و وقص الرجل إذا اندقت عنقه فهو موقوص و وقصت عنق الرجل أقصها وقصا أي كسرتها و لا يجوز وقصت العنق نفسها. و الضمير في قوله ع لقد أتلعوا يرجع إلى قريش أي راموا الخلافة فقتلوا دونها. فإن قلت أ تقول إن طلحة و الزبير لم يكونا من أهل الخلافة إن قلت ذلك تركت مذهب أصحابك و إن لم تقله خالفت قول أمير المؤمنين لم يكونوا أهله. قلت هما أهل للخلافة ما لم يطلبها أمير المؤمنين فإذا طلبها لم يكونا أهلا لها لا هما و لا غيرهما و لو لا طاعته لمن تقدم و ما ظهر من رضاه به لم نحكم بصحة خلافته
شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 214127- و من كلام له عقَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ وَ أَمَاتَ نَفْسَهُ حَتَّى دَقَّ جَلِيلُهُ وَ لَطُفَ غَلِيظُهُ وَ بَرَقَ لَهُ لَامِعٌ كَثِيرُ الْبَرْقِ فَأَبَانَ لَهُ الطَّرِيقَ وَ سَلَكَ بِهِ السَّبِيلَ وَ تَدَافَعَتْهُ الْأَبْوَابُ إِلَى بَابِ السَّلَامَةِ وَ دَارِ الْإِقَامَةِ وَ ثَبَتَتْ رِجْلَاهُ بِطُمَأْنِينَةِ بَدَنِهِ فِي قَرَارِ الْأَمْنِ وَ الرَّاحَةِ بِمَا اسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ وَ أَرْضَى رَبَّهُ
يصف العارف يقول قد أحيا قلبه بمعرفة الحق سبحانه و أمات نفسه بالمجاهدة و رياضة القوة البدنية بالجوع و العطش و السهر و الصبر على مشاق السفر و السياحة. حتى دق جليله أي حتى نحل بدنه الكثيف. و لطف غليظه تلطفت أخلاقه و صفت نفسه فإن كدر النفس في الأكثر إنما يكون من كدر الجسد و البطنة كما قيل تذهب الفطنة
فصل في مجاهدة النفوس و ما ورد في ذلك من الآثار(12/107)
و تقول أرباب هذه الطريقة من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمة. شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 128و قال عثمان المغربي الصوفي من ظن أنه يفتح عليه شي ء من هذه الطريقة أو يكشف له عن سر من أسرارها من غير لزوم المجاهدة فهو غالط. و قال أبو عليدقاق من لم يكن في بدايته قومة لم يكن في نهايته جلسة. و من كلامهم الحركة بركة حركات الظواهر توجب بركات السرائر. و من كلامهم من زين ظاهره بالمجاهدة حسن الله سرائره بالمشاهدة. و قال الحسن الفرازيني هذا الأمر على ثلاثة أشياء ألا تأكل إلا عند الفاقة و لا تنام إلا عند الغلبة و لا تتكلم إلا عند الضرورة. و قال إبراهيم بن أدهم لن ينال الرجل درجة الصالحين حتى يغلق عن نفسه باب النعمة و يفتح عليها باب الشدة. و من كلامهم من كرمت عليه نفسه هان عليه دينه. و قال أبو علي الروذباري إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام أنا جائع فألزموه السوق و مروه بالكسب. و قال حبيب بن أوس أبو تمام و هو يقصد غير ما نحن فيه و لكنه يصلح أن يستعمل فيما نحن فيه
خذي عبرات عينك عن زماعي و صوني ما أزلت من القناع أقلي قد أضاق بكاك ذرعي و ما ضاقت بنازله ذراعي أ آلفة النحيب كم افتراق أظل فكان داعية اجتما شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 129فليست فرحة الأوبات إلا لموقوف على ترح الوداع تعجب أن رأت جسمي نحيلا كان المجد يدرك بالصراع أخو النكبات من يأوي إذا ما أطفن به إلى خلق وساع يثير عجاجة في كل فج يهيم به عدي بن الرقاع أبن مع السباع الماء حتى لخالته السباع باعو قال أيضا
فاطلب هدوءا بالتقلقل و استثر بالعيس من تحت السهاد هجوداما أن ترى الأحساب بيضا وضحا إلا بحيث ترى المنايا سودا
و جاء في الحديث أن فاطمة جاءت إلى رسول الله ص بكسرة خبز فقال ما هذه قالت قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى أتيتك منه بهذه الكسرة فأكلها و قال أما إنها لأول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث(12/108)
و كان يقال ينابيع الحكمة من الجوع و كسر عادية النفس بالمجاهدة. شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 130و قال يحيى بن معاذ لو أن الجوع يباع في السوق لما كان ينبغي لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره. و قال سهل بن عبد الله لما خلق الله الدنيا جعل في الشبع الصية و الجهل و جعل في الجوع الطاعة و الحكمة. و قال يحيى بن معاذ الجوع للمريدين رياضة و للتائبين تجربة و للزهاد سياسة و للعارفين تكرمة. و قال أبو سلمان الداراني مفتاح الدنيا الشبع و مفتاح الآخرة الجوع. و قال بعضهم أدب الجوع ألا ينقص من عادتك إلا مثل أذن السنور هكذا على التدريج حتى تصل إلى ما تريد. و يقال إن أبا تراب النخشبي خرج من البصرة إلى مكة فوصل إليها على أكلتين أكلة بالنباج و أكلة بذات عرق. قالوا و كان سهل بن عبد الله التستري إذا جاع قوي و إذا أكل ضعف. و كان منهم من يأكل كل أربعين يوما أكلة واحدة و منهم من يأكل كل ثمانين يوما أكلة واحدة. قالوا و اشتهى أبو الخير العسقلاني السمك سنين كثيرة ثم تهيأ له أكله من وجه حلال فلما مد يده ليأكل أصابت إصبعه شوكة من شوك السمك فقام و ترك الأكل و قال يا رب هذا لمن مد يده بشهوة إلى الحلال فكيف بمن مد يده بشهوة إلى الحرام. و في الكتاب العزيز وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى فالجملة الأولى هي التقوى و الثانية هي المجاهدة. شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 131و قال النبي ص أخوف ما أخاف على أمتي اتباع الهوى و طول الأمل أما اتباع الهوى فيصد عن الحق و أما طول الأمل فينسي الآخرة(12/109)
و سئل بعض الصوفية عن المجاهدة فقال ذبح النفس بسيوف المخالفة. و قال من نجمت طوارق نفسه أفلت شوارق أنسه. و قال إبراهيم بن شيبان ما بت تحت سقف و لا في موضع عليه غلق أربعين سنة و كنت أشتهي في أوقات أن أتناول شبعة عدس فلم يتفق ثم جملت إلي و أنا بالشام غضارة فيها عدسية فتناولت منها و خرجت فرأيت قوارير معلقة فيها شبه أنموذجات فظننتها خلا فقال بعض الناس أ تنظر إلى هذه و تظنها خلا و إنما هي خمر و هي أنموذجات هذه الدنان لدنان هناك فقلت قد لزمني فرض الإنكار فدخلت حانوت ذلك الخمار لأكسر الدنان و الجرار فحملت إلى ابن طولون فأمر بضربي مائتي خشبة و طرحي في السجن فبقيت مدة حتى دخل أبو عبد الله الوباني المغربي أستاذ ذلك البلد فعلم أني محبوس فشفع في فأخرجت إليه فلما وقع بصره علي قال أي شي ء فعلت فقلت شبعة عدس و مائتي خشبة فقال لقد نجوت مجانا. و قال إبراهيم الخواص كنت في جبل رأيت رمانا فاشتهيته فدنوت فأخذت منه واحدة فشققتها فوجدتها حامضة فمضيت و تركت الرمان فرأيت رجلا مطروحا قد اجتمع عليه الزنابير فسلمت عليه فرد علي باسمي فقلت كيف عرفتني قال من عرف الله لم يخف عليه شي ء فقلت له أرى لك حالا مع الله فلو سألته أن يحميك و يقيك منأذى هذه الزنابير فقال و أرى لك حالا مع الله فلو سألته أن يقيك من شهوة الرمان فإن لذع الرمان يجد الإنسان ألمه في الآخرة و لذع الزنابير شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 132يجد الإنسان ألمه في الدنيا فتركته و مضيت على وجهي. و قال يوسف بن أسباط لا يمحو الشهوات من قلب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق. و قال الخواص من ترك شهوة فلم يجد عوضها في قلبه فهو كاذب في تركها. و قال أبو علي الرباطي صحت عبد الله المروزي و كان يدخل البادية قبل أن أصحبه بلا زاد فلما صحبته قال لي أيما أحب إليك تكون أنت الأمير أم أنا قلت بل أنت فقال و عليك الطاعة قلت نعم فأخذ مخلاة و وضع فيها زادا و حملها على ظهره فكنت(12/110)
إذا قلت له أعطني حتى أحملها قال الأمير أنا و عليك الطاعة قال فأخذنا المطر ليلة فوقف إلى الصباح على رأسي و عليه كساء يمنع عني المطر فكنت أقول في نفسي يا ليتني مت و لم أقل له أنت الأمير ثم قال لي إذا صحبت إنسانا فاصحبه كما رأيتني صحبتك. أبو الطيب المتنبي
ذريني أنل ما لا ينال من العلافصعب العلا في الصعب و السهل في السهل تريدين إدراك المعالي رخيصةو لا بد دون الشهد من إبر النحلو له أيضا
و إذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام(12/111)