له و هو في النزع فمات الرجل فنفث أبو صالح في السراج فأطفأه فقيل له في ذلك فقال إلى الآن كان الدهن الذي في المسرجة له فلما مات صار إلى الورثة. و منها الزهد و قد تكلموا في حقيقته فقال سفيان الثوري الزهد في الدنيا قصر الأمل. و قال الخواص الزهد أن تترك الدنيا فلا تبالي من أخذها. و قال أبو سليمان الداراني الزهد ترك كل ما يشغل عن الله. و قيل الزهد تحت كلمتين من القرآن العزيز لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ. و كان يقال من صدق في زهده أتته الدنيا و هي راغمة و لهذا قيل لو سقطت قلنسوة من السماء لما وقعت إلا على رأس من لا يريدها. و قال يحيى بن معاذ الزهد يسعطك الخل و الخردل و العرفان يشمك المسك و العنبر. شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 189و قيل لبعضهم ما الزهد في الدنيا قاترك ما فيها على من فيها. و قال رجل لذي النون المصري متى تراني أزهد في الدنيا قال إذا زهدت في نفسك. و قال رجل ليحيي بن معاذ متى تراني أدخل حانوت التوكل و ألبس رداء الزهد و أقعد بين الزاهدين فقال إذا صرت من رياضتك لنفسك في السر إلى حد لو قطع الله عنك القوت ثلاثة أيام لم تضعف في نفسك و لا في يقينك فأما ما لم تبلغ إلى هذه الدرجة فقعودك على بساط الزاهدين جهل ثم لا آمن أن تفتضح. و قال أحمد بن حنبل الزهد على ثلاثة أوجه ترك الحرام و هو زهد العوام و ترك الفضول من الحلال و هو زهد الخواص و ترك كل ما يشغلك عن الله و هو زهد العارفين. و قال يحيى بن معاذ الدنيا كالعروس فطالبها كماشطتها تحسن وجهها و تعطر ثوبها و الزاهد فيها كضرتها تسخم وجهها و تنتف شعرها و تحرق ثوبها و العارف مشتغل بالله لا يلتفت إليها و لا يشعر بها. و كان النصرآباذي يقول في مناجاته يا من حقن دماء الزاهدين و سفك دماء العارفين. و كان يقال إن الله تعالى جعل الخير كله في بيت و جعل مفتاحه الزهد و جعل الشر كله في بيت و جعل مفتاحه حب الدنيا.(12/157)


و منها الصمت و قدمنا فيما سبق من الأجزاء نكتا نافعة في هذا المعنى و نذكر الآن شيئا آخر
قال رسول الله ص من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يؤذين جاره و من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم ضيفه و من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيرا أو فليصمت
شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 190و قال أصحاب هذا العلم الصمت من آداب الحضرة قال الله تعالى وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا. و قال مخبرا عن الجن فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا. و قال الله تعالى مخبرا عن يوم القيامة وَ خَشَعَ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً. و قالوا كم بين عبد سكت تصونا عن الكذب و الغيبة و عبد سكت لاستيلاء سلطان الهيبة. و أنشدوا
أرتب ما أقول إذا افترقنا و أحكم دائما حجج المقال فأنساها إذا نحن التقينا و أنطق حين أنطق بالمحالو أنشدوا
فيا ليل كم من حاجة لي مهمة إذا جئتكم لم أدر بالليل ماهيا(12/158)


قالوا و ربما كان سبب الصمت و السكوت حيرة البديهة فإنه إذا ورد كشف بغتة خرست العبارات عند ذلك فلا بيان و لا نطق و طمست الشواهد فلا علم و لا حس قال الله تعالى يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ فأما إيثار أرباب المجاهدة الصمت فلما علموا في الكلام من الآفات ثم ما فيه من حط النفس و إظهار صفات المدح و الميل إلى أن يتميز من بين أشكاله بحسن النطق و غير ذلك من ضروب آفات الكلام و هذا نعت أرباب شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 191الرياضة وو أحد أركانهم في حكم مجاهدة النفس و منازلتها و تهذيب الأخلاق. و يقال إن داود الطائي لما أراد أن يقعد في بيته اعتقد أن يحضر مجلس أبي حنيفة لأنه كان تلميذا له و يقعد بين أضرابه من العلماء و لا يتكلم في مسألة على سبيل رياضته نفسه فلما قويت نفسه على ممارسة هذه الخصلة سنة كاملة قعد في بيته عند ذلك و آثر العزلة. و يقال إن عمر بن عبد العزيز كان إذا كتب كتابا فاستحسن لفظه مزق الكتاب و غيره. و قال بشر بن الحارث إذا أعجبك الكلام فاصمت فإذا أعجبك الصمت فتكلم و قال سهل بن عبد الله لا يصح لأحد الصمت حتى يلزم نفسه الخلوة و لا يصح لأحد التوبة حتى يلزم نفسه الصمت. و منها الخوف قال الله تعالى يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً. و قال تعالى وَ إِيَّايَ فَارْهَبُونِ. و قال يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ. أبو علي الدقاق الخوف على مراتب خوف و خشية و هيبة. فالخوف من شروط الإيمان و قضاياه قال الله تعالى فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. و الخشية من شروط العلم قال الله تعالى إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ. شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 192و الهيبة من شروط المعرفة قال سبحانه وَ يُحَذِّرُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ. و قال أبو عمر الدمشقي الخائف من يخاف من نفسه(12/159)


أكثر مما يخاف من الشيطان. و قال بعضهم من خاف من شي ء هرب منه و من خاف الله هرب إليه. و قال أبو سليمان الداراني ما فارق الخوف قلبا إلا خرب و منها الرجاء و قد قدمنا فيما قبل من ذكر الخوف و ارجاء طرفا صالحا قال سبحانه مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ. و الفرق بين الرجاء و التمني و كون أحدهما محمودا و الآخر مذموما أن التمني ألا يسلك طريق الاجتهاد و الجد و الرجاء بخلاف ذلك فلهذا كان التمني يورث صاحبه الكسل. و قال أبو علي الروذباري الرجاء و الخوف كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطائر و تم طيرانه و إذا نقص أحدهما وقع فيه النقص و إذا ذهبا صار الطائر في حد الموت. و قال أبو عثمان المغربي من حمل نفسه على الرجاء تعطل و من حمل نفسه على الخوف قنط و لكن من هذا مرة و من هذا مرة. و
من كلام يحيى بن معاذ و يروى عن علي بن الحسين ع يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال لأني أجدني أعتمد في الأعمال على شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 193الإخلاص و كيف أحرزها و أنا بالآفة معروف و أجدني في الذنوب أعتمد على عفوك و كيف لا تغفرها و أنت لجود موصوف
و منها الحزن و هو من أوصاف أهل السلوك. و قال أبو علي الدقاق صاحب الحزن يقطع من طريق الله في شهر ما لا يقطعه من فقد الحزن في سنتين. في الخبر النبوي ص إن الله يحب كل قلب حزين(12/160)


150 / 151
ع
En
A+
A-