و قال عمر بن عبد العزيز إن نفسي راحلتي إن كلفتها فوق طاقتها انقطعت بي. و قال بعضهم روحوا الأذهان كما تروحوا الأبدان. و قال أردشير بن بابك إن للآذان مجة و للقلوب ملة ففرقوا بين الحكمتين بلهو يكن ذلك استجماما
شرح نهج البلاغة ج : 18 ص : 90248لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا وَ هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فِتْنَةٍ وَ لَكِنْ مَنِ اسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلَّاتِ ]مَضَلَّاتِ[ الْفِتَنِ فَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ وَ اعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِالْأَمْوَالِ وَ الْأَوْلَادِ لِيَتَبَيَّنَ السَّاخِطَ لِرِزْقِهِ وَ الرَّاضِيَ بِقِسْمِهِ وَ إِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ لَكِنْ لِتَظْهَرَ الْأَفْعَالُ الَّتِي بِهَا يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ وَ الْعِقَابُ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ الذُّكُورَ وَ يَكْرَهُ الْإِنَاثَ وَ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ تَثْمِيَر الْمَالِ وَ يَكْرَهُ انْثِلَامَ الْحَالِ
قال الرضي رحمه الله تعالى و هذا من غريب ما سمع منه ع في التفسير(19/205)


الفتنة لفظ مشترك فتارة تطلق على الجائحة و البلية تصيب الإنسان تقول قد افتتن زيد و فتن فهو مفتون إذا أصابته مصيبة فذهب ماله أو عقله أو نحو ذلك قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ يعني الذين عذبوهم بمكة ليرتدوا عن الإسلام و تارة تطلق على الاختبار و الامتحان يقال فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته و دينار مفتون و تارة تطلق على الإحراق قال تعالى شرح نهج البلاغة ج : 18 ص : 249 يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ و ورق مفتون أي فضة محرقة و يقال للحرة فتين كأن حجارتها محة و تارة تطلق على الضلال يقال رجل فاتن و مفتن أي مضل عن الحق جاء ثلاثيا و رباعيا قال تعالى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي بمضلين و قرأ قوم مفتنين فمن قال إني أعوذ بك من الفتنة و أراد الجائحة أو الإحراق أو الضلال فلا بأس بذلك و إن أراد الاختبار و الامتحان فغير جائز لأن الله تعالى أعلم بالمصلحة و له أن يختبر عباده لا ليعلم حالهم بل ليعلم بعض عباده حال بعض و عندي أن أصل اللفظة هو الاختبار و الامتحان و أن الاعتبارات الأخرى راجعة إليها و إذا تأملت علمت صحة ما ذكرناه
شرح نهج البلاغة ج : 18 ص : 91250وَ سُئِلَ عَنِ الْخَيْرِ مَا هُوَ فَقَالَ لَيْسَ الْخَيْرُ ]الْخَيْرَ[ أَنْ يَكْثُرَ مَالُكَ وَ وَلَدُكَ وَ لَكِنَّ الْخَيْرَ أَنْ يَكْثُرَ عِلْمُكَ وَ أَنْ يَعْظُمَ حِلْمُكَ وَ أَنْ تُبَاهِيَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ رَبِّكََإِنْ أَحْسَنْتَ حَمِدْتَ اللَّهَ وَ إِنْ أَسَأْتَ اسْتَغْفَرْتَ اللَّهَ وَ لَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِرَجُلَيْنِ رَجُلٍ أَذْنَبَ ذُنُوباً فَهُوَ يَتَدَارَكُهَا بِالتَّوْبَةِ وَ رَجُلٍ يُسَارِعُ فِي الْخَيْرَاتِ وَ لَا يَقِلُّ عَمَلٌ مَعَ التَّقْوَى وَ كَيْفَ يَقِلُّ مَا يُتَقَبَّلُ
قد قال الشاعر لهذا المعنى(19/206)


ليس السعيد الذي دنياه تسعده بل السعيد الذي ينجو من النار
قوله ع و لا يقل عمل مع التقوى أي مع اجتناب الكبائر لأنه لو كان موقعا لكبيرة لما تقبل منه عمل أصلا على قول أصحابنا فوجب أن يكون المراد بالتقوى اجتناب الكبائر فأما مذهب المرجئة فإنهم يحملون التقوى هاهنا على الإسلام لأن المسلم عندهم تتقبل أعماله و إن كان مواقعا للكبائر. فإن قلت فهل يجوز حمل لفظة التقوى على حقيقتها و هي الخوف قلت لا أما على مذهبنا فلأن من يخاف الله و يواقع الكبائر لا تتقبل أعماله شرح نهج البلاغة ج : 18 ص : 251و أما مذهب المرجئة فلأن من يخاف الله من مخالفي ملة الإسلام لا تتقبل أعماله فثبت أنه يجوز حمل التقوى هاهنا على الخوف. فإن قلت من هو مخالف لملة الإسلام لا يخاف الله لأنه لا يعرفه. قلت لا نسلم بل يجوز أن يعرف الله بذاته و صفاته كما نعرفه نحن و يجحد النبوة لشبهة وقعت له فيها فلا يلزم من جحد النبوة عدم معرفة الله تعالى
شرح نهج البلاغة ج : 18 ص : 92252إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالْأَنْبِيَاءِ أَعْلَمُهُمْ بِمَا جَاءُوا بِهِ ثُمَّ تَلَا ع إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الآْيَةَ ثُمَّ قَالَ ع إِنَّ وَلِيّمُحَمَّدٍ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَ إِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ وَ إِنَّ عَدُوَّ مُحَمَّدٍ مَنْ عَصَى اللَّهَ وَ إِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ
هكذا الرواية أعلمهم و الصحيح أعملهم لأن استدلاله بالآية يقتضي ذلك و كذا قوله فيما بعد إن ولي محمد من أطاع الله... إلى آخر الفصل فلم يذكر العلم و إنما ذكر العمل و اللحمة بالضم النسب و القرابة و هذا مثل
الحديث المرفوع ايتوني بأعمالكم و لا تأتوني بأنسابكم إن أكرمكم عند الله أتقاكم
و في الحديث الصحيح يا فاطمة بنت محمد إني لا أغني عنك من الله شيئا(19/207)


وقال رجل لجعفر بن محمد ع أ رأيت قوله ص إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار أ ليس هذا أمانا لكل فاطمي في الدنيا فقال إنك لأحمق إنما أراد حسنا و حسينا لأنهما من لحمة أهل البيت فأما من عداهما فمن قعد به عمله لم ينهض به نسبه
شرح نهج البلاغة ج : 18 ص : 93253وَ سَمِعَ ع رَجُلًا مِنَ الْحَرُورِيَّةِ يَتَهَجَّدُ وَ يَقْرَأُ فَقَالَ نَوْمٌ عَلَى يَقِينٍ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةٍ عَلَى شَكٍّهذا نهي عن التعرض للعبادة مع الجهل بالمعبود كما يصنع اليوم كثير من الناس و يظنون أنهم خير الناس و العقلاء الألباء من الناس يضحكون منهم و يستهزءون بهم و الحرورية الخوارج و قد سبق القول فيهم و في نسبتهم إلى حروراء. يقول ع ترك التنفل بالعبادات مع سلامة العقيدة الأصلية خير من الاشتغال بالنوافل و أوراد الصلاة مع عدم العلم و هو المعني بقوله في شك فإذا كان عدم التنفل خيرا من التنفل مع الشك فهو مع الجهل المحض و هو الاعتقاد الفاسد أولى بأن يكون
شرح نهج البلاغة ج : 18 ص : 94254اعْقِلُوا الْخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ لَا عَقْلَ رِوَايَةٍ فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ وَ رُعَاتَهُ قَلِيلٌنهاهم ع عن أن يقتصروا إذا سمعوا منه أو من غيره أطرافا من العلم و الحكمة على أن يرووا ذلك رواية كما يفعله اليوم المحدثون و كما يقرأ أكثر الناس القرآن دراسة و لا يدري من معانيه إلا اليسير. و أمرهم أن يعقلوا ما يسمعونه عقل رعاية أي معرفة و فهم. ثم قال لهم إن رواة العلم كثير و رعاته قليل أي من يراعيه و يتدبره و صدق ع
شرح نهج البلاغة ج : 18 ص : 95255وَ قَالَ ع وَ قَدْ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ فَقَالَ إِنَّ قَوْلَنَا إِنَّا لِلَّهِ إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْمُلْكِ وَ قَوْلَنَا وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ إِقْرَارٌ عَل أَنْفُسِنَا بِالْهُلْكِ(19/208)


قوله إنا لله اعتراف بأنا مملوكون لله و عبيد له لأن هذه اللام لام التمليك كما تقول الدار لزيد فأما قوله و إنا إليه راجعون فهو إقرار و اعتراف بالنشور و القيامة لأن هذا هو معنى الرجوع إليه سبحانه و اقتنع أمير المؤمنين عن التصريح بذلك فذكر الهلك فقال إنه إقرار على أنفسنا بالهلك لأن هلكنا مفض إلى رجوعنا يوم القيامة إليه سبحانه فعبر بمقدمة الشي ء عن الشي ء نفسه كما يقال الفقر الموت و الحمى الموت و نحو ذلك. و يمكن أن يفسر ذلك على قول مثبتي النفس الناطقة بتفسير آخر فيقال إن النفس ما دامت في أسر تدابير البدن فهي بزل عن مبادئها لأنها مشتغلة مستغرقة بغير ذلك فإذا مات البدن رجعت النفس إلى مبادئها فقوله و إنا إليه راجعون إقرار بما لا يصح الرجوع بهذا التفسير إلا معه و هو الموت المعبر عنه بالهلك
شرح نهج البلاغة ج : 18 ص : 96256وَ قَالَ ع وَ مَدَحَهُ قَوْمٌ فِي وَجْهِهِ اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي وَ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي خَيْراً مِمَّا يَظُنُّونَ وَ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَقد تقدم القول في كراهية مدح الإنسان في وجهه و
في الحديث المرفوع إذا مدحت أخاك في وجهه فكأنما أمررت على حلقه موسى وميضة
وقال أيضا لرجل مدح رجلا في وجهه عقرت الرجل عقرك الله
و قال أيضا لو مشى رجل إلى رجل بسيف مرهف كان خيرا له من أن يثني عليه في وجهه(19/209)

87 / 150
ع
En
A+
A-