قوله بادون في صور الجميع مأخوذ من قول أمير المؤمنين ع فكلهم وحيد و هم جميع. و قال أيضا
و لقد حفظت له فأين حفاظه و لقد وفيت له فأين وفاؤه أوعى الدعاء فلم يجبه قطيعة أم ضل عنه من البعاد دعاؤه هيهات أصبح سمعه و عيانه في الترب قد حجبتها أقذاؤه يمسي و لين مهاده حصباؤه فيه و مؤنس ليله ظلماؤه قد قلبت أعيانه و تنكرت أعلامه و تكسفت أضو شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 158مغف و ليس للذة إغفاؤه مغض و ليس لفكرة إغضاؤه وجه كلمع البرق غاض و ميضه قلب كصدر العضب فل مضاؤه حكم البلى فيه فلو تلقى به أعداءه لرتى له أعدو قال أبو العلاء
أستغفر الله ما عندي لكم خبر و ما خطابي إلا معشرا قبرواأصبحتم في البلى غبرا ملابسكم من الهباء فأين البرد و القطركنتم على كل خطب فادح صبرا فهل شعرتم و قد جادتكم الصبرو ما درى يوم أحد بالذين ثووا فيه و لا يوم بدر أنهم نصروا
و قال أبو عارم الكلابي
أ جازعة ردينة أن أتاها نعيي أم يكون لها اصطبارإذا ما أهل قبري و دعوني و راحوا و الأكف بها غبارو غودر أعظمي في لحد قبر تراوحه الجنائب و القطارتهب الريح فوق محط قبري و يرعى حوله اللهق النوارمقيم لا يكلمه صديق بقبر لا أزور و لا أزارفذاك النأي لا الهجران حولا و حولا ثم تجتمع الديار
مر الإسكندر بمدينة قد ملكها سبعة أملاك من بيت واحد و بادوا فسأل هل بقي من نسلهم أحد قالوا بقي واحد و هو يلزم المقابر فدعا به فسأله لم تلزم المقابر قال أردت أن أميز عظام الملوك من عظام عبيدهم فوجدتها سواء قال هل لك أن تلزمني حتى أنيلك بغيتك قال لو علمت أنك تقدر على ذلك للزمتك قال و ما بغيتك شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 159قال حياة لا موت معها قال لن أقدر على ذلك قال فدعني أطلبه ممن يقدر عليه. قال النبي ص ما رأيت منظرا إلا و القبر أفظع منه
و قال ص القبر أول منزل من منازل الآخرة فمن نجا منه فما بعده أيسر و من لم ينج فما بعده شر له(12/132)


مر عبد الله بن عمر رضي الله عنه بمقبرة فصلى فيها ركعتين و قال ذكرت أهل القبور و أنه حيل بينهم و بين هذا فأحببت أن أتقرب بهما إلى الله
فإن قلت ما معنى قوله ع و بجانب الهجر و أي فائدة في لفظة جانب في هذا الموضع. قلت لأنهم يقولون فلان في جانب الهجر و في جانب القطيعة و لا يقولون في جانب الوصل و في جانب المصافاة و ذلك أن لفظة جنب في الأصل موضوعة للمباعدة و منه قولهم الجار الجنب و هو جارك من قوم غرباء يقال جنبت الرجل و أجنبته و تجنبته و تجانبته كله بمعنى و رجل أجنبي و أجنب و جنب و جانب كله بمعنى. قوله ع شاهدوا من أخطار دارهم المعنى أنه شاهد المتقون من آثار الرحمة و أماراتها و شاهد المجرمون من آثار النقمة و أماراتها عند الموت و الحصول في القبر أعظم مما كانوا يسمعون و يظنون أيام كونهم في الدنيا. ثم قال فكلا الغايتين مدت لهم المعنى مدت الغايتان غاية الشقي منهم و غاية السعيد. شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 160إلى مباءة أي إلى منزل يعظم حاله عن أن يبلغه خوف خائف أو رجاء راج و تلك المباءة هي النار أو الة و تقول قد استباء الرجل أي اتخذ مباءة و أبأت الإبل رددتها إلى مباءتها و هي معاطنها. ثم قال فلو كانوا ينطقون بها لعيوا بتشديد الياء قال الشاعر
عيوا بأمرهم كما عيت ببيضتها الحمامةجعلت لها عودين من نشم و آخر من ثمامة
و روي لعيوا بالتخفيف كما تقول حيوا قالوا ذهبت الياء الثانية لالتقاء الساكنين لأن الواو ساكنة و ضمت الياء الأولى لأجل الواو قال الشاعر
و كنا حسبناهم فوارس كهمس حيوا بعد ما ماتوا من الدهر أعصرا(12/133)


قوله لقد رجعت فيهم يقال رجع البصر نفسه و رجع زيد بصره يتعدى و لا يتعدى يقول تكلموا معنى لا صورة فأدركت حالهم بالأبصار و الأسماع العقلية لا الحسية و كلحت الوجوه كلوحا و كلاحا و هو تكشر في عبوس. و النواضر النواعم و النضرة الحسن و الرونق. و خوت الأجساد النواعم خلت من دمها و رطوبتها و حشوتها و يجوز أن يكون خوت أي سقطت قال تعالى فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها و الأهدام جمع هدم و هو الثوب البالي قال أوس
و ذات هدم عار نواشرها تصمت بالماء تولبا جذعا(12/134)


شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 161و تكاءدنا شق علينا و منه عقبة كئود و يجوز تكأدنا جاءت هذه الكلمة في أخوات لها تفعل و تفاعل بمعنى و مثله تعهد الضيعة و تعاهدها. و يقال قوله و توارثنا الوحشة كأنه لما مات الأب فاستوحش أهله منه ثم مات الابن فاستوحش منه أهله أي صار كان الابن ورث تلك الوحشة من أبيه كما تورث الأموال و هذا من باب الاستعارة. قوله و تهدمت علينا الربوع يقال تهدم فلان على فلان غضبا إذا اشتد غضبه و يجوز أن يكون تهدمت أي تساقطت و روي و تهكمت بالكاف و هو كقولك تهدمت بالتفسيرين جميعا و يعني بالربوع الصموت القبور و جعلها صموتا لأنه لا نطق فيها كما تقول ليل قائم و نهار صائم أي يقام و يصام فيهما و هذا كله على طريق الهز و التحريك و إخراج الكلام في معرض غير المعرض المعهود جعلهم لو كانوا ناطقين مخبرين عن أنفسهم لأتوا بما وصفه من أحوالهم و ورد في الحديث أن عمر حضر جنازة رجل فلما دفن قال لأصحابه قفوا ثم ضرب فأمعن في القبور و استبطأه الناس جدا ثم رجع و قد احمرت عيناه و انتفخت أوداجه فقيل أبطأت يا أمير المؤمنين فما الذي حبسك قال أتيت قبور الأحبة فسلمت فلم يردوا علي السلام فلما ذهبت أقفي ناداني التراب فقال أ لا تسألني يا عمر ما فعلت باليدين قلت ما فعلت بهما قال قطعت الكفين من الرسغين و قطعت الرسغين من الذراعين و قطعت الذراعين من المرفقين و قطعت المرفقين من العضدين و قطعت العضدين من المنكبين و قطعت المنكبين من الكتفين فلما ذهبت أقفي ناداني التراب فقال أ لا تسألني يا عمر ما فعلت بالأبدان و الرجلين قلت ما فعلت قال قطعت الكتفين من الجنبين و قطعت الجنبين من الصلب و قطعت الصلب من الوركين و قطعت الوركين من الفخذين و قطعت الفخذين من الركبتين شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 162و قطعت الركبتين من الساقين و قطعت الساقين من القدمين فلمذهبت أقفي ناداني التراب فقال يا عمر عليك بأكفان لا تبلى فقلت و ما(12/135)


أكفان لا تبلى قال تقوى الله و العمل بطاعته و هذا من الباب الذي نحن بصدده نسب الأقوال المذكورة إلى التراب و هو جماد و لم يكن ذلك و لكنه اعتبر فانقدحت في نفسه هذه المواعظ الحكمية فأفرغها في قالب الحكاية و رتبها على قانون المسألة و الإجابة و أضافها إلى جماد موات لأنه أهز لسامعها إلى تدبرها و لو قال نظرت فاعتبرت في حال الموتى فوجدت التراب قد قطع كذا من كذا لم تبلغ عظته المبلغ الذي بلغته حيث أودعها في الصورة التي اخترعها. قوله ع فلو مثلتهم بعقلك أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك إلى آخر جواب لو هذا الكلام أخذه ابن نباته بعينه فقال فلو كشفتم عنهم أغطية الأجداث بعد ليلتين أو ثلاث لوجدتم الأحداق على الخدود سائلة و الألوان من ضيق اللحود حائلة و هوام الأرض في نواعم الأبدان جائلة و الرءوس الموسدة على الأيمان زائلة ينكرها من كان لها عارفا و يفر عنها من لم يزل لها آنفا. قوله ع ارتسخت أسماعهم ليس معناه ثبتت كما زعمه الراوندي لأنها لم تثبت و إنما ثبتت الهوام فيها بل الصحيح أنه من رسخ الغدير إذا نش ماؤه و نضب و يقال قد ارتسخت الأرض بالمطر إذا ابتلعته حتى يلتقي الثريان. و استكت أي ضاقت و انسدت قال النابغة
و نبئت خير الناس أنك لمتني و تلك التي تستك منها المسامع
شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 163قوله و اكتحلت أبصارهم بالتراب فخسفت أي غارت و ذهبت في الرأس و أخذ المتنبي قوله و اكتحلت أبصارهم بالتراب فقاليدفن بعضنا بعضا و يمشي أواخرنا على هام الأوالي و كم عين مقبلة النواحي كحيل بالجنادل و الرمال و مغض كان لا يغضي لخطب و بال كان يفكر في الهزاو ذلاقة الألسن حدتها ذلق اللسان و السنان يذلق ذلقا أي ذرب فهو ذلق و أذلق. و همدت بالفتح سكنت و خمدت و عاث أفسد و قوله جديد بلى من فن البديع لأن الجدة ضد البلى و قد أخذ الشاعر هذه اللفظة فقال
يا دار غادرني جديد بلاك رث الجديد فهل رثيث لذاك(12/136)

145 / 151
ع
En
A+
A-