و سمجها قبح صورتها و قد سمج الشي ء بالضم فهو سمج بالسكون ثم ضخم فهو ضخم و يجوز فهو سمج بالكسر مثل خشن فهو خشن. قوله و سهل طرق الآفة إليها و ذلك أنه إذا استولى العنصر الترابي على الأعضاء قوي استعدادها للاستحالة من صورتها الأولى إلى غيرها. و مستسلمات أي منقدة طائعة غير عاصية فليس لها أيد تدفع عنها و لا لها قلوب تجزع و تحزن لما نزل بها. و الأشجان جمع شجن و هو الحزن. و الأقذاء جمع قذى و هو ما يسقط في العين فيؤذيها. شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 164قوله صفة حال لا تنتقل أي لا تنتقل إلى حسن و صلاح و ليس يريد لا تقل مطلقا لأنها تنتقل إلى فساد و اضمحلال. و رجل عزيز أي حدث و عزيز الجسد أي طري و أنيق اللون معجب اللون و غذي ترف قذ غذي بالترف و هو التنعم المطغي. و ربيب شرف أي قد ربي في الشرف و العز و يقال رب فلان ولده يربه ربا و رباه يربيه تربية. و يتعلل بالسرور يتلهى به عن غيره و يفزع إلى السلوة يلتجئ إليها و ضنا أي بخلا و غضارة العيش نعيمه و لينه. و شحاحة أي بخلا شححت بالكسر أشح و شححت أيضا بالفتح أشح و أشح بالضم و الكسر شحا و شحاحة و رجل شحيح و شحاح بالفتح و قوم شحاح و أشحة. و يضحك إلى الدنيا و تضحك إليه كناية عن الفرح بالعمر و العيشة و كذا كل واحد منهما يضحك إلى صاحبه لشدة الصفاء كأن الدنيا تحبه و هو يحبها. و عيش غفول قد غفل عن صاحبه فهو مستغرق في العيش لم ينتبه له الدهر فيكدر عليه وقته قال الشاعر
و كان المرء في غفلات عيش كأن الدهر عنها في وثاق
و قال الآخر
ألا إن أحلى العيش ما سمحت به صروف الليالي و الحوادث نوم(12/137)
قوله إذ وطئ الدهر به حسكة أي إذ أوطأه الدهر حسكة و الهاء في حسكة ترجع إلى الدهر عدي الفعل بحرف الجر كما تقول قام زيد بعمرو أي أقامه. شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 165و قواه جمع قوة و هي المرة من مرائر الحبل و هذا الكلام استعارة. و من كثب من قرب و البث الحزن البث أيضا الأمر الباطن الدخيل. و نجي الهم ما يناجيك و يسارك و الفترات أوائل المرض. و آنس ما كان بصحته منصوب على الحال و قال الراوندي في الشرح هذا من باب أخطب ما يكون الأمير قائما ثم ذكر أن العامل في الحال فترات قال تقديره فترات آنس ما كان و ما ذكره الراوندي فاسد فإنه ليس هذا من باب أخطب ما يكون الأمير قائما لأن ذلك حال سد مسد خبر المبتدإ و ليس هاهنا مبتدأ و أيضا فليس العامل في الحال فترات و لا فتر بل العامل تولدت و القار البارد. فإن قلت لم قال تسكين الحار بالقار و تحريك البارد بالحار و لأي معنى جعل الأول التسكين و الثاني التحريك قلت لأن من شأن الحرارة التهييج و التثوير فاستعمل في قهرها بالبارد لفظة التسكين و من شأن البرودة التخدير و التجميد فاستعمل في قهرها بالحار لفظة التحريك. قوله و لا اعتدل بممازج لتلك الطبائع إلا أمد منها كل ذات داء أي و لا استعمل دواء مفردا معتدل المزاج أو مركبا كذلك إلا و أمد كل طبيعة منها ذات مرض بمرض زائد على الأول. و ينبغي أن يكون قوله و لا اعتدل بممازج أي و لا رام الاعتدال لممتزج لأنه لو حصل له الاعتدال لكان قد برئ من مرضه فسمي محاولة الاعتدال اعتدالا لأنه بالاستدلال المعتدلات قد تهيأ للاعتدال فكان قد اعتدل بالقوة. و ينبغي أيضا أن يكون قد حذف مفعول أمد و تقديره بمرض كما قدرناه نحن و حذف المفعولات كثير واسع. شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 166قوله حتى فتر معلله لأن معللي المرض في أوائل المرض يكون عندهم نشاط لأنهم يرجون البرء فإذا رأوا أرات الهلاك فترت همتهم. قوله و ذهل ممرضه ذهل بالفتح و هذا كالأول لأن(12/138)
الممرض إذا أعيا عليه المرض و انسدت عليه أبواب التدبير يذهل. قوله و تعايا أهله بصفة دائه أي تعاطوا العي و تساكتوا إذا سئلوا عنه و هذه عادة أهل المريض المثقل يجمجمون إذا سئلوا عن حاله. قوله و تنازعوا دونه شجى خبر يكتمونه أي تخاصموا في خبر ذي شجى أي خبر ذي غصة يتنازعونه و هم حول المريض سترا دونه و هو لا يعلم بنجواهم و بما يفيضون فيه من أمره. فقائل منهم هو لمآبه أي قد أشفى على الموت و آخر يمنيهم إياب عافيته أي عودها آب فلان إلى أهله أي عاد. و آخر يقول قد رأينا مثل هذا و من بلغ إلى أعظم من هذا ثم عوفي فيمني أهله عود عافيته. و آخر يصبر أهله على فقده و يذكر فضيلة الصبر و ينهاهم عن الجزع و يروي لهم أخبار الماضين. و أسى أهليهم و الأسى جمع أسوة و هو ما يتأسى به الإنسان قالت الخنساء
و ما يبكون مثل أخي و لكن أسلي النفس عنه بالتأسي(12/139)
قوله على جناح من فراق الدنيا أي سرعان ما يفارقها لأن من كان على جناح طائر فأوشك به أن يسقط. شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 167قوله إذ عرض له عارض يعني الموت و من غصصه جمع غصة و هو ما يعترض مجرى الأنفاس و يقال إن كل ميت من الحيوان لا يموت إلا خنقا و ذلك لأنه النفس يدخل فلا يخرج عوضه أو يخرج فلا يدخل عوضه و يلزم من ذلك الاختناق لأن الرئة لا تبقى حينئذ مروحة للقلب و إذا لم تروحه اختنق. قوله فتحيرت نوافذ فطنته أي تلك الفطنة النافذة الثاقبة تحيرت عند الموت و تبلدت. قوله و يبست رطوبة لسانه لأن الرطوبة اللعابية التي بها يكون الذوق تنشف حينئذ و يبطل الإحساس باللسان تبعا لسقوط القوة. قوله فكم من مهم من جوابه عرفه فعي عن رده نحو أن يكون له مال مدفون يسأل عنه حال ما يكون محتضرا فيحاول أن يعرف أهله به فلا يستطيع و يعجز عن رد جوابهم و قد رأينا من عجز عن الكلام فأشار إشارة فهموا معناها و هي الدواة و الكاغذ فلما حضر ذلك أخذ القلم و كتب في الكاغذ ما لم يفهم و يده ترعد ثم مات قوله و دعاء مؤلم لقلبه سمعه فتصام عنه أظهر الصمم لأنه لا حيلة له. ثم وصف ذلك الدعاء فقال من كبير كان يعظمه نحو صراخ الوالد على الولد و الولد يسمع و لا يستطيع الكلام و صغير كان يرحمه نحو صراخ الولد على الوالد و هو يسمع و لا قدرة له على جوابه. ثم ذكر غمرات الدنيا فقال إنها أفظع من أن تحيط الصفات بها و تستغرقها أي تأتي على كنهها و تعبر عن حقائقها. قوله أو تعتدل على عقول أهل الدنيا هذا كلام لطيف فصيح غامض و معناه شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 168أن غمرات الموت و أهواله عظيمة جدا لا تستقيم على العقول و لا تقبلها إذا شرحت لها و وصفت كما هي على الحقيقة بل تنبو عنها و لا نصدق بما يقال فيها فعبر عن عدم استقامتها على العقول بقوله أو يعتدل كأنه جعلها كالشي ء المعوج عنلعقل فهو غير مصدق به(12/140)
إيراد أشعار و حكايات في وصف الموت و أحوال الموتى
و مما يناسب ما ذكر من حال الإنسان قول الشاعر
بينا الفتى مرح الخطا فرحا بما يسعى له إذ قيل قد مرض الفتى إذ قيل بات بليلة ما نامها إذ قيل أصبح مثقلا ما يرتجى إذ قيل أمسى شاخصا و موجها إذ قيل فارقهم و حل به الردو قال أبو النجم العجلي
و المرء كالحالم في المنام يقول إني مدرك أمامي في قابل ما فاتني في العام و المرء يدنيه إلى الحمام مر الليالي السود و الأيام إن الفتى يصبح للأسقام كالغرض المنصوب للسهام أخطأ رام و أصاب رو قال عمران بن حطان
أ في كل عام مرضة ثم نقهة و ينعى و لا ينعى متى ذا إلى متى
شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 169و لا بد من يوم يجي ء و ليلة يسوقان حتفا راح نحوك أو غو جاء في الحديث أن رسول الله ص مر بمقبرة فنادى يا أهل القبور الموحشة و الربوع المعطلة أ لا أخبركم بما حدث بعدكم تزوج نساؤكم و تبوئت مساكنكم و قسمت أموالكم هل أنتم مخبرون بما عاينتم ثم قال ألا إنهم لو أذن لهم في الجواب لقالوا وجدنا خير الزاد التقوى
و نظر الحسن إلى رجل يجود بنفسه فقال إن أمرا هذا آخره لجدير أن يزهد في أوله و إن أمرا هذا أوله لجدير أن يخاف آخره. و قال عبده بن الطبيب و يعجبني قوله على الحال التي كان عليها فإنه كان أسود لصا من لصوص بني سعد بن زيد مناه بن تميم.
و لقد علمت بأن قصري حفرة غبراء يحملني إليها شرجع فبكى بناتي شجوهن و زوجتي و الأقربون إلي ثم تصدعواو تركت في غبراء يكره وردها تسفي على الريح ثم أودع أن الحوادث يخترمن و إنما عمر الفتى في أهله مستودو نظير هذه الأبيات في رويها و عروضها قول متمم بن نويرة اليربوعي(12/141)