ص : 152مَا كَانَ يَجِدُهُ وَ تَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَرَاتُ عِلَلٍ آنَسَ مَا كَانَ بِصِحَّتِهِ فَفَزِعَ إِلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ الَطِبَّاءُ مِنْ تَسْكِينِ الْحَارِّ بِالْقَارِّ وَ تَحْرِيكِ الْبَارِدِ بِالْحَارِّ فَلَمْ يُطْفِئُ بِبَارِدٍ إِلَّا ثَوَّرَ حَرَارَةً وَ لَا حَرَّكَ بِحَارٍّ إِلَّا هَيَّجَ بُرُودَةً وَ لَا اعْتَدَلَ بِمُمَازِجٍ لِتِلْكَ الطَّبَائِعِ إِلَّا أَمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَاءٍ حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلُهُ وَ ذَهَلَ مُمَرِّضُهُ وَ تَعَايَا أَهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ وَ خَرِسُوا عَنْ جَوَابِ السَّاِئِلينَ عَنْهُ وَ تَنَازَعُوا دُونَهُ شَجِيَّ خَبَرٍ يَكْتُمُونَهُ فَقَائِلٌ هُوَ لِمَا بِهِ وَ مُمَنٍّ لَهُمْ إِيَابَ عَافِيَتِهِ وَ مُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلَى فَقْدِهِ يُذَكِّرُهُمْ أَسَى الْمَاضِينَ مِنْ قَبْلِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ عَلَى جَنَاحٍ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا وَ تَرْكِ الْأَحِبَّةِ إِذْ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنْ غُصَصِهِ فَتَحَيَّرَتْ نَوَافِذُ فِطْنَتِهِ وَ يَبِسَتْ رُطُوبَةُ لِسَانِهِ فَكَمْ مِنْ مُهِمٍّ مِنْ جَوَابِهِ عَرَفَهُ فَعَيَّ عَنْ رَدِّهِ وَ دُعَاءٍ مُؤْلِمٍ بِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصَامَّ عَنْهُ مِنْ كَبِيرٍ كَانَ يُعَظِّمُهُ أَوْ صَغِيرٍ كَانَ يَرْحَمُهُ وَ إِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ الدُّنْيَا(12/127)
هذا موضع المثل ملعا يا ظليم و إلا فالتخوية من أراد أن يعظ و يخوف و يقرع صفاة القلب و يعرف الناس قدر الدنيا و تصرفها بأهلها فليأت بمثل هذه الموعظة في مثل هذا الكلام الفصيح و إلا فليمسك فإن السكوت أستر و العي خير من منطق يفضح صاحبه و من تأمل هذا الفصل علم صدق معاوية في قوله فيه و الله ما سن شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 153الفصاحة لقريش غيره و ينبغي لو اجتمع فصحاء العرب قاطبة في مجلس و تلى عليهم أن يسجدوا له كما سجد الشعراء لقول عدي بن الرقاعقلم أصاب من الدواة مدادها(12/128)
فلما قيل لهم في ذلك قالوا إنا نعرف مواضع السجود في الشعر كما تعرفون مواضع السجود في القرآن. و إني لأطيل التعجب من رجل يخطب في الحرب بكلام يدل على أن طبعه مناسب لطباع الأسود و النمور و أمثالهما من السباع الضارية ثم يخطب في ذلك الموقف بعينه إذا أراد الموعظة بكلام يدل على أن طبعه مشاكل لطباع الرهبان لابسي المسوح الذين لم يأكلوا لحما و لم يريقوا دما فتارة يكون في صورة بسطام بن قيس الشيباني و عتيبة بن الحارث اليربوعي و عامر بن الطفيل العامري و تارة يكون في صورة سقراط الحبر اليوناني و يوحنا المعمدان الإسرائيلي و المسيح ابن مريم الإلهي. و أقسم بمن تقسم الأمم كلها به لقد قرأت هذه الخطبة منذ خمسين سنة و إلى الآن أكثر من ألف مرة ما قرأتها قط إلا و أحدثت عندي روعة و خوفا و عظة و أثرت في قلبي وجيبا و في أعضائي رعدة و لا تأملتها إلا و ذكرت الموتى من أهلي و أقاربي و أرباب ودي و خيلت في نفسي أني أنا ذلك الشخص الذي وصف ع حاله و كم قد قال الواعظون و الخطباء و الفصحاء في هذا المعنى و كم وقفت على ما قالوه و تكرر وقوفي عليه فلم أجد لشي ء منه مثل تأثير هذا الكلام في نفسي فإما أن يكون ذلك لعقيدتي في قائله أو كانت نية القائل صالحةو يقينه كان ثابتا و إخلاصه كان محضا شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 154خالصا فكان تأثير قوله في النفوس أعظم و سريان موعظته في القلوب أبلغ ثم نعود إلى تفسير الفصل فالبرزخ الحاجز بين الشيئين و البرزخ ما بين الدنيا و الآخرة من وقت الموت إلى البعث فيجوز أن يكون ارزخ في هذا الموضع القبر لأنه حاجز بين الميت و بين أهل الدنيا كالحائط المبني بين اثنين فإنه برزخ بينهما و يجوز أن يريد به الوقت الذي بين حال الموت إلى حال النشور و الأول أقرب إلى مراده ع لأنه قال في بطون البرزخ و لفظة البطون تدل على التفسير الأول و لفظتا أكلت الأرض من لحومهم و شربت من دمائهم مستعارتان. و الفجوات جمع فجوة(12/129)
و هي الفرجة المتسعة بين الشيئين قال سبحانه وَ هُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ و قد تفاجى الشي ء إذا صارت له فجوة. و جمادا لا ينمون أي خرجوا عن صورة الحيوانية إلى صورة الجماد الذي لا ينمي و لا يزيدو يروى لا ينمون بتشديد الميم من النميمة و هي الهمس و الحركة و منه قولهم أسكت الله نامته في قول من شدد و لم يهمز. و ضمارا يقال لكل ما لا يرجى من الدين و الوعد و كل ما لا تكون منه على ثقة ضمار. ثم ذكر أن الأهوال الحادثة في الدنيا لا تفزعهم و أن تنكر الأحوال بهم و بأهل الدنيا لا يحزنهم و يروى تحزنهم على أن الماضي رباعي. و مثله قوله لا يحفلون بالرواجف أي لا يكترثون بالزلازل. شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 155قوله و لا يأذنون للقواصف أي لا يسمعون الأصوات الشديدة أذنت لكذا أي سمعته. و جمع الغائب غيب و غيب و كلاهما وي هاهنا و أراد أنهم شهود في الصورة و غير حاضرين في المعنى. و ألاف على فعال جمع آلف كالطراق جمع طارق و السمار جمع سامر و الكفار جمع كافر. ثم ذكر أنه لم تعم أخبارهم أي لم تستبهم أخبارهم و تنقطع عن بعد عهد بهم و لا عن بعد منزل لهم و إنما سقوا كأس المنون التي أخرستهم بعد النطق و أصمتهم بعد السمع و أسكنتهم بعد الحركة. و قوله و بالسمع صمما أي لم يسمعوا فيها نداء المنادي و لا نوح النائح أو لم يسمع في قبورهم صوت منهم. قوله فكأنهم في ارتجال الصفة أي إذا وصفهم الواصف مرتجلا غير مترو في الصفة و لا متهيئ للقول. قال كأنهم صرعى سبات و هو نوم لأنه لا فرق في الصورة بين الميت حال موته و النائم المسبوت. ثم وصفهم بأنهم جيران إلا أنهم لا مؤانسة بينهم كجيران الدنيا و أنهم أحباء إلا أنهم لا يتزاورون كالأحباب من أهل الدنيا. و قوله أحباء جمع حبيب كخليل و أخلاء و صديق و أصدقاء. ثم ذكر أن عرا التعارف قد بليت منهم و انقطعت بينهم أسباب الإخاء و هذه كلها استعارات لطيفة مستحسنة.(12/130)
شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 156ثم وصفهم بصفة أخرى فقال كل واحد منهم موصوف بالوحدة و هم مع ذلك مجتمعون بخلاف الأحياء الذين إذا انضم بعضهم إلى بعض انتفى عنه وصف الوحدة. ثم قال و بجانب الهجر و هم أخلاء أي و كل منهم في جانب الهجر و هم مع ذلك أهل خلة و مودة أكانوا كذلك و هذا كله من باب الصناعة المعنوية و المجاز الرشيق. ثم قال إنهم لا يعرفون للنهار ليلا و لا لليل نهارا و ذلك لأن الواحد من البشر إذا مات نهارا لم يعرف لذلك النهار ليلا أبدا و إن مات ليلا لم يعرف لذلك الليل صباحا أبدا و قال الشاعر
لا بد من يوم بلا ليلة أو ليلة تأتي بلا يوم
و ليس المراد بقوله أي الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا أنهم و هم موتى يشعرون بالوقت الذي ماتوا فيه و لا يشعرون بما يتعقبه من الأوقات بل المراد أن صورة ذلك الوقت لو بقيت عندهم لبقيت أبدا من غير أن يزيلها وقت آخر يطرأ عليها و يجوز أن يفسر على مذهب من قال ببقاء الأنفس فيقال إن النفس التي تفارق ليلا تبقى الصورة الليلية و الظلمة حاصلة عندها أبدا لا تزول بطرآن نهار عليها لأنها قد فارقت الحواس فلا سبيل لها إلى أن يرتسم فيها شي ء من المحسوسات بعد المفارقة و إنما حصل ما حصل من غير زيادة عليه و كذلك الأنفس التي تفرق نهارا
بعض الأشعار و الحكايات في وصف القبور و الموتى
و اعلم أن الناس قد قالوا في حال الموتى فأكثروا فمن ذلك قول الرضي أبي الحسن رحمه الله تعالى شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 15أعزز علي بأن نزلت بمنزل متشابه الأمجاد بالأوغادفي عصبة جنبوا إلى آجالهم و الدهر يعجلهم عن الإروادضربوا بمدرجة الفناء قبابهم من غير أطناب و لا أعمادركب أناخوا لا يرجى منهم قصد لإتهام و لا إنجادكرهوا النزول فأنزلتهم وقعة للدهر باركة بكل مفادفتهافتوا عن رحل كل مذلل و تطاوحوا عن سرج كل جوادبادون في صور الجميع و إنهم متفردون تفرد الآحاد(12/131)