خطرت في النوم منها خطرة خطرة البرق بدا ثم اضمحل أي زور لك لو قصدا سرى و ملم بك لو حقا فعلفهو كما تراه يذكر البروق اللامعة حسبما ذكره الحكيم و كلاهما يتبع ألفاظ أمير المؤمنين ع لأنه حكيم الحكماء و عارف العارفين و معلم الصوفية و لو لا أخلاقه شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 139و كلامه و تعليمه للناس هذا الفن تارة بقوله و تارة بفعله لما اهتدى أحد من ه الطائفة و لا علم كيف يورد و لا كيف يصدر. و قال القشيري أيضا في الرسالة المحاضرة قبل المكاشفة فإذا حصلت المكاشفة فبعدها المشاهدة. و قال و هي أرفع الدرجات قال فالمحاضرة حضور القلب و قد تكون بتواتر البرهان و الإنسان بعد وراء الستر و إن كان حاضرا باستيلاء سلطان الذكر. و أما المكاشفة فهي حضور البين غير مفتقر إلى تأمل الدليل و تطلب السبيل ثم المشاهدة و هي وجود الحق من غير بقاء تهمة. و أحسن ما ذكر في المشاهد قول الجنيد هي وجود الحق مع فقدانك. و قال عمرو بن عثمان المكي المشاهدة أن تتوالى أنوار التجلي على القلب من غير أن يتخللها ستر و لا انقطاع كما لو قدر اتصال البروق في الليلة المظلمة فكما أنها تصير من ذلك بضوء النهار فكذلك القلب إذا دام له التجلي مع النهار فلا ليل. و أنشدوا شعرا
ليلي بوجهك مشرق و ظلامه في الناس سارفالناس في سدف الظلام و نحن في ضوء النهار
و قال الثوري لا تصح للعبد المشاهدة و قد بقي له عرق قائم. و قالوا إذا طلع الصباح استغني عن المصباح. و أنشدوا أيضا
فلما استنار الصبح طوح ضوءه بأنواره أنوار ضوء الكواكب
شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 140فجرعهم كأسا لو ابتليت لظى بتجريعه طارت كأسرع ذاهكأس و أي كأس تصطلمهم عنهم و تفنيهم و تخطفهم منهم و لا تبقيهم كأس لا تبقى و لا تذر تمحو بالكلية و لا تبقى شظية من آثار البشرية كما قال قائلهم
ساروا فلم يبق لا عين و لا أثر(12/117)


و قال القشيري أيضا هي ثلاث مراتب اللوائح ثم اللوامع ثم الطوالع فاللوائح كالبروق ما ظهرت حتى استترت كما قال القائل
فافترقنا حولا فلما التقينا كان تسليمه علي وداعا
و أنشدوا
يا ذا الذي زار و ما زارا كأنه مقتبس نارامر بباب الدار مستعجلا ما ضره لو دخل الدارا
ثم اللوامع و هي أظهر من اللوائح و ليس زوالها بتلك السرعة فقد تبقى وقتين و ثلاثة و لكن كما قيل
العين باكية لم تشبع النظرا
أو كما قالوا
و بلائي من مشهد و مغيب و حبيب مني بعيد قريب لم ترد ماء وجهه العين حتى شرقت قبل ريها برقيبفأصحاب هذا المقام بين روح و فوح لأنهم بين كشف و ستر يلمع ثم يقطع لا يستقر لهم نور النهار حتى تكر عليه عساكر الليل فهم كما قيل
و الليل يشملنا بفاضل برده و الصبح يلحفنا رداء مذهبا
ثم الطوالع و هي أبقى وقتا و أقوى سلطانا و أدوم مكثا و أذهب للظلمة و أنفي للمهمة. شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 141أ فلا ترى كلام القوم كله مشحون بالبروق و اللمعان. و كان مما نقم حامد بن العباس وزير المقتدر و علي بن عيسى الجراح وزيره أيضا على الحلاج أنهما وج في كتبه لفظ النور الشعشعاني و ذلك لجهالتهما مراد القوم و اصطلاحهم و من جهل أمرا عاداه.
ثم قال ع و تدافعته الأبواب إلى باب السلامة و دار الإقامة أي لم يزل ينتقل من مقام من مقامات القوم إلى مقام فوقه حتى وصل و تلك المقامات معروفة عند أهلها و من له أنس بها و سنذكرها فيما بعد. ثم قال و ثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الأمن و الراحة بما استعمل قلبه و أرضى ربه أي كانت الراحة الكلية و السعادة الأبدية مستثمره من ذلك التعب الذي تحمله لما استعمل قلبه و راض جوارحه و نفسه حتى وصل كما قيل
عند الصباح يحمد القوم السرى و تنجلي عنا غيابات الكرى
و قال الشاعر
تقول سليمى لو أقمت بأرضنا و لم تدر أني للمقام أطوف
و قال آخر
ما ابيض وجه المرء في طلب العلا حتى يسود وجهه في البيد
و قال(12/118)


فاطلب هدوءا بالتقلقل و استثر بالعيس من تحت السهاد هجوداما إن ترى الأحساب بيضا وضحا إلا بحيث ترى المنايا سودا
شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 215142- و من كلام له ع يحث فيه أصحابه على الجهادوَ اللَّهُ مُسْتَأْدِيكُمْ شُكْرَهُ وَ مُوَرِّثُكُمْ أَمْرَهُ وَ مُمْهِلُكُمْ فِي مِضْمَارٍ مَمْدُودٍ لِتَتَنَازَعُوا سَبَقَهُ فَشُدُّوا عُقَدَ الْمَآزِرِ وَ اطْوُوا فُضُولَ الْخَوَاصِرِ لَا تَجْتَمِعُ عَزِيمَةٌ وَ وَلِيمَةٌ مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ وَ أَمْحَى الظُّلَمَ لِتَذَاكِيرِ الْهِمَمِ
مستأديكم شكره أي طالب منكم أداء ذلك و القيام به استأديت ديني عند فلان أي طلبته. و قوله و مورثكم أمره أي سيرجع أمر الدولة إليكم و يزول أمر بني أمية. ثم شبه الآجال التي ضربت للمكلفين ليقوموا فيها بالواجبات و يتسابقوا فيها إلى الخيرات بالمضمار الممدود لخيل تتنازع فيه السبق. ثم قال فشدوا عقد المآزر أي شمروا عن ساق الاجتهاد و يقال لمن يوصى بالجد و التشمير اشدد عقدة إزارك لأنه إذا شدها كان أبعد عن العثار و أسرع للمشي. قوله و اطووا فضول الخواصر نهى عن كثرة الأكل لأن الكثير الأكل لا يطوي فضول خواصره لامتلائها و القليل الأكل يأكل في بعضها و يطوي بعضها قال الشاعر شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 14كلوا في بعض بطنكم و عفوا فإن زمانكم زمن خميص
و قال أعشى باهلة
طاوي المصير على العزاء منصلت بالقوم ليلة لا ماء و لا شجر
و قال الشنفري
و أطوي على الخمص الحوايا كما انطوت خيوطة ماري تغار و تفتلثم أتى ع بثلاثة أمثال مخترعة له لم يسبق بها و إن كان قد سبق بمعناها و هي قوله لا تجتمع عزيمة و وليمة و قوله ما أنقض النوم لعزائم اليوم و قوله و أمحى الظلم لتذاكير الهمم. فمما جاء للمحدثين من ذلك ما كتبه بعض الكتاب إلى ولده
خدمة السلطان والكا سات في أيدي الملاح ليس يلتامان فاطلب رفعة أو شرب راحو مثله قول آخر لولده(12/119)


ما للمطيع هواه من الملام ملاذفاختر لنفسك هذا مجد و هذا التذاذ
و قال آخر
و ليس فتى الفتيان من راح و اغتدى لشرب صبوح أو لشرب غبوق و لكن فتى الفتيان من راح و اغتدى لضر عدو أو لنفع صديق شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 144و هذا كثير جدا يناسب قوله لا تجتمع عزيمة و وليمة و مثل قوله ما أنقض النوم لعزائم اليوم قول الشاعرفتى لا ينام على عزمه و من صمم العزم لم يرقد
و قوله و أمحى الظلم لتذاكير الهمم أي الظلم التي ينام فيها لا كل الظلم أ لا ترى أنه إذا لم ينم في الظلمة بل كان عنده من شدة العزم و قوة التصميم ما لا ينام معه فإن الظلمة لا تمحو تذاكير هممه و التذاكير جمع تذكار. و المثلان الأولان أحسن من الثالث و كان الثالث من تتمة الثاني و قد قالت العرب في الجاهلية هذا المعنى و جاء في القرآن العزيز أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ. و هذا مثل قوله لا تجتمع عزيمة و وليمة أي لا يجتمع لكم دخول الجنة و الدعة و القعود عن مشقة الحرب
شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 216145- و من كلام له ع قاله بعد تلاوته أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ يَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ وَ زَوْراً مَا أَغْفَلَهُ وَ خَطَراً مَا أَفْظَعَهُ لَقَدِ اسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ أَيَّ مُدَّكِرٍ وَ تَنَاوَشُوهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ أَ فَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ أَمْ بِعَدِيدِ الْهَلْكَى يَتَكَاثَرُونَ(12/120)


قد اختلف المفسرون في تأويل هاتين الآيتين فقال قوم المعنى أنكم قطعتم أيام عمركم في التكاثر بالأموال و الأولاد حتى أتاكم الموت فكني عن حلول الموت بهم بزيارة المقابر. و قال قوم بل كانوا يتفاخرون بأنفسهم و تعدى ذلك إلى أن تفاخروا بأسلافهم الأموات فقالوا منا فلان و فلان لقوم كانوا و انقرضوا. و هذا هو التفسير الذي يدل عليه كلام أمير المؤمنين ع قال يا له مراما منصوب على التمييز. ما أبعده أي لا فخر في ذلك و طلب الفخر من هذا الباب بعيد و إنما الفخر بتقوى الله و طاعته. شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 146و زورا ما أغفله ارة إلى القوم الذين افتخروا جعلهم بتذكر الأموات السالفين كالزائرين لقبورهم و الزور اسم للواحد و الجمع كالخصم و الضيف قال ما أغفلهم عما يراد منهم لأنهم تركوا العبادة و الطاعة و صرموا الأوقات بالمفاخرة بالموتى. ثم قال و خطرا ما أفظعه إشارة إلى الموت أي ما أشده فظع الشي ء بالضم فهو فظيع أي شديد شنيع مجاوز للمقدار. قوله لقد استخلوا منهم أي مدكر قال الراوندي أي وجدوا موضع التذكر خاليا من الفائدة و هذا غير صحيح و كيف يقول ذلك و قد قال و خطرا ما أفظعه و هل يكون أمر أعظم تذكيرا من الاعتبار بالموتى و الصحيح أنه أرا باستخلوا ذكر من خلا من آبائهم أي من مضى يقال هذا الأمر من الأمور الخالية و هذا القرن من القرون الخالية أي الماضية. و استخلى فلان في حديثه أي حدث عن أمور خالية و المعنى أنه استعظم ما يوجبه حديثهم عما خلا و عمن خلا من أسلافهم و آثار أسلافهم من التذكير فقال أي مدكر و واعظ في ذلك و روي أي مذكر بمعنى المصدر كالمعتقد بمعنى الاعتقاد و المعتبر بمعنى الاعتبار. و تناوشوهم من مكان بعيد أي تناولوهم و المراد ذكروهم و تحدثوا عنهم فكأنهم تناولوهم و هذه اللفظة من ألفاظ القرآن العزيز وَ قالُوا آمَنَّا بِهِ وَ أَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ و أنى لهم تناول الإيمان حينئذ بعد(12/121)

142 / 151
ع
En
A+
A-