و الله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينافانفذ لأمرك ما عليك مخافة و ابشر و قر بذاك منه عيوناو دعوتني و زعمت أنك ناصحي و لقد صدقت و كنت قبل أميناو عرضت دينا قد علمت بأنه من خير أديان البرية دينالو لا الملامة أو حذاري سبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا
قال محمد بن إسحاق ثم إن قريشا حين عرفت أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله ص و إسلامه إليهم و رأوا إجماعه على مفارقتهم و عداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي و كان أجمل فتى في قريش فقالوا له يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أبهى فتى في قريش و أجمله فخذه إليك فاتخذه ولدا فهو لك و أسلم لنا هذا ابن أخيك الذي قد خالف دينك و دين آبائك و فرق جماعة قومك لنقتله فإنما هو رجل برجل فقال أبو طالب و الله ما أنصفتموني تعطوني ابنكم أغذوه لكم و أعطيكم ابني تقتلونه هذا و الله ما لا يكون أبدا فقال له المطعم بن عدي بن نوفل و كان له صديقا مصافيا و الله يا أبا طالب ما أراك تريد أن تقبل من قومك شيئا لعمري قد جهدوا في التخلص مما تكره و أراك لا تنصفهم فقال أبو طالب و الله ما أنصفوني و لا أنصفتني و لكنك قد أجمعت على خذلاني و مظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك شرح نهجلبلاغة ج : 14 ص : 56قال فعند ذلك تنابذ القوم و صارت الأحقاد و نادى بعضهم بعضا و تذامروا بينهم على من في القبائل من المسلمين الذين اتبعوا محمدا ص فوثبت كل قبيلة على من فيها منهم يعذبونهم و يفتنونهم عن دينهم و منع الله رسوله منهم بعمه أبي طالب و قام في بني هاشم و بني عبد المطلب حين رأى قريشا تصنع ما تصنع فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله ص و القيام دونه فاجتمعوا إليه و قاموا معه و أجابوه إلى ما دعاهم إليه من الدفاع عن رسول الله ص إلا ما كان من أبي لهب فإنه لم يجتمع معهم على ذلك فكان أبو طالب يرسل إليه الأشعار و يناشده النصر منها القطعة التي أولها(15/44)
حديث عن أبي لهب أتانا و كانفه على ذاكم رجال
و منها القطعة التي أولها
أ ظننت عني قد خذلت و غالني منك الغوائل بعد شيب المكبر
و منها القطعة التي أولها
تستعرض الأقوام توسعهم عذرا و ما إن قلت من عذر
قال محمد بن إسحاق فلم يؤثر عن أبي لهب خير قط إلا ما يروى أن أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي لما وثب عليه قومه ليعذبوه و يفتنوه عن الإسلام هرب منهم فاستجار بأبي طالب و أم أبي طالب مخزومية و هي أم عبد الله والد رسول الله ص فأجاره فمشى إليه رجال من بني مخزوم و قالوا له يا أبا طالب هبك منعت منا ابن أخيك محمدا فما لك و لصاحبنا تمنعه منا قال إنه استجار بي و هو ابن أختي و إن أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي فارتفعت أصواتهم و أصواته فقام أبو لهب و لم ينصر أبا طالب قبلها و لا بعدها فقال يا معشر قريش و الله لقد أكثرتم على هذا شرح نهج البلاغة ج : 14 ص : 57الشيخ لا تزالون تتوثبون عليه في جواره من بين قومه أما و الله لتنتهن عنه أو لنقومن معه فيما قام فيه حتى يبلغ ما أراد فقالوا بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة فقاموا فانصرفوا و كان وليا لهم و معينا على رسول الله ص و أبطالب فاتقوه و خافوا أن تحمله الحمية على الإسلام فطمع فيه أبو طالب حيث سمعه قال ما قال و أمل أن يقوم معه في نصرة رسول الله ص فقال يحرضه على ذلك
و إن امرأ أبو عتيبة عمه لفي معزل من أن يسام المظالماو لا تقبلن الدهر ما عشت خطة تسب بها أما هبطت المواسماأقول له و أين منه نصيحتي أبا عتبة ثبت سوادك قائماو ول سبيل العجز غيرك منهم فإنك لم تخلق على العجز لازماو حارب فإن الحرب نصف و لن ترى أخا الحرب يعطى الخسف حتى يسالماكذبتم و بيت الله نبزى محمدا و لما تروا يوما من الشعب قائما
و قال يخاطب أبا لهب أيضا(15/45)
عجبت لحلم يا ابن شيبة عازب و أحلام أقوام لديك سخاف يقولون شايع من أراد محمدا بظلم و قم في أمره بخلاف أضاميم إما حاسد ذو خيانة و إما قريب عنك غير مصاف فلا تركبن الدهر منه ذمامة و أنت امرؤ من خير عبد مناف و لا تتركنه ما حييت لمعظم و كن رجلا ذا نجدة و عفود العدا عن ذروة هاشمية إلافهم في الناس خير إلاف فإن له قربى لديك قريبة و ليس بذي حلف و لا بمضاف و لكنه من هاشم ذي صميمها إلى أبحر فوق البحور طوا شرح نهج البلاغة ج : 14 ص : 58و زاحم جميع الناس عنه و كن له وزيرا على الأعداء غير مجاف و إن غضبت منه قريش فقل لها بني عمنا ما قومكم بضعاف و ما بالكم تغشون منه ظلامة و ما بال أحقاد هناك خوافي فما قومنا بالقوم يخشون ظلمنا و ما نحن فيما ساءهم بخفاف و لكل الحفائظ و النهى و عز ببطحاء المشاعر واف(15/46)
قال محمد بن إسحاق فلما طال البلاء على المسلمين و الفتنة و العذاب و ارتد كثير عن الدين باللسان لا بالقلب كانوا إذا عذبوهم يقولون نشهد أن هذا الله و أن اللات و العزى هي الآلهة فإذا خلوا عنهم عادوا إلى الإسلام فحبسوهم و أوثقوهم بالقد و جعلوهم في حر الشمس على الصخر و الصفا و امتدت أيام الشقاء عليهم و لم يصلوا إلى محمد ص لقيام أبي طالب دونه فأجمعت قريش على أن يكتبوا بينهم و بين بني هاشم صحيفة يتعاقدون فيها ألا يناكحوهم و لا يبايعوهم و لا يجالسوهم فكتبوها و علقوها في جوف الكعبة تأكيدا على أنفسهم و كان كاتبها منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي فلما فعلوا ذلك انحازت هاشم و المطلب فدخلوا كلهم مع أبي طالب في الشعب فاجتمعوا إليه و خرج منهم أبو لهب إلى قريش فظاهرها على قومه. قال محمد بن إسحاق فضاق الأمر ببني هاشم و عدموا القوت إلا ما كان يحمل إليهم سرا و خفية و هو شي ء قليل لا يمسك أرماقهم و أخافتهم قريش فلم يكن يظهر منهم أحد و لا يدخل إليهم أحد و ذلك أشد ما لقي رسول الله ص و أهل بيته بمكة. قال محمد بن إسحاق فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا ألا يصل إليهم شرح نهج البلاغة ج : 14 ص : 59شي ء إلقليل سرا ممن يريد صلتهم من قريش و قد كان أبو جهل بن هشام لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد و هي عند رسول الله محاصرة في الشعب فتعلق به و قال أ تحمل الطعام إلى بني هاشم و الله لا تبرح أنت و طعامك حتى أفضحك بمكة فجاءه أبو البختري العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى فقال ما لك و له قال إنه يحمل الطعام إلى بني هاشم فقال أبو البختري يا هذا إن طعاما كان لعمته عنده بعثت إليه فيه أ فتمنعه أن يأتيها بطعامها خل سبيل الرجل فأبى أبو جهل حتى نال كل منهما من صاحبه فأخذ له أبو البختري لحي بعير فضربه به فشجه و وطئه وطئا(15/47)
شديدا فانصرف و هو يكره أن يعلم رسول الله ص و بنو هاشم بذلك فيشمتوا فلما أراد الله تعالى من إبطال الصحيفة و الفرج عن بني هاشم من الضيق و الأزل الذي كانوا فيه قام هشام بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي في ذلك أحسن قيام و ذلك أن أباه عمرو بن الحارث كان أخا لنضلة بن هاشم بن عبد مناف بن قصي من أمه فكان هشام بن عمرو يحسب لذلك واصلا ببني هاشم و كان ذا شرف في قومه بني عامر بن لؤي فكان يأتي بالبعير ليلا و قد أوقره طعاما و بنو هاشم و بنو المطلب في الشعب حتى إذا أقبل به فم الشعب فمنع بخطامه من رأسه ثم يضربه على جنبه فيدخل الشعب عليهم ثم يأتي به مرة أخرى و قد أوقره تمرا فيصنع به مثل ذلك ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي فقال يا زهير أ رضيت أن تأكل الطعام و تشرب الشراب و تلبس الثياب و تنكح النساء و أخوالك حيث قد علمت لا يبتاعون و لا يبتاع منهم و لا ينكحون و لا ينكح إليهم و لا يواصلون و لا يزارون أما إني أحلف لو كان أخوك أبو الحكم بن هشام و دعوته إلى مثل ما دعاك(15/48)