حج فإذا أوسع الله عليه قضى الدين وإن لم يرض منه صاحب الدين إلاَّ بأخذ حقه قضى الدين ولم يحج.(2/38)


قال الحسن عليه السلام - فيما روى ابن صباح عنه - وهو قول محمد: وجائز لمن معه مال وعليه دين أن يحج ويوصي بقضاء دينه، ومن حج وعليه دين ومظالم فلما رجع قضى دينه ومظالمه فحجه تام وليس عليه إعادته، وسئلا عن رجل له خمسمائة درهم هل يجب عليه الحج؟ فقالا: هو قد يختلف على قدر قرب المسافة وبعدها، وقدر الغلاء والرخص، قال الله عز وجل: ?بل الإنسان على نفسه بصيرة? فإن كان إذا ترك لأهله يعني ممن تلزمه نفقتهم ما يكفيهم إلى أن يعود إليهم فضل ما يحج به راكباً ويكفيه لزاد يعني فعليه الحج.
قال محمد: وسئل عن رجل له أرضون ومواش قيمتها ألف درهم أيجب عليه الحج؟ فقال: ذلك على قدر المسافة في القرب والبعد والغلاء والرخص ووجه ذلك عندنا أنَّه إن كان إذا باع ماشيته وعقاره سوى دار يسكنها هو وعياله لا فضل فيها عنهم، ونضّ الثمن أمكنه ما يخلف لعياله ما يكفيهم إلى أن يعود إليهم من الحج ويفضل معه ثمن زاد وراحلة وجب عليه الحج، وإن قصر الثمن عن ذلك كان في سعة حتى يرزقه الله تعالى.
وقال محمد - فيما أخبرنا الحسين، عن ابن وليد، عن سعدان، عنه - قال في المرأة يكون لها في بيتها نُجْد أو متاع قيمته زاد وراحلة أيجب عليه الحج؟ قال: إن كان ليس بها عنه غنى فلا، وإن كان بها عنه غنى وجب عليها إذا كان لها ولي، وإن كان له من القيمة ما يشترى ما دونه ويفضل ثمن زاد وراحلة وجب عليها.
وروى محمد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: ?من استطاع إليه سبيلا? قال: الزاد والراحلة. وعن ابن عباس وأبي جعفر وإبراهيم مثل ذلك، وعن زيد بن علي عليه السلام قال: زاد ومحمل.(2/39)


مسألة: هل للمرأة أن تحج مع غير ولي
قال الحسن عليه السلام - في رواية ابن صباح عنه - وهو قول محمد: وإذا كان للمرأة مال وعليها حج الفريضة وليس لها ولي أو كان لها ولي مأمون ولم يحج معها فليس عليها أن تحج - يعني إذا كان بينها وبين مكة سفر ثلاثة أيام فصاعداً -. بلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: ((لاتسافر امرأة ثلاثة أيام إلاَّ مع زوج أو ذي محرم)).
قال محمد: ولا يحل لها أن تخرج بغير ولي.
قال الحسن ومحمد: ولزوجها أن يمنعها من الحج وليس له أن يمنعها من الحج مع وليها وعلى الزوج تعقبها في نفسها من المطعم والمشر بوالملبس حتى يذهب إلى مكة ويرجع إلى بلدها.
قال محمد: وعلى المرأة في مالها الكرا وآلة الحج، فأما غير حجة الإسلام فلزوجها أن يمنعها.
قال الحسن ومحمد: وإذا مرضت امراة لم تحج قط ولها أولاد صغار أو كبار فالأفضل أن توصي أن يحج عنها من مالها.(2/40)

108 / 200
ع
En
A+
A-