العدوى طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك أي ينتقم لك منه يقال استعديت الأمير على فلان فأعداني أي استعنت به عليه فأعانني. و قطعوا رحمي و قطعوا قرابتي أي أجروني مجرى الأجانب و يجوز أن يريد أنهم عدوني كالأجنبي من رسول الله ص و يجوز أن يريد أنهم جعلوني كالأجنبي شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 110منهم لا ينصرونه و لا يقومون بأمره. و أكفئوا إنائي قلبوه و كبوه و حذف الهمزة من أول الكلمة أفصح و أكثر و قد روي كذلك و يقال لمن قد أضيعت حقوقه قد أكفأ إناءه تشبيها بإضاعة اللبن من الإناء. و قد اختلفت الرواية في قوله إلا أن فيلحق أن تأخذه فرواها قوم بالنون و قوم بالتاء و قال الراوندي إنها في خط الرضي بالتاء و معنى ذلك أنك إن وليت أنت كانت ولايتك حقا و إن ولي غيرك كانت ولايته حقا على مذهب أهل الاجتهاد و من رواها بالنون فالمعنى ظاهر. و الرافد المعين و الذاب الناصر. و ضننت بهم بخلت بهم و أغضيت على كذا صبرت. و جرعت بالكسر و الشجا ما يعترض في الحلق. و الوخز الطعن الخفيف و روي من خز الشفار و الخز القطع و الشفار جمع شفرة و هي حد السيف و السكين و اعلم أن هذا الكلام قد نقل عن أمير المؤمنين ع ما يناسبه و يجري مجراه و لم يؤرخ الوقت الذي قاله فيه و لا الحال التي عناها به و أصحابنا يحملون ذلك على أنه ع قاله عقيب الشورى و بيعة عثمان فإنه ليس يرتاب أحد من أصحابنا على أنه تظلم و تألم حينئذ. و يكره أكثر أصحابنا حمل أمثال هذا الكلام على التألم من يوم السقيفة. و لقائل أن يقول لهم أ تقولون إن بيعة عثمان لم تكن صحيحة فيقولون لا فيقال شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 111لهم فعلى ما ذا تحملون كلامه ع مع تعظيمكم له و تصديقكم لأقواله فيقولون نحمل ذلك على تألمه و تظلمه منهم إذا تركوا الأولى و الأفضل فيقال لهم فلا تكرهوا قول من يقول من الشيعة و غيرهم إن هذا الكم و أمثاله صدر عنه عقيب السقيفة و حملوه على أنه تألم و تظلم من(12/92)


كونهم تركوا الأولى و الأفضل فإنكم لستم تنكرون أنه كان الأفضل و الأحق بالأمر بل تعترفون بذلك و تقولون ساغت إمامة غيره و صحت لمانع كان فيه ع و هو ما غلب على ظنون العاقدين للأمر من أن العرب لا تطيعه فإنه يخاف من فتنة عظيمة تحدث إن ولي الخلافة لأسباب يذكرونها و يعدونها و قد روى كثير من المحدثين أنه عقيب يوم السقيفة تألم و تظلم و استنجد و استصرخ حيث ساموه الحضور و البيعة و أنه قال و هو يشير إلى القبر يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي و أنه قال وا جعفراه و لا جعفر لي اليوم وا حمزتاه و لا حمزة لي اليوم. و قد ذكرنا من هذا المعنى جملة صالحة فيما تقدم و كل ذلك محمول عندنا على أنه طلب الأمر من جهة الفضل و القرابة و ليس بدال عندنا على وجود النص لأنه لو كان هناك نص لكان أقل كلفة و أسهل طريقا و أيسر لما يريد تناولا أن يقول يا هؤلاء إن العهد لم يطل و إن رسول الله ص أمركم بطاعتي و استخلفني عليكم بعده و لم يقع منه ع بعد ما علمتموه و نص ينسخ ذلك و لا يرفعه فما الموجب لتركي و العدول عني. فإن قالت الإمامية كان يخاف القتل لو ذكر ذلك فقيل لهم فهلا يخاف القتل و هو يعتل و يدفع ليبايع و هو يمتنع و يستصرخ تارة بقبر رسول الله ص(12/93)


شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 112و تارة بعمه حمزة و أخيه جعفر و هما ميتان و تارة بالأنصار و تارة ببني عبد مناف و يجمع الجموع في داره و يبث الرسل و الدعاة ليلا و نهارا إلى الناس يذكرهم فضله و قرابته و يقول للمهاجرين خصمتم الأنصار بكونكم أقرب إلى رسول الله ص أنا أخصمكم بما خصمتم به الأنصار لأن القرابة إن كانت هي المعتبرة فأنا أقرب منكم. و هلا خاف من هذا الامتناع و من هذا الاحتجاج و من الخلوة في داره بأصحابه و من تنفير الناس عن البيعة التي عقدت حينئذ لمن عقدت له. و كل هذا إذا تأمله المنصف علم أن الشيعة أصابت في أمر و أخطأت في أمر أما الأمر الذي أصابت فيه فقولها إنه امتنع و تلكأ و أراد الأمر لنفسه و أما الأمر الذي أخطأت فيه فقولها إنه كان منصوصا عليه نصا جليا بالخلافة تعلمه الصحابة كلها أو أكثرها و أن ذلك النص خولف طلبا للرئاسة الدنيوية و إيثارا للعاجلة و أن حال المخالفين للنص لا تعدو أحد أمرين إما الكفر أو الفسق فإن قرائن الأحوال و أماراتها لا تدل على ذلك و إنما تدل و تشهد بخلافه و هذا يقتضي أن أمير المؤمنين ع كان في مبدإ الأمر يظن أن العقد لغيره كان عن غير نظر في المصلحة و أنه لم يقصد به إلا صرف الأمر عنه و الاستئثار عليه فظهر منه ما ظهر من الامتناع و العقود في بيته إلى أن صح عنده و ثبت في نفسه أنهم أصابوا فيما فعلوه و أنهم لم يميلوا إلى هوى و لا أرادوا الدنيا و إنما فعلوا الأصلح في ظنونهم لأنه رأى من بغض الناس له و انحرافهم عنه و ميلهم عليه و ثوران الأحقاد التي كانت في أنفسهم و احتدام النيران التي كانت في قلوبهم و تذكروا التراث التي وتراهم فيما قبل بها و الدماء التي سفكها منهم و أراقها. شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 113و تعلل طائفة أخرى منهم للعدول عنه بصغر سنه و استهجانهم تقديم الشباب على الكهول و الشيوخ. و تعللائفة أخرى منهم بكراهية الجمع بين النبوة و الخلافة في بيت واحد(12/94)


فيجفخون على الناس كما قاله من قاله و استصعاب قوم منهم شكيمته و خوفهم تعديه و شدته و علمهم بأنه لا يداجي و لا يحابي و لا يراقب و لا يجامل في الدين و أن الخلافة تحتاج إلى من يجتهد برأيه و يعمل بموجب استصلاحه و انحراف قوم آخرين عنه للحسد الذي كان عندهم له في حياة رسول الله ص لشدة اختصاصه له و تعظيمه إياه و ما قال فيه فأكثر من النصوص الدالة على رفعة شأنه و علو مكانه و ما اختص به من مصاهرته و أخوته و نحو ذلك من أحواله معه و تنكر قوم آخرين له لنسبتهم إليه العجب و التيه كما زعموا و احتقاره العرب و استصغاره الناس كما عددوه عليه و إن كانوا عندنا كاذبين و لكنه قول قيل و أمر ذكر و حال نسبت إليه و أعانهم عليها ما كان يصدر عنه من أقوال توهم مثل هذا نحو قوله فإنا صنائع ربنا و الناس بعد صنائع لنا و ما صح به عنده أن الأمر لم يكن ليستقيم له يوما واحدا و لا ينتظم و لا يستمر و أنه لو ولي الأمر لفتقت العرب عليه فتقا يكون فيه استئصال شأفة الإسلام و هدم أركانه فأذعن بالبيعة و جنح إلى الطاعة و أمسك عن طلب الإمرة و إن كان على مضض و رمض. و قد روي عنه ع أن فاطمة ع حرضته يوما على النهوض و الوثوب فسمع صوت المؤذن أشهد أن محمدا رسول الله فقال لها أ يسرك زوال هذا النداء من الأرض قالت لا قال فإنه ما أقول لك.(12/95)


شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 114و هذا المذهب هو أقصد المذاهب و أصحها و إليه يذهب أصحابنا المتأخرون من البغداديين و به يقول. و اعلم أن حال علي ع في هذا المعنى أشهر من أن يحتاج في الدلالة عليها إلى الإسهاب و الإطناب فقد رأيت انتقاض العرب عليه من أقطارها حينويع بالخلافة بعد وفاة رسول الله ص بخمس و عشرين سنة و في دون هذه المدة تنسى الأحقاد و تموت التراث و تبرد الأكباد الحامية و تسلو القلوب الواجدة و يعدم قرن من الناس و يوجد قرن و لا يبقى من أرباب تلك الشحناء و البغضاء إلا الأقل فكانت حاله بعد هذه المدة الطويلة مع قريش كأنها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه ص من إظهار ما في النفوس و هيجان ما في القلوب حتى أن الأخلاف من قريش و الأحداث و الفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه و فتكاته في أسلافهم و آبائهم فعلوا به ما لو كانت الأسلاف أحياء لقصرت عن فعله و تقاعست عن بلوغ شأوه فكيف كانت تكون حاله لو جلس على منبر الخلافة و سيفه بعد يقطر دما من مهج العرب لا سيما قريش الذين بهم كان ينبغي لو دهمه خطب أن يعتضد و عليهم كان يجب أن يعتمد إذن كانت تدرس أعلام الملة و تنعفي رسوم الشريعة و تعود الجاهلية الجهلاء على حالها و يفسد ما أصلحه رسول الله ص في ثلاث و عشرين سنة في شهر واحد فكان من عناية الله تعالى بهذا الدين أن ألهم الصحابة ما فعلوه و الله متم نوره و لو كره المشركون شرح نهج البلاغة ج : 11 ص : 11فصل في أن جعفرا و حمزة لو كان حيين لبايعا عليا(12/96)

137 / 151
ع
En
A+
A-