السحاب يطله إذا أمطره مطرا قليلا يقول إذا أعطت قليلا من الخير أعقبت ذلك بكثير من الشر لأن التهتان الكثير المطر هتن يهتن بالكسر هتنا و هتونا و تهتانا. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 230قوله و حري أي جدير و خليق يقال بالحري أن يكون هذا الأمر كذا و هذا الأمر محراة لذلك أي مقمنة مثل محجاة و ما أحراه مثل ما أحج و أحر به مثل أحج به و تقول هو حري أن يفعل ذلك بالفتح أي جدير و قمين لا يثنى و لا يجمع قال الشاعر
و هن حري ألا يثبنك نقرة و أنت حري بالنار حين تثيب
فإذا قلت هو حر بكسر الراء و حري بتشديدها على فعيل ثنيت و جمعت فقلت هما حريان و حريان و حرون مثل عمون و أحراء أيضا و في المشدد حريون و أحرياء و هي حرية و حرية و هن حريات و حريات و حرايا. فإن قلت فهلا قال و حرية إذا أصبحت لأنه يخبر عن الدنيا قلت أراد شأنها فذكر أي و شأنها خليق أن يفعل كذا. و اعذوذب صار عذبا و احلولى صار حلوا و من هاهنا أخذ الشاعر قوله
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة إذا اخضر منها جانب جف جانب فلا تكتحل عيناك منها بعبرة على ذاهب منها فإنك ذاهبو ارتفع جانب المذكور بعد إن لأنه فاعل فعل مقدر يفسره الظاهر أي و إن اعذوذب جانب منها لأن إن تقتضي الفعل و تطلبه فهي كإذا في قوله تعالى إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ. و أمر الشي ء أي صار مرا و أوبى صار وبيا و لين الهمز لأجل السجع. و الرغب مصدر رغبت في الأمر ربة و رغبا أي أردته. يقول لا ينال الإنسان منها إرادته إلا أرهقته تعبا يقال أرهقه إثما أي حمله و كلفه. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 231فإن قلت لم خص الأمن بالجناح و الخوف بالقودام قلت لأن القوادم مقاديم الريش و الراكب عليها بعرض خطر عظيم و سقوط قريب و الجناح تر و يقي البرد و الأذى قال أبو نواس(8/203)
تغطيت من دهري بظل جناحه فصرت أرى دهري و ليس يراني فلو تسأل الأيام ما اسمي لما درت و أين مكاني ما عرفن مكانو الهاء في جناحه ترجع إلى الممدوح بهذا الشعر. و توبقه تهلكه و الأبهة الكبر و الرنق بفتح النون مصدر رنق الماء أي تكدر و بالكسر الكدر و قد روي هاهنا بالفتح و الكسر فالكسر ظاهر و الفتح على تقدير حذف المضاف أي ذو رنق. و ماء أجاج قد جمع المرارة و الملوحة أج الماء يؤج أجاجا و الصبر بكسر الباء هذا النبات المر نفسه ثم سمي كل مر صبرا و السمام جمع سم لهذا القاتل يقال سم و سم بالفتح و الضم و الجمع سمام و سموم. و رمام بالية و أسبابها حبالها و موفورها و ذو الوفر و الثروة منها و المحروب المسلوب أي لا تحمى جارا و لا تمنعه. ثم أخذ قوله تعالى وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَ ضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ فقال أ لستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا نصب أطول بأنه خبر كان و قد دلنا الكتاب الصادق على أنهم كانوا أطول شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 232أعمارا بقوله فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً و ثبت بالعيان أنهم أبقى آثارا فإن من آثارهم الأهرام و الإيوان و منارة الإسكندرية و غير ذلك و أما بعد الآمال فمرتب على طول الأعمار فكلما كانت أطول كانالآمال أبعد و إن عنى به علو الهمم فلا ريب أنهم كانوا أعلى همما من أهل هذا الزمان و قد كان فيهم من ملك معمورة الأرض كلها و كذلك القول في أعد عديدا و أكثف جنودا و العديد العدو الكثير و أعد منهم أي أكثر. قوله و لا ظهر قاطع أي قاطع لمسافة الطريق. و الفوادح المثقلات فدحه الدين أثقله و يروى بالقوادح بالقاف و هي آفة تظهر في الشجر و صدوع تظهر في الأسنان. و أوهقتهم جعلتهم في الوهق بفتح الهاء و هو حبل كالطول و يجوز التسكين مثل نهر و نهر. و القوارع المحن و الدواهي و سميت(8/204)
القيامة قارعة في الكتاب العزيز من هذا المعنى و ضعضعتهم أذلتهم قال أبو ذؤيب
أنى لريب الدهر لا أتضعضع
و ضعضعت البناء أهدمته. و عفرتهم للمناخر ألصقت أنوفهم بالعفر و هو التراب و المناسم جمع منسم بكسر السين و هو خف البعير. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 233و دان لها أطاعها و دان لها أيضا ذل و أخلد إليها مال قال تعالى وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ. و السغبلجوع يقول إنما زودتهم الجوع و هذا مثل كما قال
و مدحته فأجازني الحرمانا
و معنى قوله أو نورت لهم إلا الظلمة أي بالظلمة و هذا كقوله هل زودتهم إلا السغب و هو من باب إقامة الضد مقام الضد أي لم تسمح لهم بالنور بل بالظلمة و الضنك الضيق. ثم قال فبئست الدار و حذف الضمير العائد إليها و تقديره هي كما قال تعالى نِعْمَ الْعَبْدُ و تقديره هو. و من لم يتهمها من لم يسؤ ظنا بها و الصفيح الحجارة و الأجنان القبور الواحد جنن و المجنون المقبور و منه قول الأعرابية لله درك من مجنون في جنن و الأكنان جمع كن و هو الستر قال تعالى وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً. و الرفات العظام البالية و المندبة الندب على الميت لا يبالون بذلك لا يكترثون به و جيدوا مطروا و قحطوا انقطع المطر عنهم فأصابهم القحط و هو الجدب و إلى معنى قوله ع فهم جيرة لا يجيبون داعيا و لا يمنعون ضيما جميع و هم آحاد و جيرة و هم أبعاد متدانون لا يتزاورون و قريبون لا يتقاربون نظر البحتري فقال شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 23بنا أنت من مجفوة لم تؤنب و مهجورة في هجرها لم تعتب و نازحة و الدار منها قريبة و ما قرب ثاو في التراب مغيبو قد قال الشعراء و الخطباء في هذا المعنى كثيرا فمن ذلك قول الرضي أبي الحسن رحمه الله في مرثية لأبي إسحاق الصابي(8/205)
أعزز علي بأن نزلت بمنزل متشابه الأمجاد بالأوغادفي عصبة جنبوا إلى آجالهم و الدهر يعجلهم عن الإروادضربوا بمدرجة الفناء قبابهم من غير أطناب و لا أوتادركب أناخوا لا يرجى منهم قصد لإتهام و لا إنجادكرهوا النزول فأنزلتهم وقعة للدهر نازلة بكل مقادفتهافتوا عن رحل كل مذلل و تطاوحوا عن سرج كل جوادبادون في صور الجميع و إنهم متفردون تفرد الآحاد
فقوله بادون في صور الجمع... البيت هو قوله ع جمع و هم آحاد بعينه و قال الرضي رحمه الله تعالى أيضا
متوسدين على الخدود كأنما كرعوا على ظمإ من الصهباءصور ضننت على العيون بحسنها أمسيت أوقرها من البوغاءو نواظر كحل التراب جفونها قد كنت أحرسها من الأقذاءقربت ضرائحهم على زوارها و نأوا عن الطلاب أي تناء
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 235قوله قربت ضرائحهم... البيت هو معنى قوله ع و جيرة و هم أبعاد بعينه. و من هذا المعنى قول بعض الأعرابلكل أناس مقبر في ديارهم فهم ينقصون و القبور تزيدفكائن ترى من دار حي قد أخرجت و قبر بأكناف التراب جديدهم جيرة الأحياء أما مزارهم فدان و أما الملتقى فبعيد(8/206)
و من كلام ابن نباتة وحيدا على كثرة الجيران بعيدا على قرب المكان. و منه قوله أسير وحشة الانفراد فقير إلى اليسير من الزاد جار من لا يجير و ضيف من لا يمير حملوا و لا يرون ركبانا و انزلوا و لا يدعون ضيفانا و اجتمعوا و لا يسمون جيرانا و احتشدوا و لا يعدون أعوانا و هذا كلام أمير المؤمنين ع بعينه المذكور في هذه الخطبة و قد أخذه مصالتة. و منه قوله طحنتهم طحن الحصيد و غيبتهم تحت الصعيد فبطون الأرض لهم أوطان و هم في خرابها قطان عمروا فأخربوا و اقتربوا فاغتربوا و اصطحبوا و ما اصطحبوا. و منه قوله غيبا كأشهاد عصبا كآحاد همودا في ظلم الإلحاد إلى يوم التناد. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 236و اعلم أن هذه الخطبة ذكرها شيخنا أبو عثمان الجاحظ في كتاب البيان و التبيين و رواها لقطري بن الفجاءة و الناس يروونها لأمير المؤمنين ع و قد رأيتها في كتاب المونق لأبي عبيد الله المرزباني مرة لأمير المؤمنين ع و هي بكلام أمير المؤمنين أشبه و ليس يبعد عندي أن يكون قطري قد خطب بها بعد أن أخذها عن بعض أصحاب أمير المؤمنين ع فإن الخوارج كانوا أصحابه و أنصاره و قد لقي قطري أكثرهم
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 111237- و من خطبة له ع يذكر فيها ملك الموت و توفيه الأنفسهَلْ يُحَسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلًا أَمْ هَلْ تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّى أَحَداً بَلْ كَيْفَ يَتَوَفَّى الْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَ يَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا أَمْ الرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا أَمْ هُوَ سَاكِنٌ مَعَهُ فِي أَحْشَائِهَا كَيْفَ يَصِفُ إِلَهَهُ مَنْ يَعْجَزُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ(8/207)