شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 353262الثَّنَاءُ بِأَكْثَرَ مِنَ الِاسْتِحْقَاقِ مَلَقٌ وَ التَّقْصِيرُ عَنِ الِاسْتِحْقَاقِ عِيٌّ أَوْ حَسَدٌكانوا يكرهون أن يثنى الشاعر في شعره على الممدوح الثناء المفرط و يقولون خير المدح ما قارب فيه الشاعر و اقتصد و هذا هو المذهب الصحيح و إن كان قوم يقولون إن خير الشعر المنظوم في المدح ما كان أشد مغالاة و أكثر تبجيلا و تعظيما و وصفا و نعتا. و ينبغي أن يكون قوله ع محمولا على الثناء في وجه الإنسان لأنه هو الموصوف بالملق إذا أفرط فأما من يثنى بظهر الغيب فلا يوصف ثناؤه بالملق سواء كان مقتصدا أو مسرفا. و قوله ع و التقصير عن الاستحقاق عي أو حسد لا مزيد عليه في الحسن لأنه إذا قصر به عن استحقاقه كان المانع إما من جانب المثني فقط من غير تعلق له بالمثنى عليه أو مع تعلق به فالأول هو العي و الحصر و الثاني هو الحسد و المنافسة
شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 354263أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَهَانَ بِهِ صَاحِبُهَاقد ذكرنا هذا فيما تقدم و ذكرنا العلة فيه و هي أن فاعل ذلك الذنب قد جمع بين فعل الذنب و فعل ذنب آخر و هو الاستهانة بما لا يستهان به لأن المعاصي لا هين فيها و الصغير منها كبير و الحقير منها عظيم و ذلك لجلالة شأن المعصي سبحانه. فأما من يذنب و يستعظم ما أتاه فحاله أخف من حال الأول لأنه يكاد يكون نادما(20/146)


شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 355264مَنْ نَظَرَ فِي عَيْبِ نَفْسِهِ اشْتَغَلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ وَ مَنْ رَضِيَ بِرِزْقِ اللَّهِ لَمْ يَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَهُ وَ مَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ وَ مَنْ كَابَدَ الْأُمُورَ عَطِبَ وَ مَنِ اقْتَحَماللُّجَجَ غَرِقَ وَ مَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ السُّوءِ اتُّهِمَ وَ مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ وَ مَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَ مَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ وَ مَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ وَ مَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ وَ مَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ غَيْرِهِ فَأَنْكَرَهَا ثُمَّ رَضِيَهَا لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ الْأَحْمَقُ بِعَيْنِهِ وَ الْقَنَاعَةُ مَالٌ لَا يَنْفَدُ وَ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ وَ مَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ
كل هذه الفصول قد تقدم الكلام فيها و هي عشرة أولها من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره كان يقال أصلح نفسك أولا ثم أصلح غيرك. و ثانيها من رضي برزق الله لم يحزن على ما فاته كان يقال الحزن على المنافع الدنيوية سم ترياقه الرضا بالقضاء شرح نهج البلاغة ج : 19 : 265و ثالثها من سل سيف البغي قتل به كان يقال الباغي مصروع و إن كثر جنوده. و رابعها من كابد الأمور عطب و من اقتحم اللجج غرق مثل هذا قول القائل
من حارب الأيام أصبح رمحه قصدا و أصبح سيفه مفلولا(20/147)


و خامسها من دخل مداخل السوء اتهم هذا مثل قولهم من عرض نفسه للشبهات فلا يلومن من أساء به الظن. و سادسها من كثر كلامه إلى قوله دخل النار قد تقدم القول في المنطق الزائد و ما فيه من المحذور و كان يقال قلما سلم مكثار أو أمن من عثار. و سابعها من نظر في عيوب غيره فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذاك هو الأحمق بعينه و كان يقال أجهل الناس من يرضى لنفسه بما يسخطه من غيره. و ثامنها القناعة مال لا ينفد قد سبق القول في هذا و سيأتي أيضا. و تاسعها من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير كان يقال إذا أحببت ألا تحسد أحدا فأكثر ذكر الموت و اعلم أنك و من تحسده عن قليل من عديد الهلكى. و عاشرها من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه لا ريب أن الكلام عمل من الأعمال و فعل من الأفعال فكما يستهجن من الإنسان ألا يزال يحرك يده و إن كان عابثا كذلك يستهجن ألا يزال يحرك لسانه فيما هو عبث أو يجري مجرى العبث. و قال الشاعر(20/148)


يخوض أناس في الكلام ليوجزوا و للصمت في بعض الأحايين أوجزإذا كنت عن أن تحسن الصمت عاجزا فأنت عن الإبلاغ في القول أعجز شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 356266لِلظَّالِمِ مِنَ الرِّجَالِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ يَظْلِمُ مَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ وَ مَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ وَ يُظَاهِرُ الْقَوْمَ الظَّلَمَةَيمكن أن يفسر هذا الكلام على وجهين أحدهما أن كل من وجدت فيه إحدى هذه الثلاث فهو ظالم إما أن يكون قد وجبت عليه طاعة من فوقه فعصاه فهو بعصيانه ظالم له لأنه قد وضعه في غير موضعه و الظلم في أصل اللغة هو هذا المعنى و لذلك سموا اللبن يشرب قبل أن يبلغ الروب مظلوما لأن الشرب منه كان في غير موضعه إذا لم يرب و لم يخرج زبده فكذلك من عصى من فوقه فقد زحزحه عن مقامه إذ لم يطعه و إما أن يكون قد قهر من دونه و غلبه و إما أن يكون قد ظاهر الظلمة. و الوجه الثاني أن كل ظالم فلا بد من اجتماع هذه العلامات الثلاث فيه و هذا هو الأظهر
شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 357267عِنْدَ تَنَاهِي الشِّدَّةِ تَكُونُ الْفَرْجَةُ وَ عِنْدَ تَضَايُقِ حَلَقِ الْبَلَاءِ يَكُونُ الرَّخَاءُكان يقال إذا اشتد المضيق اتسعت الطريق و كان يقال توقعوا الفرج عند ارتتاج المخرج و قال الشاعر
إذا بلغ الحوادث منتهاها فرج بعيدها الفرج المطلافكم كرب تولى إذ توالى و كم خطب تجلى حين جلى
و في الأثر تضايقي تنفرجي سيجعل الله بعد العسر يسرا. و الفرجة بفتح الفاء التفصي من الهم قال الشاعر
ربما تجزع النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال
فأما الفرجة بالضم ففرجة الحائط و ما أشبهه(20/149)


شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 358268وَ قَالَ ع لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ لَا تَجْعَلَنَّ أَكْثَرَ شُغُلِكَ بِأَهْلِكَ وَ وَلَدِكَ فَإِنْ يَكُنْ أَهْلُكَ وَ وَلَدُكَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَوْلِيَاءَهُ وَ إِنْ يَكُونُوا أَعْدَاءَ اللَّهفَمَا هَمُّكَ وَ شُغُلُكَ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ
قد تقدم القول نحو هذا المعنى و هو أمر بالتفويض و التوكل على الله تعالى فيمن يخلفه الإنسان من ولده و أهله فإن الله تعالى أعلم بالمصلحة و أرأف بالإنسان من أبيه و أمه ثم إن كان الولد في علم الله تعالى وليا من أولياء الله سبحانه فإن الله تعالى لا يضيعه قال سبحانه وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ و كل ولي لله فهو متوكل عليه لا محالة و إن كان عدوا لله لم يجز الاهتمام له و الاعتناء بأمره لأن أعداء الله تجب مقاطعتهم و يحرم توليهم فعلى كل حال لا ينبغي للإنسان أن يحفل بأهله و ولده بعد موته. و اعلم أن هذا كلام العارفين الصديقين لا كلام أهل هذه الطبقات التي نعرفها فإن هذه الطبقات تقصر أقدامهم عن الوصول إلى هذا المقام. و يعجبني قول الشاعر
أيا جامع المال وفرته لغيرك إذ لم تكن خالدافإن قلت أجمعه للبنين فقد يسبق الولد الوالداو إن قلت أخشى صروف الزمان فكن من تصاريفه واحدا
شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 359269أَكْبَرُ الْعَيْبِ أَنْ تَعِيبَ مَا فِيكَ مِثْلُهُقد تقدم هذا المعنى مرارا و قال الشاعر
إذا أنت عبت الأمر ثم أتيته فأنت و من تزري عليه سواء
شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 360270وَ هَنَّأَ بِحَضْرَتِهِ رَجُلٌ رَجُلًا آخَرَ بِغُلَامٍ وُلِدَ لَهُ فَقَالَ لَهُ لِيَهْنِئْكَ الْفَارِسُ فَقَالَ ع لَا تَقُلْ ذَلِكَ وَ لَكِنْ قُلْ شَكَرْتَ الْوَاهِبَ وَ بُورِكَ لَكَ فِي الْمَوْهُوبِ وَ بَلَغَ أَشُدَّهُ رُزِقْتَ بِرَّهُ(20/150)

136 / 150
ع
En
A+
A-