في واقعة الشورى كما زعم المرتضى رحمه الله فكذلك أفعال أمير المؤمنين إن كان منصوصا عليه كما تقوله الإمامية قد تناقضت أيضا أما أولا فإن كان منصوصا عليه فكيف أدخل نفسه في الشورى المبنية على صحة الاختيار و عدم النص أ ليس هذا إيهاما ظاهرا لأكثر المسلمين خصوصا الضعفة منهم و من لا نظر له في دقائق الأمور عنده أنه غير منصوص عليه فكيف يجوز له إضلال المكلفين و أن يوقع في نفوسهم عدم النص مع كون النص كان حاصلا. و أما عذر المرتضى عن هذا بأنه دخل في الشورى ليتمكن من الاحتجاج على أهل الشورى بمقاماته و فضائله فيقال له قد كان الدهر الأطول مخالطا لأهل الشورى و غيرهم مجتمعا معهم في المسجد و غيره من مواطن كل يوم بل كل ساعة فلا يجوز أن يقال دخل ليضمه و إياهم أو يظلهم سقف فيتمكن بذلك من ذكر مقاماته و فضائله بينهم لأن العاقل لا يجوز أن يرتكب أمرا يوهم القبيح ليفعل فعلا قد كان من قبله بثلاث عشرة سنة متمكنا من أن يفعله من غير أن يرتكب ذلك الأمر الموهم للقبيح و ليت شعري من الذي كان يمنعه أيام أبي بكر و عمر من أن يذكر مقاماته و فضائله و يفتخر بها و لم أنفك ع من ذكر فضائله و الفخر بمناقبه في تلك المدة الطويلة و قد كان عمر و هو المعروف المشهور بالغلظة و الفظاظة يذكر فضائله و يعترف بها فلست أرى لعذر المرتضى أصلا بهذا الوجه أو معنى.(13/226)


شرح نهج البلاغة ج : 12 ص : 272فأما عذره الثاني عن دخوله في الشورى بقوله لو لم يدخل فيها لقيل له إنك قد طعنت على واضع الشورى و ليس ذلك إلا لأنك ترى الأمر لك فليس بعذر جيد لأنه لو امتنع من الدخول فيها على وجه الزهد و قلة الالتفات إلى الولاية و الإعراض عن سلطان و الإمرة لما نسبه أحد إلى ما ذكره المرتضى أصلا و لقال الناس رجل زاهد لا يريد الدنيا و لا يرغب في الرئاسة ثم ما المانع من أن يقول لعمر و هو حي نشدتك الله لا تدخلني فيها فإني لا أريدها و لا أوثرها أ تراه كان في جواب هذا الكلام يأمر بقتله و يقول له إنما امتناعك لأنك تدعي أن رسول الله ص نص عليك فلا ترى أخذ الأمر من جهتي و توليه من طريقي و إنما تريده بمحض النص الأول لا غير ما أظن أن عاقلا يخطر له أن ذلك كان يكون فهذا العذر بارد لا معنى له كالعذر الأول. فأما عذره الثالث و هو قوله إنه كان يجب عليه أن يتوصل إلى القيام بالأمر بكل طريق لأنه يلزمه القيام به فعذر جيد لا بأس به. و أما ثانيا فيقال للمرتضى هب إنا نزلنا عن الدخول في الشورى هلا عرض للجماعة و هم مجتمعون و هو يعد لهم مناقبه و فضائله بذكر النص و ذلك بأن يكنى عنه كناية لطيفة فيقول لهم قد كان من رسول الله ص بالأمس في حقي ما تعلمون أ تراهم كانوا في جواب هذه الكلمة يقتلونه ما أظن أنهم كانوا يجتمعون على ذلك و لا بد لو عرض بشي ء من ذلك كان من كلام يدور بينهم في المعنى نحو أن يقولوا إن ذلك النص رجع عنه رسول الله ص أو يقولوا رأى المسلمون تركه للمصلحة أو يجري بينهو بينهم جدال و نزاع و لم يكن هناك خليفة يخاف جانبه و إنما كان مجلس مناظرة و بحث و لم يستقر الأمر لأحد. و قول المرتضى إنه و إن كان كذلك إلا أنهم كانوا لا يرضون أن يطعن في المتقدمين شرح نهج البلاغة ج : 12 ص : 273منهم و يكرهون منه ذلك و لا يقرونه عليه و يعده شذوذا له عن الجماعة و خلافا للأمة قول صحيح إذا كان القائل يقوله(13/227)


على وجه شق العصا و المنابذة و كشف القناع و إذا قاله على وجه الاستعطاف لهم و الإذكار بما عساهم نسوة و حسن التلطف و الرفق بهم و الاستمالة لهم و تذكيرهم حقوق رسول الله ص و ميثاقه الذي واثقهم به فإنه لا يقع منهم في مقابلة ذلك قتله و لا قطع عضو من أعضائه و لا إقامة الحد عليه و أقصى ما في الباب أنهم كانوا يردون ذلك عليه بكلام مثل كلامه و يجيبونه بجواب يناسب جوابه و يدفعونه عما يرومه بوجه من وجوه الدفع إن كانوا مقيمين على الإصرار على غصب الحق منه. و أما ثالثا فإن كان ع كما تقوله الإمامية منصوصا عليه فما الذي منعه لما قال له عبد الرحمن أبايعك على أن تسير فينا بسيرة الشيخين أن يقول نعم فإنه لو قال نعم لبايعه عبد الرحمن و وصل إلى الأمر الذي يلزمه القيام به و إلى الحال التي كان يتوصل بكل طريق إلى الوصول إليها. و قول المرتضى إن سيرتهما كانت مختلفة لأن أحدهما حكم بكثير مما حكم الآخر بضده ليس بجيد لأن السيرة التي كان عبد الرحمن يطلبها ذلك اليوم هو الأمر الكلي في إيالة الرعية و سياستهم و جباية الفي ء و ظلف الوالي نفسه و أهله عنه و صرفه إلى المسلمين و رم الأمر و جمع العمال و قهر الظلمة و إنصاف المظلومين و حماية البيضة و تسريب الجيوش إلى بلاد الشرك هذه هي السيرة التي كان عبد الرحمن يشترطها و هي التي طلبها الناس بعد ذلك فقالوا لمعاوية في آخر أيامه و لعبد الملك و لغيرهما و صاحوا بهم تحت المنابر نطلب سيرة العمرين و لم يريدوا في الأحكام و الفتاوي الشرعية نحو القول في الجد مع الإخوة(13/228)


شرح نهج البلاغة ج : 12 ص : 274و القول في الكلالة و القول في أمهات الأولاد فما أعلم الذي منع أمير المؤمنين ع من أن يقول لعبد الرحمن نعم فيأخذها ثم كان إذا أخذها أقدر الناس على هذه السيرة و أقواهم عليها فوا عجبا بينا هو يطلب الخلافة أشد الطلب فإذا هو ناكصنها و قد عرضت عليه على أمر هو قيم به و لهذا كان الرأي عندي أن يدخل فيها حينئذ و من الذي كان يناظره بعد ذلك و يجادله فيقول قد أخللت بشي ء من سيرة أبي بكر و عمر كلا إن السيف لضاربه و الأمر لمالكه و الرعية أتباع و الحكم لصاحب السلطان منهم. و من العجب أن يقولالمرتضى إنه لأجل التقية وافق على الرضا بالشورى فهلا اتقى القوم و قد ذكروا له سيرة الشيخين فأباها و كرهها و من كان يخاف على نفسه أن لو أظهر الزهد في الخلافة و الرغبة عن الدخول في أمر الشورى كيف لم يخف على نفسه و قد ذكرت له سيرة الشيخين فتركها و لم يوافق عليها و قال لا بل على أن أجتهد رأيي. و أما قول المرتضى إنه وصف القوم بصفات تمنع من الإمامة ثم عينهم للإمامة فنقول في جوابه أن تلك الصفات لا تمنع من الإمامة بالكلية بل هي صفات تنقص في الجملة أي لو لم تكن هذه الصفات فيهم لكانوا أكمل أ لا ترى أنه قال في عبد الرحمن رجل صالح على ضعف فيه فذكر أن فيه ضعفا يسيرا لأنه لو كان يرى ضعفه مانعا من الإمامة لقال ضعيف عنها جدا أو لا يصلح لها لضعفه و كذلك قوله في أمير المؤمنين فيه فكاهة لأن ذلك لا يمنع من الإمامة و لا زهو طلحة و نخوته و لا ما وصف به الزبير من أنه شديد السخط وقت غضبه و أنه بخيل و لا توليه الأقارب على رقاب الناس إذا لم يكونوا فساقا و أقوى عيب ذكره ما عاب به سعدا في قوله صاحب شرح نهج البلاغة ج : 12 ص : 275مقنب و قتال لا يقوم بقرية لو حمل أمرها و يجوز أن يكون قال ذلك على سبيل المبالغة في استصلاحه لأن يكون صاحب جيشقاتل به بين يدي الإمام و أنه ليس له دربة و نظر في تدبير البلاد و(13/229)


الأطراف و جباية أموالها أ لا تراه كيف قال لا يقوم بقرية و يجوز أن يلي الخلافة من هذه حاله و يستعين في أمر العباد و البلاد و جباية الأموال بالكفاة الأمناء فأما الرواية الأخرى التي قال فيها لعثمان لروثة خير منك فهي من روايات الشيعة و لسنا نعرفها من كتب غيرهم. فأما قوله كيف قال لا أتحملها حيا و ميتا فحصر الخلافة في العدد المخصوص ثم رتبها ذلك الترتيب إلى أن آلت إلى اختيار عبد الرحمن وحده فنقول في جوابه أنه كان يحب إلا يستقل وحده بأمر الخلافة و أن يشاركه في ذلك غيره من صلحاء المهاجرين ليكون أعذر عند الله تعالى و عند الناس و إذا كان قد وضع الشورى على ذلك الوضع المخصوص فلم يتحملها استقلالا بل شركه فيها غيره فهو أقل لتحمله أمرها لو كان عين على واحد بعينه. و أما حديث القتل فليس مراده إلا شق العصا و مخالفة الجماعة و التوثب على الأمر مغالبة. و قول المرتضى لو كان ذلك من أول يوم لوجب أن يمنع فاعله و يقاتل فأي معنى لضرب الأيام الثلاثة أجلا فإنه يقال له إن الأجل المذكور لم يضرب لقتل من يشق العصا و إنما ضرب لإبرامهم الأمر و فصله قبل أن تتطاول الأيام بهم و يتسامع من بعد عن دار الهجرة أن الخليفة قد قتل و أنهم مضطربون إلى الآن لم يقيموا لأنفسهم خليفة بعده فيطمع أهل الفساد و الدعارة و لا يؤمن وقوع الفتن(13/230)

60 / 147
ع
En
A+
A-