شرح نهج البلاغة ج : 14 ص : 60إليه منهم ما أجابك أبدا قال ويحك يا هشام فما ذا أصنع إنما أنا رجل واحد و الله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقض هذه الصحيفة القاطعة قال قد وجدت رجلا قال من هو قال أنا قال زهير أبغنا ثالثا فذهب إلى مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد منافقال له يا مطعم أ رضيت أن يهلك بطنان من عبد مناف جوعا و جهدا و أنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه أما و الله لئن أمكنتموهم من هذا لتجدن قريشا إلى مساءتكم في غيره سريعة قال ويحك ما ذا أصنع إنما أنا رجل واحد قال قد وجدت ثانيا قال من هو قال أنا قال أبغني ثالثا قال قد وجدت قال من هو قال زهير بن أمية قال أنا قال أبغنا رابعا فذهب إلى أبي البختري بن هشام فقال له نحو ما قال للمطعم قال و هل من أحد يعين على هذا قال نعم و ذكرهم قال فأبغنا خامسا فمضى إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى فكلمه فقال و هل يعين على ذلك من أحد قال نعم ثم سمى له القوم فاتعدوا خطم الحجون ليلا بأعلى مكة فأجمعوا أمرهم و تعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها و قال زهير أنا أبدؤكم و أكون أولكم يتكلم فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم و غدا زهير بن أبي أمية عليه حلة له فطاف بالبيت سبعا ثم أقبل على الناس فقال يا أهل مكة أ نأكل الطعام و نشرب الشراب و نلبس الثياب و بنو هاشم هلكى و الله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة و كان أبو جهل في ناحية المسجد فقال كذبت و الله لا تشق فقال زمعة بن الأسود لأبي جهل و الله أنت أكذب ما رضينا و الله بها حين كتبت فقال أبو البختري معه صدق و الله زمعة لا نرضى بها و لا نقر بما كتب فيها فقال المطعم بن عدي صدقا و الله و كذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها و مما كتب فيها و قال هشام بن عمرو مثل قولهم فقال أبو جهل هذا أمر قضي بليل و قام مطعم بن عدي إلى الصحيفة فحطها و شقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا شرح نهج البلاغة ج : 14 ص(15/49)


: 61ما كان من باسمك اللهم قالوا و أما كاتبها منصور بن عكرمة فشلت يده فيما يذكرون فلما مزقت الصحيفة خرج بنو هاشم من حصار الشعب. قال محمد بن إسحاق فلم يزل أبو طالب ثابتا صابرا مستمرا على نصر ول الله ص و حمايته و القيام دونه حتى مات في أول السنة الحادية العشرة من مبعث رسول الله ص فطمعت فيه قريش حينئذ و نالت منه فخرج عن مكة خائفا يطلب أحياء العرب يعرض عليهم نفسه فلم يزل كذلك حتى دخل مكة في جوار المطعم بن عدي ثم كان من أمره مع الخزرج ما كان ليلة العقبة. قال و من شعر أبي طالب الذي يذكر فيه رسول الله ص و قيامه دونه
أرقت و قد تصوبت النجوم و بت و لا تسالمك الهموم لظلم عشيرة ظلموا و عقوا و غب عقوقهم لهم وخيم هم انتهكوا المحارم من أخيهم و كل فعالهم دنس ذميم و راموا خطة جورا و ظلما و بعض القول ذو جنف مليم لتخرج هاشما فتكون منها بلاقع بطن مكة فالحطيم فمهلا قومنا لا تر بمظلمة لها خطب جسيم فيندم بعضكم و يذل بعض و ليس بمفلح أبدا ظلوم أرادوا قتل أحمد زاعميه و ليس بقتله منهم زعيم و دون محمد منا ندي هم العرنين و العضو الصمو من ذلك قوله
و قالوا لأحمد أنت امرؤ خلوف الحديث ضعيف السبب
شرح نهج البلاغة ج : 14 ص : 62و إن كان أحمد قد جاءهم بصدق و لم يأتهم بالكذب فإنا و من حج من راكب و كعبة مكة ذات الحجب تنالون أحمد أو تصطلوا ظباة الرماح و حد القضب و تغترفوا بين أبياتكم صدور العوالي و خيلا شزب تراهن من بين ضافي السبيب قصير الحزام طويل عليها صناديد من هاشم هم الأنجبون مع المنتجبو روى عبد الله بن مسعود قال لما فرغ رسول الله ص من قتلى بدر و أمر بطرحهم في القليب جعل يتذكر من شعر أبي طالب بيتا فلا يحضره فقال له أبو بكر لعله قوله يا رسول الله
و إنا لعمر الله إن جد جدنا لتلتبسن أسيافنا بالأماثل
فسر بظفره بالبيت و قال إي لعمر الله لقد التبست. و من شعر أبي طالب قوله(15/50)


ألا أبلغا عني لؤيا رسالة بحق و ما تغني رسالة مرسل بني عمنا الأدنين فيما يخصهم و إخواننا من عبد شمس و نوفل أ ظاهرتم قوما علينا سفاهة و أمرا غويا من غواة و جهل يقولون لو أنا قتلنا محمدا أقرت نواصي هاشم بالتذلل كذبتم و رب الهدي تدمى نحوره بمكة و البيت العالمقبل تنالونه أو تصطلوا دون نيله صوارم تفري كل عضو و مفصل فمهلا و لما تنتج الحرب بكرها بخيل تمام أو بآخر معج شرح نهج البلاغة ج : 14 ص : 63و تلقوا بيع الأبطحين محمدا على ربوة في رأس عنقاء عيطل و تأوي إليه هاشم إن هاشما عرانين كعب آخر بعد أول فإن كنتم ترجون قتل محمد فروموا بما جمعتم نقل يذبل فإنا سنحميه بكل طمرة و ذي ميعة نهد المراكل هيكل و كل رديني ظماء كعوضب كإيماض الغمامة مفصل
قلت كان صديقنا علي بن يحيى البطريق رحمه الله يقول لو لا خاصة النبوة و سرها لما كان مثل أبي طالب و هو شيخ قريش و رئيسها و ذو شرفها يمدح ابن أخيه محمدا و هو شاب قد ربي في حجره و هو يتيمه و مكفوله و جار مجرى أولاده بمثل قوله
و تلقوا ربيع الأبطحين محمدا على ربوة في رأس عنقاء عيطل و تأوي إليه هاشم إن هاشما عرانين كعب آخر بعد أولو مثل قوله(15/51)


و أبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل يطيف به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة و فواضلفإن هذا الأسلوب من الشعر لا يمدح به التابع و الذنابى من الناس و إنما هو من مديح الملوك و العظماء فإذا تصورت أنه شعر أبي طالب ذاك الشيخ المبجل العظيم في محمد ص و هو شاب مستجير به معتصم بظله من قريش قد رباه في حجره غلاما و على عاتقه طفلا و بين يديه شابا يأكل من زاده و يأوي إلى داره علمت موضع خاصية النبوة و سرها و أن أمره كان عظيما و أن الله تعالى أوقع في القلوب و الأنفس له منزلة رفيعة و مكانا جليلا شرح نهج البلاغة ج : 14 ص : 64و قرأت في أمالي أبي جعفر بن حبيب رحمه الله قال كان أبو طالب إذا رأى رسول الله ص أانا يبكي و يقول إذا رأيته ذكرت أخي و كان عبد الله أخاه لأبويه و كان شديد الحب و الحنو عليه و كذلك كان عبد المطلب شديد الحب له و كان أبو طالب كثيرا ما يخاف على رسول الله ص البيات إذا عرف مضجعه يقيمه ليلا من منامه و يضجع ابنه عليا مكانه فقال له علي ليلة يا أبت إني مقتول فقال له
اصبرن يا بني فالصبر أحجى كل حي مصيره لشعوب قدر الله و البلاء شديد لفداء الحبيب و ابن الحبيب لفداء الأعز ذي الحسب الثاقب و الباع و الكريم النجيب إن تصبك المنون فالنبل تبري فمصيب منها و غير مصيب كل حي و إن تملى بعمر آخذ من مذاقها بن فأجاب علي ع فقال له
أ تأمرني بالصبر في نصر أحمد و و الله ما قلت الذي قلت جازعاو لكنني أحببت أن ترى نصرتي و تعلم أني لم أزل لك طائعاسأسعى لوجه الله في نصر أحمد نبي الهدى المحمود طفلا و يافعا
الفصل الثاني القول في المؤمنين و الكافرين من بني هاشم(15/52)


الفصل الثاني في تفسير قوله ع مؤمننا يبغي بذلك الأجر و كافرنا يحامي عن الأصل و من أسلم من قريش خلو مما نحن فيه لحلف يمنعه أو عشيرة تقوم دونه شرح نهج البلاغة ج : 14 ص : 65فهم من القتل بمكان أمن فنقول إن بني هاشم لما حصروا في الشعب بعد أن منعوا رسول الله ص قريش كانوا صنفين مسلمين و كفارا فكان علي ع و حمزة بن عبد المطلب مسلمين. و اختلف في جعفر بن أبي طالب هل حصر في الشعب معهم أم لا فقيل حصر في الشعب معهم و قيل بل كان قد هاجر إلى الحبشة و لم يشهد حصار الشعب و هذا هو القول الأصح و كان من المسلمين المحصورين في الشعب مع بني هاشم عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف و هو و إن لم يكن من بني هاشم إلا أنه يجري مجراهم لأن بني المطلب و بني هاشم كانوا يدا واحدة لم يفترقوا في جاهلية و لا إسلام. و كان العباس رحمه الله في حصار الشعب معهم إلا أنه كان على دين قومه و كذلك عقيل بن أبي طالب و طالب بن أبي طالب و نوفل بن الحارث بن عبد المطلب و أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب و ابنه الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب و كان شديدا على رسول الله ص يبغضه و يهجوه بالأشعار إلا أنه كان لا يرضى بقتله و لا يقار قريشا في دمه محافظة على النسب و كان سيد المحصورين في الشعب و رئيسهم و شيخهم أبو طالب بن عبد المطلب و هو الكافل و المحامي
اختلاف الرأي في إيمان أبي طالب
و اختلف الناس في إيمان أبي طالب فقالت الإمامية و أكثر الزيدية ما مات إلا مسلما. شرح نهج البلاغة ج : 14 ص : 66و قال بعض شيوخنا المعتزلة بذلك منهم الشيخ أبو القاسم البلخي و أبو جعفر الإسكافي و غيرهما. و قال أكثر الناس من أهل الحديث و العامة من شيوخنا البصرن و غيرهم مات على دين قومه و
يروون في ذلك حديثا مشهورا أن رسول الله ص قال له عند موته قل يا عم كلمة أشهد لك بها غدا عند الله تعالى(15/53)

142 / 147
ع
En
A+
A-