أما مذهب جمهور أصحابنا و هم النافون للنفس الناطقة فعندهم أن الروح جسم لطيف بخاري يتكون من ألطف أجزاء الأغذية ينفذ في العروق الضوارب و الحياة عرض قائم بالروح و حال فيها فللدماغ روح دماغية و حياة حالة فيها و كذلك للقلب و كذلك للكبد و عندهم أن لملك الموت أعوانا تقبض الأرواح بحكم النيابة عنه لو لا ذلك لتعذر عليه و هو جسم أن يقبض روحين في وقت واحد في المشرق و المغرب لأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد قال أصحابنا و لا يبعد أن يكون الحفظة الكاتبون هم القابضين للأرواح عند انقضاء الأجل قالوا و كيفية القبض ولوج الملك من الفم إلى القلب لأنه جسم لطيف هوائي لا يتعذر عليه النفوذ في المخارق الضيقة فيخالط الروح شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 238التي هي كالشبيهة به لأنها جسم لطيف بخاري ثم يخرج من حيث دخل و هي معه و إنما يكون ذلك في الوقت الذي يأذن الله تعالى له فيه هو حضور الأجل فألزموا على ذلك أن يغوص الملك في الماء مع الغريق ليقبض روحه تحت الماء فالتزموا ذلك و قالوا ليس بمستحيل أن يتخلل الملك الماء في مسام الماء فإن فيه مسام و منافذ و في كل جسم على قاعدتهم في إثبات الماء في الأجسام. قالوا و لو فرضنا أنه لا مسام فيه لم يبعد أن يلجه الملك فيوسع لنفسه مكانا كما يلجه الحجر و السمك و غيرهما و كالريح الشديدة التي تقرع ظاهر البحر فتقعره و تحفره و قوة الملك أشد من قوة الريح. ثم نعود إلى الشرح فنقول الملك أصله مألك بالهمز و وزنه مفعل و الميم زائدة لأنه من الألوكة و الألوك و هي الرسالة ثم قلبت الكلمة و قدمت اللام فقيل ملأك قال الشاعر
فلست لإنسي و لكن لملأك تنزل من جو السماء يصوب
ثم تركت همزته لكثرة الاستعمال فقيل ملك فلما جمع ردت الهمزة إليه فقالوا ملائكة و ملائك قال أمية بن أبي الصلت
و كأن برقع و الملائك حولها سدر تواكله القوائم أجرد(8/208)


و التوفي الإماتة و قبض الأرواح قال الله تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها. و التقسيم الذي قسمه في وفاة الجنين حاصر لأنه مع فرضنا إياه جسما يقبض الأرواح التي في الأجسام إما أن يكون مع الجنين في جوف أمه فيقبض روحه عند حضور أجله شرح نهج الاغة ج : 7 ص : 239أو خارجا عنها و القسم الثاني ينقسم قسمين أحدهما أن يلج جوف أمه لقبض روحه فيقبضها و الثاني أن يقبضها من غير حاجة إلى الولوج إلى جوفها و ذلك بأن تطيعه الروح و تكون مسخرة إذا أراد قبضها امتدت إليه فقبضها و هذه القسمة لا يمكن الزيادة عليها و لو قسمها واضع المنطق لما زاد. ثم خرج إلى أمر آخر أعظم و أشرف مما ابتدأ به فقال كيف يصف إلهه من يعجز عن وصف مخلوق مثله و إلى هذا الغرض كان يترامى و إياه كان يقصد و إنما مهد حديث الملك و الجنين توطئة لهذا المعنى الشريف و السر الدقيق
فصل في التخلص و سياق كلام للشعراء فيه
و هذا الفن يسميه أرباب علم البيان التخلص و أكثر ما يقع في الشعر كقول أبي نواس
تقول التي من بيتها خف مركبي عزيز علينا أن نراك تسيرأ ما دون مصر للغني متطلب بلى إن أسباب الغنى لكثيرفقلت لها و استعجلتها بوادر جرت فجرى في جريهن عبيرذريني أكثر حاسديك برحلة إلى بلد فيه الخصيب أمير
و من ذلك قول أبي تمام
يقول في قومس صحبي و قد أخذت منا السرى و خطا المهرية القودأ مطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا فقلت كلا و لكن مطلع الجود
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 240و منه قول البحتريهل الشباب ملم بي فراجعة أيامه لي في أعقاب أيامي لو أنه نائل غمر يجاد به إذن تطلبته عند ابن بسطامو منه قول المتنبي و هو يتغزل بأعرابية و يصف بخلها و جبنها و قلة مطعمها و هذه كلها من الصفات الممدوحة في النساء خاصة(8/209)


في مقلتي رشأ تديرهما بدوية فتنت بها الحلل تشكو المطاعم طول هجرتها و صدودها و من الذي تصل ما أسأرت في القعب من لبن تركته و هو المسك و العسل قالت إلا تصحو فقلت لها أعلمتني أن الهوى ثمل لو أن فناخسر صبحكم و برزت وحدك عاقه الغزل و تفرقت عنكم كتائبه إن الموادع قتل ما كنت فاعلة و ضيفكم ملك الملوك و شأنك البخل أ تمنعين قرى فتفتضحي أم تبذلين له الذي يسل بل لا يحل بحيث حل به بخل و لا جور و لا وو هذا من لطيف التخلص و رشيقه و التخلص مذهب الشعراء و المتأخرون يستعملونه كثيرا و يتفاخرون فيه و يتناضلون فأما التخلص في الكلام المنثور فلا يكاد يظهر لمتصفح الرسالة أو الخطبة إلا بعد تأمل شديد و قد وردت منه مواضع في القرآن العزيز فمن شرح نهج البلاغة ج : 7 : 241أبينها و أظهرها أنه تعالى ذكر في سورة الأعراف الأمم الخالية و الأنبياء الماضين من لدن آدم ع إلى أن انتهى إلى قصة موسى فقال في آخرها بعد أن شرحها و أوضحها وَ اخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ وَ اكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ ءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ(8/210)


وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. و هذا من التخلصات اللطيفة المستحسنة
فصل في الاستطراد و إيراد شواهد للشعراء فيه
و اعلم أن من أنواع علم البيان نوعا يسمى الاستطراد و قد يسمى الالتفات و هو من جنس التخلص و شبيه به إلا أن الاستطراد هو أن تخرج بعد أن تمهد ما تريد أن تمهده إلى الأمر الذي تروم ذكره فتذكره و كأنك غير قاصد لذكره بالذات بل قد حصل و وقع ذكره بالعرض عن غير قصد ثم تدعه و تتركه و تعود إلى الأمر الذي كنت في تمهيده كالمقبل عليه و كالملغى عما استطردت بذكره فمن ذلك قول البحتري و هو يصف فرسا شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 24و أغر في الزمن البهيم محجل قد رحت منه على أغر محجل كالهيكل المبني إلا أنه في الحسن جاء كصورة في هيكل وافي الضلوع يشد عقد حزامه يوم اللقاء على معم مخول أخواله للرستمين بفارس و جدوده للتبعين بموكل يهوى كما هوت العقاب و قد رأت صيدا و ينتصب انتصاب الأجدل برقيقتين كأنما تريان من ورق عليه مكلل ما إن يعاف قذى و لو أوردته يوما خلائق حمدويه الأحول ذنب كما سحب الرشاء يذب عن عرف و عرف كالقناع المسبل جذلان ينفض عذرة في غرة يقق تسيل حجولها في جندل كالرائح النشوان أكثر مشيه عرضا على السنن البعيد الأطول ذهب الأحيث تذهب مقلة فيه بناظرها حديد الأسفل هزج الصهيل كأن في نغماته نبرات معبد في الثقيل الأول ملك القلوب فإن بدا أعطينه نظر المحب إلى الحبيب المقبأ لا تراه كيف استطرد بذكر حمدويه الأحول الكاتب و كأنه لم يقصد ذلك و لا أراده و إنما جرته القافية ثم ترك ذكره و عاد إلى وصف الفرس و لو أقسم إنسان أنه ما بنى القصيدة منذ افتتحها إلا على ذكره و لذلك(8/211)


أتى بها على روي اللام لكان صادقا فهذا هو الاستطراد. و من الفرق بينه و بين التخلص أنك في التخلص متى شرعت في ذكر الممدوح شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 243أو المهجو تركت ما كنت فيه من قبل بالكلية و أقبلت على ما تخلصت إليه من المديح و الهجاء بيتا بعد بيت حتى تنقضي القصيدة و في الاستطراد تمر على ذكر الأمر الذي استطردت به ورا كالبرق الخاطف ثم تتركه و تنساه و تعود إلى ما كنت فيه كأنك لم تقصد قصد ذاك و إنما عرض عروضا و إذا فهمت الفرق فاعلم أن الآيات التي تلوناها إذا حققت و أمعنت النظر من باب الاستطراد لا من باب التخلص و ذلك لأنه تعالى قال بعد قوله وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَ يُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ كَلِماتِهِ وَ اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ وَ قَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَ ظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فعاد إلى ما كان فيه أولا ثم مر في هذه القصة و في أحوال موسى و بني إسرائيل حتى قارب الفراغ من السورة. و من لطيف التخلص الذي يكاد يكون استطرادا لو لا أنه أفسده بالخروج إلى المدح قول أبي تمام في قصيدته التي يمدح بها محمد بن(8/212)

93 / 149
ع
En
A+
A-