تقدير الكلام ينبغي أن يكون زمان العاقل مقسوما ثلاثة أقسام. و يرم معاشه يصلحه و شاخصا راحلا و خطوة في معاد يعني في عمل المعاد و هو العبادة و الطاعة. و كان شيخنا أبو علي رحمه الله يقسم زمانه على ما أصف لك كان يصلي الصبح و الكواكب طالعة و يجلس في محرابه للذكر و التسبيح إلى بعد طلوع الشمس بقليل ثم يتكلم مع التلامذة و طلبة العلم إلى ارتفاع النهار ثم يقوم فيصلي الضحى ثم يجلس فيتمم البحث مع التلامذة إلى أن يؤذن للظهر فيصليها بنوافلها ثم يدخل إلى أهله فيصلح شأنه و يقضي حوائجه ثم يخرج للعصر فيصليها بنوافلها و يجلس مع التلامذة إلى المغرب فيصليها و يصلي العشاء ثم يشتغل بالقرآن إلى ثلث الليل ثم ينام الثلث الأوسط ثم يقعد فيصلي الثلث الأخير كله إلى الصبح
شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 397339ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُبَصِّرْكَ اللَّهُ عَوْرَاتِهَا وَ لَا تَغْفُلْ فَلَسْتَ بِمَغْفُولٍ عَنْكَأمره بالزهد في الدنيا و جعل جزاء الشرط تبصير الله تعالى له عورات الدنيا و هذا حق لأن الراغب في الدنيا عاشق لها و العاشق لا يرى عيب معشوقه كما قال القائل
و عين الرضا عن كل عيب كليلة و لكن عين السخط تبدي المساويا
فإذا زهد فيها فقد سخطها و إذا سخطها أبصر عيوبها مشاهدة لا رواية. ثم نهاه عن الغفلة و قال له إنك غير مغفول عنك فلا تغفل أنت عن نفسك فإن أحق الناس و أولاهم ألا يغفل عن نفسه من ليس بمغفول عنه و من عليه رقيب شهيد يناقشه على الفتيل و النقير
شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 398340تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ الْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِهذه إحدى كلماته ع التي لا قيمة لها و لا يقدر قدرها و المعنى قد تداوله الناس قال(20/201)
و كائن ترى من صامت لك معجب زيادته أو نقصه في التكلم لسان الفتى نصف و نصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم و الدمو كان يحيى بن خالد يقول ما جلس إلى أحد قط إلا هبته حتى يتكلم فإذا تكلم إما أن تزداد الهيبة أو تنقص
شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 399341نِعْمَ الطِّيبُ الْمِسْكُ خَفِيفٌ مَحْمِلُهُ عَطِرٌ رِيحُهُفصل فيما ورد في الطيب من الآثار
كان النبي ص كثير التطيب بالمسك و بغيره من أصناف الطيب. و
جاء الخبر الصحيح عنه حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب و النساء و قرة عيني في الصلاة
و قد رويت لفظة أمير المؤمنين ع عنه مرفوعة و نحوها
لا تردوا الطيب فإنه طيب الريح خفيف المحمل
سرق أعرابي نافجة مسك فقيل له و من يغلل يأت بما غل يوم القيامة قال إذن أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل. و
في الحديث المرفوع أنه ع بايع قوما كان بيد رجل منهم ردع خلوق فبايعه بأطراف أصابعه و قال خير طيب الرجال ما ظهر ريحه و خفي لونه و خير طيب النساء ما ظهر لونه و خفي ريحه
و عنه ع في صفة أهل الجنة و مجامرهم الألوة
و هي العود الهندي. شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 342و روى سهل بن سعد عنه ع أن في الجنة لمراغا من مسك مثل مراغ دوابكم هذه
و روي عنه ع أيضا في صفة الكوثر جاله المسك أي جانبه و رضراضة التوم و حصباؤه اللؤلؤ
و قالت عائشة كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله ص و هو محرم
وكان ابن عمر يستجمر بعود غير مطرى و يجعل معه الكافور و يقول هكذا رأيت رسول الله ص يصنع
و روى أنس بن مالك قال دخل علينا رسول الله ص فقال عندنا و الوقت صيف فعرق فجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت عرقه فاستيقظ و قال يا أم سليم ما تصنعين قالت هذا عرقك نجعله في طيبنا فإنه من أطيب الطيب و نرجو به بركة صبياننا فقال أصبت
و من كلام عمر لو كنت تاجرا ما اخترت غير العطر إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه. ناول المتوكل أحمد بن أبي فنن فأرة مسك فأنشده(20/202)
لئن كان هذا طيبنا و هو طيب لقد طيبته من يديك الأنامل
قالوا سميت الغالية غالية لأن عبد الله بن جعفر أهدى لمعاوية قارورة منها فسأله كم أنفق عليها فذكر مالا فقال هذه غالية فسميت غالية. شم مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري من أخته هند بنت أسماء ريح غالية و كانت تحت الحجاج فقال علميني طيبك قالت لا أفعل أ تريد أن تعلمه شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 343جواريك هو لك عندي ما أردته ثم ضحكت و قالت و الله ما تعلمته إلا من شعرك حيث قلتأطيب الطيب طيب أم أبان فأر مسك بعنبر مسحوق خلطته بعودها و ببان فهو أحوى على اليدين شريقو روى أبو قلابة قال كان ابن مسعود إذا خرج من بيته إلى المسجد عرف من في الطريق أنه قد مر من طيب ريحه. و روى الحسن بن زيد عن أبيه قال رأيت ابن عباس حين أحرم و الغالية على صلعته كأنها الرب. أولم المتوكل في طهر بنيه فلما كثر اللعب قال ليحيي بن أكثم انصرف أيها القاضي قال و لم قال لأنهم يريدون أن يخلطوا قال أحوج ما يكونون إلى قاض إذا خلطوا فاستظرفه و أمر أن تغلف لحيته ففعل فقال يحيى إنا لله ضاعت الغالية كانت هذه تكفيني دهرا لو دفعت إلي فأمر له بزورق لطيف من ذهب مملوء من غالية و درج بخور فأخذهما و انصرف. و روى عكرمة أن ابن عباس كان يطلي جسده بالمسك فإذا مر بالطريق قال الناس أ مر ابن عباس أم المسك و قال أبو الضحى رأيت على رأس ابن الزبير من المسك ما لو كان لي لكان رأس مالي. لما بنى عمر بن عبد العزيز على فاطمة بنت عبد الملك أسرج في مسارجه تلك الليلة الغالية إلى أن طلعت الشمس. كانت لابن عمر بندقة من مسك يبوكها بين راحتيه فتفوح رائحتها. كان عمر بن عبد العزيز في إمارته المدينة يجعل المسك بين قدميه و نعله فقال فيه الشاعر يمدحه
له نعل لا تطبي الكلب ريحها و إن وضعت في مجلس القوم شمت(20/203)
شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 344سمع عمر قول سحيم عبد بني الحسحاسو هبت شمال آخر الليل قرة و لا ثوب إلا درعها و ردائيافما زال بردي طيبا من ثيابها مدى الحول حتى أنهج البرد باليا
فقال له ويحك إنك مقتول فلم تمض عليه أيام حتى قتل. قال الشعبي الرائحة الطيبة تزيد في العقل. كان عبد الله بن زيد يتخلق بالخلوق ثم يجلس في المجلس. و كانوا يستحبون إذا قاموا من الليل أن يمسحوا مقاديم لحاهم بالطيب. و اشترى تميم الداري حلة بثمانمائة درهم و هيأ طيبا فكان إذا قام من الليل تطيب و لبس حلته و قام في المحراب. و قال أنس يا جميلة هيئي لنا طيبا أمسح به يدي فإن ابن أم ثابت إذا جاء قبل يدي يعني ثابتا البناني. و قال سلم بن قتيبة لقد شممت من فلان رائحة أطيب من مشطة العروس الحسناء في أنف العاشق الشبق. و من كلام بعض الصالحين الفاسق رجس و لو تضمخ بالغالية. عرضت مدنية لكثير فقالت له أنت القائل
فما روضة بالحزن طيبة الثرى يمج الندى جثجاثها و عرارهابأطيب من أردان عزة موهنا و قد أوقدت بالمندل الرطب نارها
لو كانت هذه الصفة لزنجية تجتلي الحلة لطابت هلا قلت كما قال سيدك إمرؤ القيس شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 34أ لم ترياني كلما جئت طارقا وجدت بها طيبا و إن لم تطيب(20/204)
و قال الزمخشري إن النوى المنقع بالمدينة ينتاب أشرافها المواضع التي يكون فيها التماسا لطيب ريحه و إذا وجدوا ريحه بالعراق هربوا منها لخبثها قال و من اختلف في طرقات المدينة وجد رائحة طيبة و بنة عجيبة و لذلك سميت طيبة و الزنجية بها تجعل في رأسها شيئا من بلح و ما لا قيمة له فتجد له خمرة لا يعدلها بيت عروس من ذوات الأقدار. قال و لو دخلت كل غالية و عطر قصبة الأهواز و قصبة أنطاكية لوجدتها قد تغيرت و فسدت في مدة يسيرة. أراد الرشيد المقام في أنطاكية فقال له شيخ منها إنها ليست من بلادك فإن الطيب الفاخر يتغير فيها حتى لا ينتفع منه بشي ء و السلاح يصدأ فيها. سيراف من بلاد فارس لها فغمة طيبة. فأرة المسك دويبة شبيهة بالخشف تكون في ناحية تبت تصاد لأجل سرتها فإذا صادها الصائد عصب سرتها بعصاب شديد و هي مدلاة فيجتمع فيها دمها ثم يذبحها و ما أكثر من يأكلها ثم يأخذ السرة فيدفنهافي الشعر حتى يستحيل الدم المحتقن فيها مسكا ذكيا بعد أن كان لا يرام نتنا و قد يوجد في البيوت جرذان سود يقال لها فأر المسك ليس عندها إلا رائحة لازمة لها. و ذكر شيخنا أبو عثمان الجاحظ قال سألت بعض أصحابنا المعتزلة عن شأن المسك فقال لو لا أن رسول الله ص تطيب بالمسك لما تطيبت به لأنه دم فأما شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 346الزباد فليس مما يقرب ثيابي فقلت له قد يرتضع الجدي من لبن خنزيرة فلا يحرم لحمه لأن ذلك اللبن استحال لحما و خرج من تلك الطبيعة و عن تلك الصورة و عن ذلك الاسم و كذا لحم الجلالة فالمسك غير الدم و خل غير الخمر و الجوهر لا يحرم لذاته و عينه و إنما يحرم للأعراض و العلل فلا تقزز منه عند ذكرك الدم فليس به بأس. قال الزمخشري و الزبادة هرة و يقال للزيلع و هم الذين يجتلبون الزباد يا زيلع الزبادة ماتت فيغضب. و قال ابن جزلة الطبيب في المنهاج الزباد طيب يؤخذ من حيوان كالسنور يقال إنه وسخ في رحمها. و قال الزمخشري العنبر يأتي(20/205)