نعم. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 178ثم قال ع ما لكم لا تغضبون و أنتم ترون عهود الله منقوضة و إن من العجب أن يغضب الإنسان و يأنف من نقض عهد أبيه و لا يغضب و لا يأنف لنقض عهود إلهه و خالقه. ثم ق لهم كانت الأحكام الشرعية إليكم ترد مني و من تعليمي إياكم و تثقيفي لكم ثم تصدر عنكم إلى من تعلمونه إياها من أتباعكم و تلامذتكم ثم يرجع إليكم بأن يتعلمها بنوكم و إخوتكم من هؤلاء الأتباع و التلامذة ففررتم من الزحف لما أغارت جيوش الشام عليكم و أسلمتم منازلكم و بيوتكم و بلادكم إلى أعدائكم و مكنتم الظلمة من منزلتكم حتى حكموا في دين الله بأهوائهم و عملوا بالشبهة لا بالحجة و اتسعوا في شهواتهم و مآرب أنفسهم. ثم أقسم بالله إن أهل الشام لو فرقوكم تحت كل كوكب ليجمعنكم الله ليوم و هو شر يوم لهم و كنى بذلك عن ظهور المسودة و انتقامها من أهل الشام و بني أمية و كانت المسودة المنتقمة منهم عراقية و خراسانية
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 106179- و من كلام له ع في بعض أيام صفينوَ قَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ وَ انْحِيَازَكُمْ عَنْ صُفُوفِكُمْ تَحُوزُكُمُ الْجُفَاةُ الطَّغَامُ وَ أَعْرَابُ أَهْلِ الشَّامِ وَ أَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ وَ يَآفِيخُ الشَّرَفِ وَ الْأَنْفُ الْمُقَدَّمُ وَ السَّنَامُ الْأَعْظَمُ وَ لَقَدْ شَفَى وَحَاوِحَ صَدْرِي أَنْ رَأَيْتُكُمْ بِأَخَرَةٍ تَحُوزُونَهُمْ كَمَا حَازُوكُمْ وَ تُزِيلُونَهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ كَمَا أَزَالُوكُمْ حَسّاً بِالنِّصَالِ وَ شَجْراً بِالرِّمَاحِ تَرْكَبُ أُوْلَاهُمْ أُخْرَاهُمْ كَالْإِبِلِ الْهِيمِ الْمَطْرُودَةِ تُرْمَى عَنْ حِيَاضِهَا وَ تُذَادُ عَنْ مَوَارِدِهَا(8/158)
جولتكم هزيمتكم فأجمل في اللفظ و كنى عن اللفظ المنفر عادلا عنه إلى لفظ لا تنفير فيه كما قال تعالى كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ قالوا هو كناية عن إتيان الغائط و إجمال في اللفظ. و كذلك قوله و انحيازكم عن صفوفكم كناية عن الهرب أيضا و هو من قوله تعالى إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 180و هذا باب من أبواب البيان لطيف و هو حسن التوصل بإيراد كلام غير مزعج عوضا عن لفظ يتضمن جبها و تقريعا. و تحوزكم تعدل بكم عن مراكزكم و الجفاة جمع جاف و هو الفدم الغليظ و الطغام الأاد و اللهاميم جمع لهموم و هو الجواد من الناس و الخيل قال الشاعر
لا تحسبن بياضا في منقصة إن اللهاميم في أقرابها بلق
و اليآفيخ جمع يافوخ و هو معظم الشي ء تقول قد ذهب يافوخ الليل أي أكثره و يجوز أن يريد به اليافوخ و هو أعلى الرأس و جمعه يآفيخ أيضا و أفخت الرجل ضربت يافوخه و هذا أليق لأنه ذكر بعده الأنف و السنام فحمل اليافوخ على العضو إذا أشبه. و الوحاوح الحرق و الحزازات لقيته بأخرة على فعلة أي أخيرا. و الحس القتل قال الله تعالى إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ. و شجرت زيدا بالرمح طعنته و التأنيث في أولاهم و أخراهم للكتائب. و الهيم العطاش و تذاد تصد و تمنع و قد روي الطغاة عوض الطغام. و روي حشأ بالهمز من حشأت الرجل أي أصبت حشاه. و روي بالنضال بالضاد المعجمة و هو المناضلة و المراماة. و قد ذكرنا نحن هذا الكلام فيما اقتصصناه من أخبار صفين فيما تقدم من هذا الكتاب(8/159)
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 107181- و من خطبة له ع و هي من خطب الملاحمالْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَجَلِّي لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ وَ الظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ إِذْ كَانَتِ الرَّوِيَّاتُ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِذَوِي الضَّمَائِرِ وَ لَيْسَ بِذِي ضَمِيرٍ فِي نَفْسِهِ خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَيْبِ السُّتُرَاتِ وَ أَحَاطَ بِغُمُوضِ عَقَائِدِ السَّرِيرَاتِ
الملاحم جمع ملحمة و هي الوقعة العظيمة في الحرب و لما كانت دلائل إثبات الصانع ظاهرة ظهور الشمس وصفه ع بكونه ظهر و تجلى لخلقه و دلهم عليه بخلقه إياهم و إيجاده لهم. ثم أكد ذلك بقوله و الظاهر لقلوبهم بحجته و لم يقل لعيونهم لأنه غير مرئي و لكنه ظاهر للقلوب بما أودعها من الحجج الدالة عليه. ثم نفى عنه الروية و الفكر و التمثيل بين خاطرين ليعمل على أحدهما لأن ذلك إنما يكون لأرباب الضمائر و القلوب أولي النوازع المختلفة و البواعث المتضادة. ثم وصفه بأن علمه محيط بالظاهر و الباطن و الماضي و المستقبل فقال إن علمه خرق باطن الغيوب المستورة و أحاط بالغامض من عقائد السرائر شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 18مِنْهَا فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ ص اخْتَارَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَ مِشْكَاةِ الضِّيَاءِ وَ ذُؤَابَةِ الْعَلْيَاءِ وَ سُرَّةِ الْبَطْحَاءِ وَ مَصَابِيحِ الظُّلْمَةِ وَ يَنَابِيعِ الْحِكْمَةِ
شجرة الأنبياء أولاد إبراهيم ع لأن أكثر الأنبياء منهم و المشكاة كوة غير نافذة يجعل فيها المصباح و الذؤابة طائفة من شعر الرأس و سرة البطحاء وسطها و بنو كعب بن لؤي يفخرون على بني عامر بن لؤي بأنهم سكنوا البطاح و سكنت عامر بالجبال المحيطة بمكة و سكن معها بنو فهر بن مالك رهط أبي عبيدة بن الجراح و غيره قال الشاعر
فحللت منها بالبطاح و حل غيرك بالظواهر
و قال طريح بن إسماعيل(8/160)
أنت ابن مسلنطح البطاح و لم تطرق عليك الحني و الولج
و قال بعض الطالبيين
و أنا ابن معتلج البطاح إذا غدا غيري و راح على متون ظواهر
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 183يفتر عني ركنها و حطيمها كالجفن يفتح عن سواد الناظركجبالها شرفي و مثل سهولها خلقي و مثل ظبائهن مجاوروَ مِنْهَا طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ وَ أَحْمَى مَوَاسِمَهُ يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ قُلُوبٍ عُمْيٍ وَ آذَانٍ صُمٍّ وَ أَلْسِنَةٍ بُكْمٍ مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ وَ مَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ
إنما قال دوار بطبه لأن الطبيب الدوار أكثر تجربة أو يكون عنى به أنه يدور على من يعالجه لأن الصالحين يدورون على مرضى القلوب فيعالجونهم و يقال إن المسيح رئي خارجا من بيت مومسة فقيل له يا سيدنا أ مثلك يكون هاهنا فقال إنما يأتي الطبيب المرضي. و المراهم الأدوية المركبة للجراحات و القروح و المواسم حدائد يوسم بها الخيل و غيرها. ثم ذكر أنه إنما يعالج بذلك من يحتاج إليه و هم أولو القلوب العمي و الآذان الصم و الألسنة البكم أي الخرس و هذا تقسيم صحيح حاصر لأن الضلال و مخالفة شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 184الحق يكون بثلا أمور إما بجهل القلب أو بعدم سماع المواعظ و الحجج أو بالإمساك عن شهادة التوحيد و تلاوة الذكر فهذه أصول الضلال و أما أفعال المعاصي ففروع عليها
فصل في التقسيم و ما ورد فيه من الكلام(8/161)
و صحة التقسيم باب من أبواب علم البيان و منه قوله سبحانه ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ. و هذه قسمة صحيحة لأن المكلفين إما كافر أو مؤمن أو ذو المنزلة بين المنزلتين هكذا قسم أصحابنا الآية على مذهبهم في الوعيد. و غيرهم يقول العباد إما عاص ظالم لنفسه أو مطيع مبادر إلى الخير أو مقتصد بينهما. و من التقسيم أيضا قوله وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ و مثل ذلك. و قوله تعالى هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً لأن الناس عند رؤية البرق بين خائف و طامع. و وقف سائل على مجلس الحسن البصري فقال رحم الله عبدا أعطى من سعة أو واسى من كفاف أو آثر من قلة فقال الحسن لم تترك لأحد عذرا. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 185و من التقسيمات الفاسدة في الشعر قول البحتريذاك وادي الأراك فاحبس قليلا مقصرا في ملامة أو مطيلاقف مشوقا أو مسعدا أو حزينا أو معينا أو عاذرا أو عذولا
فالتقسيم في البيت الأول صحيح و في الثاني غير صحيح لأن المشوق يكون حزينا و المسعد يكون معينا فكذلك يكون عاذرا و يكون مشوقا و يكون حزينا. و قد وقع المتنبي في مثل ذلك فقال
فافخر فإن الناس فيك ثلاثة مستعظم أو حاسد أو جاهل
فإن المستعظم يكون حاسدا و الحاسد يكون مستعظما. و من الأبيات التي ليس تقسيمها بصحيح ما ورد في شعر الحماسة(8/162)