نهاه أن يطمعها في الشفاعات. شرح نهج البلاغة ج : 16 ص : 125و روى الزبير بن بكار قال كانت الخيزران كثيرا ما تكلم موسى ابنها لما استخلف في الحوائج و ن يجيبها إلى كل ما تسأل حتى مضت أربعة أشهر من خلافته و تتألى الناس عليها و طمعوا فيها فكانت المواكب تغدو إلى بابها و كلمته يوما في أمر فلم يجد إلى إجابتها سبيلا و احتج عليها بحجة فقالت لا بد من إجابتي فقال لا أفعل قالت إني قد ضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك فغضب موسى و قال ويلي على ابن الفاعلة قد علمت أنه صاحبها و الله لا قضيتها لك و لا له قالت و الله لا أسألك حاجة أبدا قال إذن و الله لا أبالي فقامت مغضبة فقال مكانك تستوعبي كلامي و أنا و الله بري ء من قرابتي من رسول الله ص لئن بلغني أنه وقف أحد من قوادي خاصتي و خدمي و كتابي على بابك لأضربن عنقه و أقبضن ماله فمن شاء فليلزم ذلك ما هذه المواكب التي تغدو إلى بابك كل يوم أ ما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك إياك ثم إياك أن تفتحي فاك في حاجة لملي أو ذمي فانصرفت و ما تعقل ما تطأ عليه و لم تنطق عنده بحلوة و لا مرة بعدها حتى هلك. و أخذ هذه اللفظة منه و هي قوله إن المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة الحجاج فقالها للوليد بن عبد الملك روى ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار قال دخل الحجاج على الوليد بن عبد الملك و عليه درع و عمامة سوداء و فرس عربية و كنانة و ذلك في أول قدمة قدمها عليه من العراق فبعثت أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان و هي تحت الوليد إليه من هذا الأعرابي المستلئم في السلاح عندك و أنت في غلالة فأرسل إليها هذا الحجاج فأعادت إليه الرسول فقال تقول لك و الله لأن يخلو بك ملك الموت في اليوم أحيانا أحب(17/111)
شرح نهج البلاغة ج : 16 ص : 126إلي من أن يخلو بك الحجاج فأخبره الوليد بذلك و هو يمازحه فقال يا أمير المؤمنين دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول فإنما المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة فلا تطلعها على سرك و مكايدة عدوك فلما دخل الوليد عليها أخبرها و هو يمازحها بالة الحجاج فقالت يا أمير المؤمنين حاجتي أن تأمره غدا أن يأتيني مسلما ففعل ذلك فأتاها الحجاج فحجبته فلم يزل قائما ثم أذنت له فقالت يا حجاج أنت الممتن على أمير المؤمنين بقتلك ابن الزبير و ابن الأشعث أما و الله لو لا أن الله علم أنك شر خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة الحرام و لا بقتل ابن ذات النطاقين أول مولود في دار هجرة الإسلام و أما نهيك أمير المؤمنين عن مفاكهة النساء و بلوغ لذاته و أوطاره فإن كن ينفرجن عن مثلك فما أحقه بالأخذ منك و إن كن ينفرجن عن مثله فهو غير قابل لقولك أما و الله لقد نقص نساء أمير المؤمنين الطيب من غدائرهن فبعنه في أعطية أهل الشام حين كنت في أضيق من قرن قد أظلتك رماحهم و أثخنك كفاحهم و حين كان أمير المؤمنين أحب إليهم من أبنائهم و آبائهم فأنجاك الله من عدو أمير المؤمنين بحبهم إياه قاتل الله القائل حين ينظر إليك و سنان غزالة بين كتفيك
أسد علي و في الحروب نعامة ربداء تنفر من صفير الصافرهلا برزت إلى غزالة في الوغى بل كان قلبك في جناحي طائر
قم فاخرج فقام فخرج شرح نهج البلاغة ج : 16 ص : 12بعض ما قيل في الغيرة من الشعر
فأما قوله ع إياك و التغاير في غير موضع غيرة فقد قيل هذا المعنى قال بعض المحدثين
يا أيها الغائر مه لا تغر إلا لما تدركه بالبصرما أنت في ذلك إلا كمن بيته الدب لرمي الحجر
و كان مسكين الدارمي أحد من يستهجن الغيرة و يستقبح وقوعها في غير محلها فمن شعره في هذا المعنى(17/112)
ما أحسن الغيرة في حينها و أقبح الغيرة في غير حين من لم يزل متهما عرسه مناصبا فيها لرجم الظنون يوشك أن يغريها بالذي يخاف أو ينصبها للعيون حسبك من تحصينها ضمها منك إلى خيم كريم و دين لا تظهرن يوما على عورة فيتبع المقرون حبل القو قال أيضا
ألا أيها الغائر المستشيط علام تغار إذ لم تغرفما خير عرس إذا خفتها و ما خير بيت إذا لم يزرتغار من الناس أن ينظروا و هل يفتن الصالحات النظرفإني سأخلي لها بيتها فتحفظ لي نفسها أو تذر شرح نهج البلاغة ج : 16 ص : 128إذا الله لم يعطه ودها فلن يعطي الود سوط ممرو من ذا يراعي له عرسه إذا ضمه و الركاب السقو قال أيضا
و لست امرأ لا أبرح الدهر قاعدا إلى جنب عرسي لا أفارقها شبراو لا مقسما لا أبرح الدهر بيتها لأجعله قبل الممات لها قبراو لا حاملا ظني و لا قول قائل على غيره حتى أحيط به خبراو هبني امرأ راعيت ما دمت شاهدا فكيف إذا ما سرت من بيتها شهراإذا هي لم تحصن لما في فنائها فليس بمنجيها بنائي لها قصرا
فأما قوله و اجعل لكل إنسان من خدمك عملا تأخذه به فقد قالت الحكماء هذا المعنى قال أبرويز في وصيته لولده شيرويه و انظر إلى كتابك فمن كان منهم ذا ضياع قد أحسن عمارتها فوله الخراج و من كان منهم ذا عبيد قد أحسن سياستهم و تثقيفهم فوله الجند و من كان منهم ذا سراري و ضرائر قد أحسن القيام عليهن فوله النفقات و القهرمة و هكذا فاصنع في خدم دارك و لا تجعل أمرك فوضى بين خدمك فيفسد عليك ملكك. و أما قوله فأكرم عشيرتك فإنهم جناحك فقد تقدم منا كلام في وجوب الاعتضاد بالعشائر
اعتزاز الفرزدق بقومه
روى أبو عبيدة قال كان الفرزدق لا ينشد بين يدي الخلفاء و الأمراء إلا قاعدا شرح نهج البلاغة ج : 16 ص : 129فدخل على سليمان بن عبد الملك يوما فأنشده شعرا فخر فيه بآبائه و قال من جملتهتالله ما حملت من ناقة رجلا مثلي إذا الريح لفتني على الكور(17/113)
فقال سليمان هذا المدح لي أم لك قال لي و لك يا أمير المؤمنين فغضب سليمان و قال قم فأتمم و لا تنشد بعده إلا قائما فقال الفرزدق لا و الله أو يسقط إلى الأرض أكثري شعرا فقال سليمان ويلي على الأحمق ابن الفاعلة لا يكنى و ارتفع صوته فسمع الضوضاء بالباب فقال سليمان ما هذا قيل بنو تميم على الباب قالوا لا ينشد الفرزدق قائما و أيدينا في مقابض سيوفنا قال فلينشد قاعدا
وفود الوليد بن جابر على معاوية
و روى أبو عبيد الله محمد بن موسى بن عمران المرزباني قال كان الوليد بن جابر بن ظالم الطائي ممن وفد على رسول الله ص فأسلم ثم صحب عليا ع و شهد معه صفين و كان من رجاله المشهورين ثم وفد على معاوية في الاستقامة و كان معاوية لا يثبته معرفة بعينه فدخل عليه في جملة الناس فلما انتهى إليه استنسبه فانتسب له فقال أنت صاحب ليلة الهرير قال نعم قال و الله ما تخلو مسامعي من رجزك تلك الليلة و قد علا صوتك أصوات الناس و أنت تقول(17/114)
شدوا فداء لكم أمي و أب فإنما الأمر غدا لمن غلب هذا ابن عم المصطفى و المنتجب تنمه للعلياء سادات العرب ليس بموصوم إذا نص النسب أول من صلى و صام و اقترقال نعم أنا قائلها قال فلما ذا قلتها قال لأنا كنا مع رجل لا نعلم خصلة شرح نهج البلاغة ج : 16 ص : 130توجب الخلافة و لا فضيلة تصير إلى التقدمة إلا و هي مجموعة له كان أول الناس سلما و أكثرهم علما و أرجحهم حلما فات الجياد فلا يشق غباره يستولي على الأمد فلا يف عثاره و أوضح منهج الهدى فلا يبيد مناره و سلك القصد فلا تدرس آثاره فلما ابتلانا الله تعالى بافتقاده و حول الأمر إلى من يشاء من عباده دخلنا في جملة المسلمين فلم ننزع يدا عن طاعة و لم نصدع صفاة جماعة على أن لك منا ما ظهر و قلوبنا بيد الله و هو أملك بها منك فاقبل صفونا و أعرض عن كدرنا و لا تثر كوامن الأحقاد فإن النار تقدح بالزناد قال معاوية و إنك لتهددني يا أخا طيئ بأوباش العراق أهل النفاق و معدن الشقاق فقال يا معاوية هم الذين أشرقوك بالريق و حبسوك في المضيق و ذادوك عن سنن الطريق حتى لذت منهم بالمصاحف و دعوت إليها من صدق بها و كذبت و آمن بمنزلها و كفرت و عرف من تأويلها ما أنكرت فغضب معاوية و أدار طرفه فيمن حوله فإذا جلهم من مضر و نفر قليل من اليمن فقال أيها الشقي الخائن إني لإخال أن هذا آخر كلام تفوه به و كان عفير بن سيف بن ذي يزن بباب معاوية حينئذ فعرف موقف الطائي و مراد معاوية فخافه عليه فهجم عليهم الدار و أقبل على اليمانية فقال شاهت الوجوه ذلا و قلا و جدعا و فلا كشم الله هذه الأنف كشما مرعبا ثم التفت إلى معاوية فقال إني و الله يا معاوية ما أقول قولي هذا حبا لأهل العراق و لا جنوحا إليهم و لكن الحفيظة تذهب الغضب لقد رأيتك بالأمس خاطبت أخا ربيعة يعني صعصعة بن صوحان و هو أعظم جرما عندك من هذا و أنكأ لقلبك و أقدح في صفاتك و أجد في عداوتك و أشد انتصارا في حربك ثم أثبته و سرحته و أنت(17/115)