شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 274156أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَا وَ أَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْناً مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْماً مَاالهون بالفتح التأني و البغيض المبغض و خلاصة هذه الكلمة النهي عن الإسراف في المودة و البغضة فربما انقلب من تود فصار عدوا و ربما انقلب من تعاديه فصار صديقا. و قد تقدم القول في ذلك على أتم ما يكون و قال بعض الحكماء توق الإفراط في المحبة فإن الإفراط فيها داع إلى التقصير منها و لأن تكون الحال بينك و بين حبيبك نامية أولى من أن تكون متناهية. و من كلام عمر لا يكن حبك كلفا و لا بغضك تلفا. و قال الشاعر
و أحبب إذا أحببت حبا مقاربا فإنك لا تدري متى أنت نازع و أبغض إذا أبغضت غير مباين فإنك لا تدري متى أنت راجعو قال عدي بن زيد
و لا تأمنن من مبغض قرب داره و لا من محب أن يمل فيبعدا
شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 275157النَّاسُ فِي الدُّنْيَا عَامِلَانِ عَامِلٌ فِي الدُّنْيَا لِلدُّنْيَا قَدْ شَغَلَتْهُ دُنْيَاهُ عَنْ آخِرَتِهِ يَخْشَى عَلَى مَنْ يُخَلِّفُ الْفَقْرَ وَ يَأْمَنُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَيُفْنِي عُمُرَهُ فِي مَنْفَعَةِ غَيْرِهوَ عَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا فَجَاءَهُ الَّذِي لَهُ مِنَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ عَمَلٍ فَأَحْرَزَ الْحَظَّيْنِ مَعاً وَ مَلَكَ الدَّارَيْنِ جَمِيعاً فَأَصْبَحَ وَجِيهاً عِنْدَ اللَّهِ لَا يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَةً فَيَمْنَعَهُ(20/91)
معنى قوله و يأمنه على نفسه أي و لا يبالي أن يكون هو فقيرا لأنه يعيش عيش الفقراء و إن كان ذا مال لكنه يدخر المال لولده فيفني عمره في منفعة غيره. و يجوز أن يكون معناه أنه لكثرة ماله قد أمن الفقر على نفسه ما دام حيا و لكنه لا يأمن الفقر على ولده لأنه لا يثق من ولده بحسن الاكتساب كما وثق من نفسه فلا يزال في الاكتساب و الازدياد منه لمنفعة ولده الذي يخاف عليه الفقر بعد موته. فأما العامل في الدنيا لما بعدها فهم أصحاب العبادة يأتيهم رزقهم بغير اكتساب و لا كد و قد حصلت لهم الآخرة فقد حصل لهم الحظان جميعا
شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 276158وَ رُوِيَ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي أَيَّامِهِ حَلْيُ الْكَعْبَةِ وَ كَثْرَتُهُ فَقَالَ قَوْمٌ لَوْ أَخَذْتَهُ فَجَهَّزْتَ بِهِ جُيُوشَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ أَعْظَمَ لِلْأَجْرِ وَ مَا تَصْنَعُ الْعْبَةُ بِالْحَلْيِ فَهَمَّ عُمَرُ بِذَلِكَ وَ سَأَلَ عَنْهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع فَقَالَ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ص وَ الْأَمْوَالُ أَرْبَعَةٌ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْفَرَائِضِ وَ الْفَيْ ُ فَقَسَّمَهُ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ وَ الْخُمْسُ فَوَضَعَهُ اللَّهُ حَيْثُ وَضَعَهُ وَ الصَّدَقَاتُ فَجَعَلَهَا اللَّهُ حَيْثُ جَعَلَهَا وَ كَانَ حَلْيُ الْكَعْبَةِ فِيهَا يَوْمَئِذٍ فَتَرَكَهُ اللَّهُ عَلَى حَالِهِ وَ لَمْ يَتْرُكْهُ نِسْيَاناً وَ لَمْ يَخْفَ عَنْهُ مَكَاناً فَأَقِرَّهُ حَيْثُ أَقَرَّهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ لَوْلَاكَ لَافْتَضَحْنَا وَ تَرَكَ الْحَلْيَ بِحَالِهِ(20/92)
هذا استدلال صحيح و يمكن أن يورد على وجهين أحدهما أن يقال أصل الأشياء الحظر و التحريم كما هو مذهب كثير من أصحابنا البغداديين فلا يجوز التصرف في شي ء من الأموال و المنافع إلا بإذن شرعي و لم يوجد إذن شرعي في حلي الكعبة فبقينا فيه على حكم الأصل. و الوجه الثان أن يقال حلي الكعبة مال مختص بالكعبة هو جار مجرى ستور الكعبة و مجرى باب الكعبة فكما لا يجوز التصرف في ستور الكعبة و بابها شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 159إلا بنص فكذلك حلي الكعبة و الجامع بينهما الاختصاص الجاعل كل واحد من ذلك كالجزء من الكعبة فعلى هذا الوجينبغي أن يكون الاستدلال. و يجب أن يحمل كلام أمير المؤمنين ع عليه و إلا يحمل على ظاهره لأن لمعترض أن يعترض استدلاله إذا حمل على ظاهره بأن يقول الأموال الأربعة التي عددها إنما قسمها الله تعالى حيث قسمها لأنها أموال متكررة بتكرر الأوقات على مر الزمان يذهب الموجود منها و يخلفه غيره فكان الاعتناء بها أكثر و الاهتمام بوجوه متصرفها أشد لأن حاجات الفقراء و المساكين و أمثالهم من ذوي الاستحقاق كثيرة و متجددة بتجدد الأوقات و ليس كذلك حلي الكعبة لأنه مال واحد باق غير متكرر و أيضا فهو شي ء قليل يسير ليس مثله مما يقال يبغي أن يكون الشارع قد تعرض لوجوه مصرفه حيث تعرض لوجوه مصرف الأموال فافترق الموضعان
شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 277160رُوِيَ أَنَّهُ رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ سَرَقَا مِنْ مَالِ اللَّهِ أَحَدُهُمَا عَبْدٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَ الآْخَرُ مِنْ عُرْضِ النَّاسِ فَقَالَ أَمَّا هَذَا فَهُوَ مِنْ مَالِ اللَّهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ مَالُ اللَّهَِكَلَ بَعْضُهُ بَعْضاً وَ أَمَّا الآْخَرُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ الشَّدِيدُ فَقَطَعَ يَدَهُ(20/93)
هذا مذهب الشيعة أن عبد المغنم إذا سرق من المغنم لم يقطع فأما العبد الغريب إذا سرق من المغنم فإنه يقطع إذا كان ما سرقه زائدا عما يستحقه من الغنيمة بمقدار النصاب الذي يجب فيه القطع و هو ربع دينار و كذلك الحر إذا سرق من المغنم حكمه هذا الحكم بعينه فوجب أن يحمل كلام أمير المؤمنين على أن العبد المقطوع قد كان سرق من المغنم ما هو أزيد من حقه من الغنيمة بمقدار النصاب المذكور أو أكثر. فأما الفقهاء فإنهم لا يوجبون القطع على من سرق من مال الغنيمة قبل قسمتها سواء كان ما سرقه أكثر من حقه أو لم يكن لأن مخالطة حقه و ممازجته للمسروق شبهة في الجملة تمنع من وجوب القطع هذا إن كان له حق في الغنيمة بأن يكون شهد القتال بإذن سيده فإن لم يكن ذلك و كان لسيده فيها حق لم يقطع أيضا لأن حصة سيده المشاعة شبهة تمنع من قطعه فإن لم يشهد القتال و لا شهده سيده و سرق من الغنيمة قبل القسمة ما يجب في مثله القطع وجب عليه القطع
شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 278161لَوْ قَدِ اسْتَوَتْ قَدَمَايَ مِنْ هَذِهِ الْمَدَاحِضِ لَغَيَّرْتُ أَشْيَاءَلسنا نشك أنه كان يذهب في الأحكام الشرعية و القضايا إلى أشياء يخالف فيها أقوال الصحابة نحو قطعه يد السارق من رءوس الأصابع و بيعه أمهات الأولاد و غير ذلك و إنما كان يمنعه من تغير أحكام من تقدمه اشتغاله بحرب البغاة و الخوارج و إلى ذلك يشير بالمداحض التي كان يؤمل استواء قدميه منها و لهذا
قال لقضاته اقضوا كما كنتم تقضون حتى يكون للناس جماعة(20/94)
فلفظة حتى هاهنا مؤذنة بأنه فسح لهم في اتباع عادتهم في القضايا و الأحكام التي يعهدونها إلى أن يصير للناس جماعة و ما بعد إلى و حتى ينبغي أن يكون مخالفا لما قبلهما. فأما أصحابنا فيقولون إنه كان فيما يحاول أن يحكم بين الناس مجتهدا و يجوز لغيره من المجتهدين مخالفته. و الإمامية تقول ما كان يحكم إلا عن نص و توقيف و لا يجوز لأحد من الناس مخالفته. و القول في صحة ذلك و فساده فرع من فروع مسألة الإمامة
شرح نهج البلاغة ج : 19 ص : 279162اعْلَمُوا عِلْماً يَقِيناً أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْعَبْدِ وَ إِنْ عَظُمَتْ حِيلَتُهُ وَ اشْتَدَّتْ طَلِبَتُهُ وَ قَوِيَتْ مَكِيدَتُهُ أَكْثَرَ مِمَّا سُمِّيَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ وَ لَمْ يَحُلْ بَيْنَ الَبْدِ فِي ضَعْفِهِ وَ قِلَّةِ حِيلَتِهِ وَ بَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ مَا سُمِّيَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ وَ الْعَارِفُ لِهَذَا الْعَامِلُ بِهِ أَعْظَمُ النَّاسِ رَحْمَةً فِي مَنْفَعَةٍ وَ التَّارِكُ لَهُ الشَّاكُّ فِيهِ أَعْظَمُ النَّاسِ شُغْلًا فِي مَضَرَّةٍ وَ رُبَّ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ مُسْتَدْرَجٌ بِالنُّعْمَى وَ رُبَّ مُبْتَلًى مَصْنُوعٌ لَهُ بِالْبَلْوَى فَزِدْ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ فِي شُكْرِكَ وَ قَصِّرْ مِنْ عَجَلَتِكَ وَ قِفْ عِنْدَ مُنْتَهَى رِزْقِكَ(20/95)