و قوله تصعدان القول إشارة إلى قوله تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ و روي تسعدان القول بالسين أي هما شهادتان بالقلب يعاضدان الشهادة باللسان و يسعدانها. ثم ذكر أنهما شهادتان لا يخف ميزان هما فيه و لا يثقل ميزان رفعا عنه. أما أنه لا يثقل ميزان رفعا عنه فهذا لا كلام فيه و إنما الشأن في القضية الأولى لأن ظاهر هذا القول يشعر بمذهب المرجئة الخلص و هم أصحاب مقاتل بن سليمان القائلون إنه لا يضر مع الشهادتين معصية أصلا و إنه لا يدخل النار من في قلبه ذرة من الإيمان شرح نج البلاغة ج : 7 ص : 254و لهم على ذلك احتجاج قد ذكرناه في كتبنا الكلامية فنقول في تأويل ذلك إنه لم يحكم بهذا على مجرد الشهادتين و إنما حكم بهذا على شهادتين مقيدتين قد وصفهما بأنهما يصعدان القول و يرفعان العمل و تانك الشهادتان المقيدتان بذلك القيد إنما هو اشهادتان اللتان يقارنهما فعل الواجب و تجنب القبيح لأنه إن لم يقارنهما ذلك لم يرفعا العمل و إذا كان حكمه ع بعد خفة ميزان هما فيه إنما هو على شهادتين مقيدتين لا مطلقتين فقد بطل قول من يجعل هذا الكلام حجة للمرجئة. ثم أخذ في الوصاة بالتقوى و قال إنما الزاد في الدنيا الذي يزود منه لسفر الآخرة و بها المعاذ مصدر من عذت بكذا أي لجأت إليه و اعتصمت به. ثم وصفهما أعني الزاد و المعاذ فقال زاد مبلغ أي يبلغك المقصد و الغاية التي تسافر إليها و معاذ منجح أي يصادف عنده النجاح. دعا إليها أسمع داع يعني البارئ سبحانه لأنه أشد الأحياء أسماعا لما يدعوهم إليه و بناء أفعل هاهنا من الرباعي كما جاء ما أعطاه للمال و ما أولاه للمعروف و أنت أكرم لي من زيد أي أشد إكراما و هذا المكان أقفر من غيره أي أشد إقفارا و في المثل أفلس من ابن المذلق و روي دعا إليها أحسن داع أي أحسن داع دعا و لا بد من تقرير هذا المميز لأنه تعالى لا توصف ذاته بالحسن و إنما يوصف(8/223)


بالحسن أفعاله. و وعاها خير واع أي من وعاها عنه تعالى و عقلها و أجاب تلك الدعوة فهو خير واع. و قيل عنى بقوله أسمع داع رسول الله ص و عنى بقوله خير واع نفسه لأنه أنزل فيه وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ و الأول أظهر. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 255ثم قال فأسمع داعيها أي لم يبق أحدا من المكلفين إلا و قد أسمعه تلك الدعوة و فازوا عليها أفلح من فهمها و أجاب إليها لا بد من تقدير هذا و إلا فأي فوز يحصل لمن فهم و لم يجب و التقوى خشية الله سبحانه و مراقبته في ار و العلن و الخشية أصل الطاعات و إليها وقعت الإشارة بقوله تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ و قوله سبحانه وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ. قوله حتى أسهرت لياليهم و أظمأت هواجرهم من قول العرب نهاره صائم و ليله قائم نقلوا الفعل إلى الظرف و هو من باب الاتساع الذي يجرون فيه الظروف مجرى المفعول به فيقولون الذي سرته يوم الجمعة أي سرت فيه و قال
و يوم شهدناه سليما و عامرا
أي شهدنا فيه سليما و قد اتسعوا فأضافوا إلى الظروف فقالوا
يا سارق الليلة أهل الدار
و قال تعالى بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ فأخرجوهما بالإضافة عن الظرفية. قوله ع فأخذوا الراحة النصب يروى فاستبدلوا الراحة و النصب التعب و استقربوا الأجل رأوه قريبا. فإن قلت لما ذا كرر لفظة الأجل و في تكرارها مخالفة لفن البيان قلت إنه استعملها في الموضعين بمعنيين مختلفين فقوله استقربوا الأجل يعني المدة و قوله فلاحظوا الأجل يعني الموت نفسه. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 256و يروى موتر و موتر بالتشديد و لا تؤسى جراحه لا تطب و لا تصلح أسوت الجرح أي أصلحته و لا ينقع لا يروى شرب حتى نقع أي شف عليله و ماء ناقع هو كالناجع و ما رأيت شربه انقع منها. و إلى قوله ع يجمع ما لا يأكل و يبني ما لا يسكن نظر الشاعر فقال(8/224)


أموالنا لذوي الميراث نجمعها و دورنا لخراب الدهر نبنيها
و قال آخر
أ لم تر حوشبا أمسى يبني بناء نفعه لبني بقيلةيؤمل أن يعمر عمر نوح و أمر الله يطرق كل ليلة
قوله و من غيرها أنك ترى المرحوم مغبوطا و المغبوط مرحوما أي يصير الفقير غنيا و الغني فقيرا و قد فسره قوم فقالوا أراد أنك ترى من هو في باطن الأمر مرحوم مغبوطا و ترى من هو في باطن الأمر مغبوط مرحوما أي تحسب ذاك و تتخيله و هذا التأويل غير صحيح لأن قوله بعده ليس ذلك إلا نعيما زل و بؤسا نزل و يكذبه و يصدق التفسير الأول. و أضحى فيئها من أضحى الرجل إذا برز للشمس ثم قال لا جاء يرد و لا ماض يرتد أي يسترد و يسترجع أخذه أبو العتاهية فقال
فلا أنا راجع ما قد مضى لي و لا أنا دافع ما سوف يأتي
و إلى قوله ما أقرب الحي من الميت للحاقه به و ما أبعد الميت من الحي لانقطاعه عنه نظر الشاعر فقال
يا بعيدا عني و ليس بعيدا من لحاقي به سميع قريب(8/225)


شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 257صرت بين الورى غريبا كما أنك تحت الثرى وحيد غريب فإن قلت ما وجه تقسيمه ع الأمور التي عددها إلى الفناء و العناء و الغير و العبر قلت لقد أصاب الثغرة و طبق المفصل أ لا تراه ذكر في الفناء رمي الدهر الإنسان عن قوس الردى و في العناجمع ما لا يأكل و بناء ما لا يسكن و في الغير الفقر بعد الغنى و الغنى بعد الفقر و في العبر اقتطاع الأجل الأمل فقد ناط بكل لفظة ما يناسبها. و قد نظر بعض الشعراء إلى قوله ع ليس شي ء بشر من الشر إلا عقابه و ليس شي ء بخير من الخير إلا ثوابه فقالخير البضائع للإنسان مكرمة تنمي و تزكو إذا بارت بضائعه فالخير خير و خير منه فاعله و الشر شر و شر منه صانعهإلا أن أمير المؤمنين ع استثنى العقاب و الثواب و الشاعر جعل مكانهما فاعل الخير و الشر. ثم ذكر أن كل شي ء من أمور الدنيا المرغبة و المرهبة سماعه أعظم من عيانه و الآخرة بالعكس و هذا حق أما القضية الأولى فظاهرة و قد قال القائل اهتز عند تمني وصلها طربا و رب أمنية أحلى من الظفر
و لهذا يحرص الواحد منا على الأمر فإذا بلغه برد و فتر و لم يجده كما كان يظن في اللذة و يوصف لنا البلد البعيد عنا بالخصب و الأمن و العدل و سماح أهله و حسن نسائه و ظرف رجاله فإذا سافرنا إليه لم نجده كما وصف بل ربما وجدنا القليل من ذلك و يوصف لنا الإنسان الفاضل بالعلم بفنون من الآداب و الحكم و يبالغ الواصفون في ذلك فإذا اختبرناه وجدناه دون ما وصف و كذلك قد يخاف الإنسان حبسا أو ضربا أو نحوهما فإذا شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 258وقع فيهما هان ما كان يتخوفه و وجد الأمر دون ذلك و كذلك القتل و الموت فإن ما يستعظمه ااس منهما دون أمرهما في الحقيقة و قد قال أبو الطيب و هو حكيم الشعراء
كل ما لم يكن من الصعب في الأنفس سهل فيها إذا هو كانا(8/226)


و يقال في المثل لج الخوف تأمن و أما أحوال الآخرة فلا ريب أن الأمر فيها بالضد من ذلك لأن الذي يتصوره الناس من الجنة أنها أشجار و أنهار و مأكول و مشروب و جماع و أمرها في الحقيقة أعظم من هذا و أشرف لأن ملاذها الروحانية المقارنة لهذه الملاذ المضادة لها أعظم من هذه الملاذ بطبقات عظيمة و كذلك أكثر الناس يتوهمون أن عذاب النار يكون أياما و ينقضي كما يذهب إليه المرجئة أو أنه لا عذاب بالنار لمسلم أصلا كما هو قول الخلص من المرجئة و أن أهل النار يألفون عذابها فلا يستضرون به إذا تطاول الأمد عليهم و أمر العذاب أصعب مما يظنون خصوصا على مذهبنا في الوعيد و لو لم يكن إلا آلام النفوس باستشعارها سخط الله تعالى عليها فإن ذلك أعظم من ملاقاة جرم النار لبدن الحي. و في هذا الموضع أبحاث شريفة دقيقة ليس هذا الكتاب موضوعا لها. ثم أمرهم بأن يكتفوا من عيان الآخرة و غيبها بالسماع و الخبر لأنه لا سبيل و نحن في هذه الدار إلى أكثر من ذلك. و إلى قوله ما نقص من الدنيا و زاد في الآخرة خير مما نقص من الآخرة و زاد في الدنيا نظر أبو الطيب فقال إلا أنه أخرجه في مخرج آخر
بلاد ما اشتهيت رأيت فيها فليس يفوتها إلا كرام(8/227)

96 / 149
ع
En
A+
A-