فاستنقذاه منه و خبطا عتبة بسيفيهما حتى قتلاه و احتملا صاحبهما من المعركة إلى العريش فألقياه بين يدي رسول اه ص و إن مخ ساقه ليسيل فقال يا رسول الله لو كان أبو طالب حيا لعلم أنه قد صدق في قوله
كذبتم و بيت الله نخلي محمدا و لما نطاعن دونه و نناضل و ننصره حتى نصرع حوله و نذهل عن أبنائنا و الحلائلفقالوا إن رسول الله ص استغفر له و لأبي طالب يومئذ و بلغ عبيدة مع النبي ص إلى الصفراء فمات فدفن بها.
قالوا و قد روي أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ص في عام جدب فقال أتيناك يا رسول الله و لم يبق لنا صبي يرتضع و لا شارف يجتر ثم أنشده
أتيناك و العذراء تدمى لبانها و قد شغلت أم الرضيع عن الطفل و ألقى بكفيه الفتى لاستكانة من الجوع حتى ما يمر و لا يحلي و لا شي ء مما يأكل الناس عندنا سوى الحنظل العامي و العلهز الفسل و ليس لنا إلا إليك فرارنا و أين فرار الناس إلا إلى ال. فقام النبي ص يجر رداءه حتى صعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه و قال اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا هنيئا مريعا سحا سجالا غدقا طبقا قاطبا دائما درا تحيي به الأرض و تنبت به الزرع و تدر به الضرع و اجعله سقيا نافعا عاجلا غير رائث فو الله ما رد رسول الله ص يده إلى نحره حتى ألقت السماء شرح نهج البلاغة ج : 14 ص : 81أرواقها و جاء الناس يضجون الغرق الغرق يا رسول الله فقال اللهم حوالينا و لا علينا فانجاب السحاب عن المدينة حتى استدار حولها كالإكليل فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه ثم قال لله در أبي طالب لو كان حيا لقرت عه من ينشدنا قوله فقام علي فقال يا رسول الله لعلك أردت
و أبيض يستسقى الغمام بوجهه
قال أجل فأنشده أبياتا من هذه القصيدة و رسول الله يستغفر لأبي طالب على المنبر ثم قام رجل من كنانة فأنشده(15/64)
لك الحمد و الحمد ممن شكر سقينا بوجه النبي المطردعا الله خالقه دعوة إليه و أشخص منه البصرفما كان إلا كما ساعة أو أقصر حتى رأينا الدرردفاق العزالي و جم البعاق أغاث به الله عليا مضرفكان كما قاله عمه أبو طالب ذو رواء غرربه يسر الله صوب الغمام فهذا العيان و ذاك الخبرفمن يشكر الله يلق المزيد و من يكفر الله يلق الغير
فقال رسول الله إن يكن شاعر أحسن فقد أحسنت
قالوا و إنما لم يظهر أبو طالب الإسلام و يجاهر به لأنه لو أظهره لم يتهيأ له من نصرة النبي ص ما تهيأ له و كان كواحد من المسلمين الذين اتبعوه نحو أبي بكر و عبد الرحمن بن عوف و غيرهما ممن أسلم و لم يتمكن من نصرته و القيام دونه شرح نهج البلاغة ج : 14 ص : 82حيذ و إنما تمكن أبو طالب من المحاماة عنه بالثبات في الظاهر على دين قريش و إن أبطن الإسلام كما لو أن إنسانا كان يبطن التشيع مثلا و هو في بلد من بلاد الكرامية و له في ذلك البلد وجاهة و قدم و هو يظهر مذهب الكرامية و يحفظ ناموسه بينهم بذلك و كان في ذلك البلد نفر يسير من الشيعة لا يزالون ينالون بالأذى و الضرر من أهل ذلك البلد و رؤسائه فإنه ما دام قادرا على إظهار مذهب أهل البلد يكون أشد تمكنا من المدافعة و المحاماة عن أولئك النفر فلو أظهر ما يجوز من التشيع و كاشف أهل البلد بذلك صار حكمه حكم واحد من أولئك النفر و لحقه من الأذى و الضرر ما يلحقهم و لم يتمكن من الدفاع أحيانا عنهم كما كان أولا. قلت فأما أنا فإن الحال ملتبسة عندي و الأخبار متعارضة و الله أعلم بحقيقة حاله كيف كانت. و يقف في صدري رسالة النفس الزكية إلى المنصور و قوله فيها فأنا ابن خير الأخيار و أنا ابن شر الأشرار و أنا ابن سيد أهل الجنة و أنا ابن سيد أهل النار. فإن هذه شهادة منه على أبي طالب بالكفر و هو ابنه و غير متهم عليه و عهده قريب من عهد النبي ص لم يطل الزمان فيكون الخبر مفتعلا. و جملة الأمر أنه قد روي في إسلامه أخبار(15/65)
كثيرة و روي في موته على دين قومه أخبار كثيرة فتعارض الجرح و التعديل فكان كتعارض البينتين عند الحاكم و ذلك يقتضي التوقف فأنا في أمره من المتوقفين. شرح نهج البلاغة ج : 14 ص : 83فأما الصلاة و كونه لم ينقل عنه أنه صلى فيجوز أن يكون لأن الصلاة لم تكن بعد قد فرضت و إنما كانت نفلا غير واجب فمن ش صلى و من شاء ترك و لم تفرض إلا بالمدينة و يمكن أن يقول أصحاب الحديث إذا تعارض الجرح و التعديل كما قد أشرتم إليه فالترجيح عند أصحاب أصول الفقه لجانب الجرح لأن الجارح قد اطلع على زيادة لم يطلع عليها المعدل. و لخصومهم أن يجيبوا عن هذا فنقول إن هذا إنما يقال و يذكر في أصول الفقه في طعن مفصل في مقابلة تعديل مجمل مثاله أن يروي شعبة مثلا حديثا عن رجل فهو بروايته عنه قد وثقه و يكفي في توثيقه له أن يكون مستور الحال ظاهره العدالة فيطعن فيه الدار قطني مثلا بأن يقول كان مدلسا أو كان يرتكب الذنب الفلاني فيكون قد طعن طعنا مفصلا في مقابلة تعديل مجمل و فيما نحن فيه و بصدده الروايتان متعارضتان تفصيلا لا إجمالا لأن هؤلاء يروون أنه تلفظ بكلمتي الشهادة عند الموت و هؤلاء يروون أنه قال عند الموت أنا على دين الأشياخ. و بمثل هذا يجاب على من يقول من الشيعة روايتنا في إسلامه أرجح لأنا نروي حكما إيجابيا و نشهد على إثبات و خصومنا يشهدون على النفي و لا شهادة على النفي و ذلك أن الشهادة في الجانبين معا إنما هي على إثبات و لكنه إثبات متضاد. و صنف بعض الطالبيين في هذا العصر كتابا في إسلام أبي طالب و بعثه إلي و سألني أن أكتب عليه بخطي نظما أو نثرا أشهد فيه بصحة ذلك و بوثاقة الأدلة عليه فتحرجت أن أحكم بذلك حكما قاطعا لما عندي من التوقف فيه و لم أستجز أن أقعد عن تعظيم أبي طالب فإني أعلم أنه لولاه لما قامت للإسلام دعامة و أعلم أن حقه واجب على كل مسلم في الدنيا إلى أن تقوم الساعة فكتبت على ظاهر المجلد شرح نهج البلاغة ج : 14 ص(15/66)
: 8و لو لا أبو طالب و ابنه لما مثل الدين شخصا فقامافذاك بمكة آوى و حامى و هذا بيثرب جس الحماماتكفل عبد مناف بأمر و أودى فكان علي تمامافقل في ثبير مضى بعد ما قضى ما قضاه و أبقى شمامافلله ذا فاتحا للهدى و لله ذا للمعالي ختاماو ما ضر مجد أبي طالب جهول لغا أو بصير تعامى كما لا يضر إياة الصباح من ظن ضوء النهار الظلامافوفيته حقه من التعظيم و الإجلال و لم أجزم بأمر عندي فيه وقفة
الفصل الثالث قصة غزوة بدر(15/67)
الفصل الثالث في شرح القصة في غزاة بدر و نحن نذكر ذلك من كتاب المغازي لمحمد بن عمر الواقدي و نذكر ما عساه زاده محمد بن إسحاق في كتاب المغازي و ما زاده أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري في تاريخ الأشراف. قال الواقدي بلغ رسول الله ص أن عير قريش قد فصلت من مكة تريد الشام و قد جمعت قريش فيها أموالها فندب لها أصحابه و خرج يعترضها على رأس ستة عشر شهرا من مهاجره ع فخرج في خمسين و مائة و يقال في مائتين فلم يلق العير و فاتته ذاهبة إلى الشام و هذه غزاة ذي العشيرة رجع منها إلى المدينة فلم يلق حربا فلما تحين انصراف العير من الشام قافلة ندب أصحابه لها و بعث طلحة بن عبيد الله و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قبل خروجه من المدينة بعشر ليال شرح نهج البلاغة ج : 14 ص : 85يتجسسان خبر العير حتى نزلا على كشد الجهني بالموضع المعروف بالنخبار و هو من وراء ذي المروة على الساحل فأجارهما و زلهما فلم يزالا مقيمين في خباء وبر حتى مرت العير فرفعهما على نشز من الأرض فنظرا إلى القوم و إلى ما تحمل العير و جعل أهل العير يقولون لكشد يا كشد هل رأيت أحدا من عيون محمد فيقول أعوذ بالله و أنى لمحمد عيون بالنخبار فلما راحت العير باتا حتى أصبحا ثم خرجا و خرج معهما كشد خفيرا حتى أوردهما ذا المروة و ساحلت العير فأسرعت و سار بها أصحابها ليلا و نهارا فرقا من الطلب و قدم طلحة و سعيد المدينة في اليوم الذي لقي رسول الله ص قريشا ببدر فخرجا يعترضان رسول الله ص فلقياه بتربان و تربان بين ملل و السالة على المحجة و كانت منزل عروة بن أذينة الشاعر و قدم كشد بعد ذلك على النبي ص و قد أخبر طلحة و سعيد رسول الله ص بما صنع بهما فحباه و أكرمه و قال أ لا أقطع لك ينبع قال إني كبير و قد نفد عمري و لكن أقطعها لابن أخي فأقطعها له قالوا و ندب رسول الله ص المسلمين و قال هذه عير قريش فيها أموالهم لعل الله أن يغنمكموها فأسرع من أسرع حتى إن كان الرجل(15/68)