شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 354لما بلغ الحسن بن علي ع قول معاوية إذا لم يكن الهاشمي جوادا و الأموي حليما و العوامي شجاعا و المخزومي تياها لم يشبهوا آباءهم فقال إنه و الله ما أراد بها النصيحة و لكن أراد أن يفنى بنو هاشم ما في أيديهم فيحتاجوا إليه و أن يشجبنو العوام فيقتلوا و أن يتيه بنو مخزوم فيمقتوا و أن يحلم بنو أمية فيحبهم الناس
كان قاضي القضاة محمد بن أبي الشوارب الأموي تائها فهجاه عبد الأعلى البصري فقال
إني رأيت محمدا متشاوسا مستصغرا لجميع هذي الناس و يقول لما أن تنفس خاليا نفسا له يعلو على الأنفاس ويح الخلافة في جوانب لحيتي تستن دون لحى بني العبابعض الأموية
إذا تائه من عبد شمس رأيته يتيه فرشحه لكل عظيم و إن تاه تياه سواه فإنه يتيه لحمق أو يتيه للوملبعض الأموية أيضا
أ لسنا بني مروان كيف تبدلت بنا الحال أو دارت علينا الدوائرإذا ولد المولود منا تهللت له الأرض و اهتزت إليه المنابر
بعض التياهين(20/211)
أتيه على إنس البلاد و جنها و لو لم أجد خلقا أتيه على نفسي أتيه فلا أدري من التيه من أنا سوى ما يقول الناس في و في جنسي فإن زعموا أني من الإنس مثلهم فما لي عيب غير أني من الإن شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 355بعض العلويةلقد نازعتنا من قريش عصابة بمط خدود و امتداد أصابع فلما تنازعنا الفخار قضى لنا عليهم بما نهوى نداء الصوامع ترانا سكوتا و الشهيد بفضلنا عليهم أذان الناس في كل جامع بأن رسول الله لا شك جدنا و أن بنيه كالنجوم الطواكان عمارة بن حمزة بن ميمون مولى بني العباس مثلا في التيه حتى قيل أتيه من عمارة و كان يتولى دواوين السفاح و المنصور و كان إذا أخطأ مضى على خطئه تكبرا عن الرجوع و يقول نقض و إبرام في حالة واحدة الإصرار على الخطإ أهون من ذلك و افتخرت أم سلمة المخزومية امرأة السفاح ذات ليلة بقومها على السفاح و بنو مخزوم يضرب بهم المثل في الكبر و التيه فقال أنا أحضرك الساعة على غير أهبة مولى من موالي ليس في أهلك مثله فأرسل إلى عمارة و أمر الرسول أن يعجله عن تغيير زيه فجاء على الحال التي وجده عليها الرسول في ثياب ممسكة مزررة بالذهب و قد غلف لحيته بالغالية حتى قامت فرمى إليه السفاح بمدهن ذهب مملوء غالية فلم يلتفت إليه و قال هل ترى لها في لحيته موضعا فأخرجت أم سلمة عقدا لها ثمينا و أمرت خادما أن يضعه بين يديه فقام و تركه فأمرت الخادم أن يتبعه به و يقول إنها تسألك قبوله فقال للخادم هو لك فانصرف بالعقد إليها فأعطت الخادم فكاكه عشرة آلاف دينار و استرجعته و عجبت من نفس عمارة و كان عمارة لا يذل للخلفاء و هم مواليه و يتيه عليهم. نظر رجل إلى المهدي و يده في يد عمارة و هما يمشيان فقال يا أمير المؤمنين شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 356من هذا ق هذا أخي و ابن عمي عمارة بن حمزة فلما ولى الرجل ذكر المهدي الكلمة كالممازح لعمارة فقال عمارة و الله لقد انتظرت أن تقول مولاي فأنفض يدي من يدك فتبسم(20/212)
المهدي. و كان أبو الربيع الغنوي أعرابيا جافيا تياها شديد الكبر قال أبو العباس المبرد في الكامل فذكر الجاحظ أنه أتاه و معه رجل هاشمي قال فناديت أبو الربيع هنا فخرج إلي و هو يقول خرج إليك رجل أكرم الناس فلما رأى الهاشمي استحيا و قال أكرم الناس رديفا و أشرفهم حليفا أراد بذلك أبا مرثد الغنوي لأنه كان رديف رسول الله ص و حليف أبي بكر قال حدثنا ساعة ثم نهض الهاشمي فقلت له من خير الخلق قال الناس و الله قلت من خير الناس قال العرب و الله قلت فمن خير العرب قال مضر و الله قلت فمن خير مضر قال قيس و الله قلت فمن خير قيس قال يعصر و الله قلت فمن خير يعصر قال غني و الله قلت فمن خير غني قال المخاطب لك و الله قلت أ فأنت خير الناس قال إي و الله قلت أ يسرك أن تكون تحتك ابنة يزيد بن المهلب قال لا و الله قلت و لك ألف دينار قال لا و الله قلت فألفا دينار قال لا و الله قلت و لك الجنة قال فأطرق ثم قال على ألا تلد مني ثم أنشد
تأبى ليعصر أعراق مهذبة من أن تناسب قوما غير أكفاءفإن يكن ذاك حتما لا مرد له فاذكر حذيف فإني غير أباء
شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 357أراد حذيفة بن بدر الفزاري و كان سيد قيس في زمانه. رأى عمر رجلا يمشي مرخيا يديه طارحا رجليه يتبختر فقال له دع هذه المشية فقال ما أطيق فجلده ثم خلاه فترك التبختر فقال عمر إذا لم أجلد في هذا ففيم أجلد فجاءه الرجل بعد ذلك فقال اك الله يا أمير المؤمنين خيرا إن كان إلا شيطانا سلط علي فأذهبه الله بك
شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 401358خُذْ مِنَ الدُّنْيَا مَا أَتَاكَ وَ تَوَلَّ عَمَّا تَوَلَّى عَنْكَ فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَأَجْمِلْ فِي الطَّلَبِكان يقال اجعل الدنيا كغريم السوء حصل منه ما يرضخ لك به و لا تأس على ما دفعك عنه ثم قال ع فإن لم تفعل فأجمل في الطلب و هي
من الألفاظ النبوية لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فأجملوا في الطلب(20/213)
قيل لبعض الحكماء ما الغنى فقال قلة تمنيك و رضاك بما يكفيك
شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 402359رُبَّ قَوْلٍ أَنْفَذُ مِنْ صَوْلٍقد قيل هذا المعنى كثيرا فمنه قولهم
و القول ينفذ ما لا تنفذ الإبر
و من ذلك القول لا تملكه إذا نما كالسهم لا تملكه إذا رمى و قال الشاعر
و قافية مثل حد السنان تبقى و يذهب من قالهاتخيرتها ثم أرسلتها و لم يطق الناس إرسالها
و قال محمود الوراق
أتاني منك ما ليس على مكروهه صبرفأغضيت على عمد و كم يغضي الفتى الحرو أدبتك بالهجر فما أدبك الهجرو لا ردك عما كان منك الصفح و البرفلما اضطرني المكروه و اشتد بي الأمرتناولتك من شعري بما ليس له قدرفحركت جناح الضر لما مسك الضرإذا لم يصلح الخير امرأ أصلحه الشر
شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 360و قال الرضي رحمه اللهسأمضغ بالأقوال أعراض قومكم و للقول أنياب لدي حداديرى للقوافي و السماء جلية عليكم بروق جمة و رعاد
و قال أيضا
كعمت لساني أن يقول و إن يقل فقل في الجراز العضب إن فارق الغمداو إن برودا للمخازي معدة فمن شاء من ذا الحي أسحبته برداقلائد في الأعناق بالعار لا تهي على مر أيام الزمان و لا تصداإذا صلصلت بين القنا قضت القنا و إن زفرت في السر قطعت السردا(20/214)
شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 403361كُلُّ مُقْتَصَرٍ عَلَيْهِ كَافٍ هذا من باب القناعة و إن من اقتصر على شي ء و قنعت به نفسه فقد كفاه و قام مقام الفضول التي يرغب فيها المترفون و قد تقدم القول في ذل شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 404362الْمَنِيَّةُ وَ لَا الدَّنِيَّةُ وَ التَّقَلُّلُ وَ لَا التَّوَسُّلُقد تقدم من كلامنا في هذا الباب شي ء كثير و قال الشاعر أقسم بالله لمص النوى و شرب ماء القلب المالحه أحسن بالإنسان من ذله و من سؤال الأوجه الكالحه فاستغن بالله تكن ذا غنى مغتبطا بالصفقة الرابحه فالزهد عز و التقى سؤدد و ذلة النفس لها فاضحه كم سالم صحيح به بغتة و قائل عهدي به البارحه أمسى و أمست عنده قينة و تندبه نائحه طوبى لمن كانت موازينه يوم يلاقي ربه راجحهو قال أيضا لمص الثماد و خرط القتاد و شرب الأجاج أوان الظمإعلى المرء أهون من أن يرى ذليلا لخلق إذا أعدماو خير لعينيك من منظر إلى ما بأيدي اللئام العمى
قلت لحاه الله هلا قال بأيدي الرجال
شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 405363مَنْ لَمْ يُعْطَ قَاعِداً لَمْ يُعْطَ قَائِماًمراده أن الرزق قد قسمه الله تعالى فمن لم يرزقه قاعدا لم يجب عليه القيام و الحركة. و قد جاء
في الحديث أنه ص ناول أعرابيا تمرة و قال له خذها فلو لم تأتها لأتتك
و قال الشاعر(20/215)