شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 167أَلَا إِنَّ أَبْصَرَ الْأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي الْخَيْرِ طَرْفُهُ أَلَا إِنَّ أَسْمَعَ الْأَسْمَاعِ مَا وَعَى التَّذْكِيرَ وَ قَبِلَهُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاحٍ وَاعِظٍ مُتَّعِظٍ وَ امْتَاحُواِنْ صَفِيِّ عَيْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْكَدَرِ عِبَادَ اللَّهِ لَا تَرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِكُمْ وَ لَا تَنْقَادُوا إِلَى أَهْوَائِكُمْ فَإِنَّ النَّازِلَ بِهَذَا الْمَنْزِلِ نَازِلٌ بِشَفَا جُرُفٍ هَارٍ يَنْقُلُ الرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ لِرَأْيٍ يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْيٍ يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لَا يَلْتَصِقُ وَ يُقَرِّبَ مَا لَا يَتَقَارَبُ فَاللَّهَ اللَّهَ أَنْ تَشْكُوا إِلَى مَنْ لَا يُشْكِي شَجْوَكُمْ وَ لَا يَنْقُضُ بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أَبْرَمَ لَكُمْ إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ إِلَّا مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ الْإِبْلَاغُ فِي الْمَوْعِظَةِ وَ الِاجْتِهَادُ فِي النَّصِيحَةِ وَ الْإِحْيَاءُ لِلسُّنَّةِ وَ إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا وَ إِصْدَارُ السُّهْمَانِ عَلَى أَهْلِهَا فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحِ نَبْتِهِ وَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ مُسْتَثَارِ الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ وَ انْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تَنَاهَوْا عَنْهُ فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْيِ بَعْدَ التَّنَاهِي
هار الجرف يهور هورا و هئورا فهو هائر و قالوا هار خفضوه في موضع الرفع كقاض و أرادوا هائر و هو مقلوب من الثلاثي إلى الرباعي كما قلبوا شائك السلاح إلى شاكي السلاح و هورته فتهور و انهار أي انهدم. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 168و أشكيت زيدا أزلت شكايته و الشجو هم و الحزن. و صوح النبت أي جف أعلاه قال
و لكن البلاد إذا اقشعرت و صوح نبتها رعي الهشيم(8/148)
يقول ع أشد العيون إدراكا ما نفذ طرفها في الخير و أشد الأسماع إدراكا ما حفظ الموعظة و قبلها. ثم أمر الناس أن يستصبحوا أي يسرجوا مصابيحهم من شعلة سراج متعظ في نفسه واعظ لغيره و روي بالإضافة من شعلة مصباح واعظ بإضافة مصباح إلى واعظ و إنما جعله متعظا واعظا لأن من لم يتعظ في نفسه فبعيد أن يتعظ به غيره و ذلك لأن القبول لا يحصل منه و الأنفس تكون نافرة عنه و يكون داخلا في حيز قوله تعالى أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ و في قول الشاعر
لا تنه عن خلق و تأتي مثله(8/149)
و عني بهذا المصباح نفسه ع. ثم أمرهم أن يمتاحوا من عين صافية قد انتفى عنها الكدر كما يروق الشراب بالراووق فيزول عنه كدرة و الامتياح نزول البئر و مل ء الدلاء منها و يكني بهذا أيضا عن نفسه ع. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 169ثم نهاهم عن الانقياد لأهوائهم و المإلى جهالتهم و قال إن من يكون كذلك فإنه على جانب جرف متهدم و لفظة هار من الألفاظ القرآنية. ثم قال و من يكون كذلك فهو أيضا ينقل الهلاك على ظهره من موضع إلى موضع ليحدث رأيا فاسدا بعد رأي فاسد أي هو ساع في ضلال يروم أن يحتج لما لا سبيل إلى إثباته و ينصر مذهبا لا انتصار له. ثم نهاهم و حذرهم أن يشكوا إلى من لا يزيل شكايتهم و من لا رأي له في الدين و لا بصيرة لينقض ما قد أبرمه الشيطان في صدورهم لإغوائهم و يروى إلى من لا يشكي شجوكم و من ينقض برأيه ما قد أبرم لكم و هذه الرواية أليق أي لا تشكوا إلى من لا يدفع عنكم ما تشكون منه و إنما ينقض برأيه الفاسد ما قد أبرمه الحق و الشرع لكم. ثم ذكر أنه ليس على الإمام إلا ما قد أوضحه من الأمور الخمسة. ثم أمرهم بمبادرة أخذ العلم من أهله يعني نفسه ع قبل أن يموت فيذهب العلم و تصويح النبت كناية عن ذلك. ثم قال و قبل أن تشغلوا بالفتن و ما يحدث عليكم من خطوب الدنيا عن استثارة العلم من معدنه و استنباطه من قرارته. ثم أمرهم بالنهي عن المنكر و أن يتناهوا عنه قبل أن ينهوا عنه و قال إنما النهي بعد التناهي. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 170و في هذا الموضع إشكال و ذلك أن لقائل أن يقول النهي عن المن واجب على العدل و الفاسق فكيف قال إنما أمرتم بالنهي بعد التناهي و قد روي أن الحسن البصري قال للشعبي هلا نهيت عن كذا فقال يا أبا سعيد إني أكره أن أقول ما لا أفعل قال الحسن غفر الله لك و أينا يقول ما يفعل ود الشيطان لو ظفر منكم بهذه فلم يأمر أحد بمعروف و لم ينه عن منكر. و الجواب أنه ع لم يرد أن وجود النهي عن المنكر مشروط(8/150)
بانتهاء ذلك الناهي عن المنكر و إنما أراد أني لم آمركم بالنهي عن المنكر إلا بعد أن أمرتكم بالانتهاء عن المنكر فالترتيب إنما هو في أمره ع لهم بالحالتين المذكورتين لا في نهيهم و تناهيهم. فإن قلت فلما ذا قدم أمرهم بالانتهاء على أمرهم بالنهي قلت لأن إصلاح المرء نفسه أهم من الاعتناء بإصلاحه لغيره
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 105171- و من خطبة له عالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ الْإِسْلَامَ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ وَ أَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ غَالَبَهُ فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ عَنْهُ وَ نُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ وَ فَهْماً لِمَنْ عَقَلَ وَ لُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ وَ آيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَ تَبْصِرَةً لِمَنْ عَزَمَ وَ عِبْرَةً لِمَنِ اتَّعَظَ وَ نَجَاةً لِمَنْ صَدَّقَ وَ ثِقَةً لِمَنْ تَوَكَّلَ وَ رَاحَةً لِمَنْ فَوَّضَ وَ جُنَّةً لِمَنْ صَبَرَ فَهُوَ أَبْلَجُ الْمَنَاهِجِ وَ أَوْضَحُ الْوَلَائِجِ مُشْرِفُ الْمَنَارِ مُشْرِقُ الْجَوَادِّ مُضِي ءُ الْمَصَابِيحِ كَرِيمُ الْمِضْمَارِ رَفِيعُ الْغَايَةِ جَامِعُ الْحَلْبَةِ مُتَنَافِسُ السُّبْقَةِ شَرِيفُ الْفُرْسَانِ التَّصْدِيقُ ِنْهَاجُهُ وَ الصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ وَ الْمَوْتُ غَايَتُهُ وَ الدُّنْيَا مِضْمَارُهُ وَ الْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ وَ الْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ(8/151)
هذا باب من الخطابة شريف و ذلك لأنه ناط بكل واحدة من اللفظات لفظة تناسبها و تلائمها لو نيطت بغيرها لما انطبقت عليها و لا استقرت في قرارها أ لا تراه قال أمنا لمن علقه فالأمن مرتب على الاعتلاق و كذلك في سائر الفقر كالسلم المرتب على الدخول و البرهان المرتب على الكلام و الشاهد المرتب على الخصام و النور المرتب شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 172على الاستضاءة إلى آخرها أ لا ترى أنه لو قال و برهانا لمن دخله و نورا لمن خاصم عنه و شاهدا لمن استضاء به لكان قد قرن باللفظة ما لا يناسبها فكان قد خرج عن قانون الخطابة و دخل فييب ظاهر و توسم تفرس و الولائج جمع وليجة و هو المدخل إلى الوادي و غيره. و الجنة الترس و أبلج المناهج معروف الطريق. و الحلبة الخيل المجموعة للمسابقة. و المضمار موضع تضمير الخيل و زمان تضميرها و الغاية الراية المنصوبة و هو هاهنا خرقة تجعل على قصبة و تنصب في آخر المدى الذي تنتهي إليه المسابقة كأنه ع جعل الإسلام كخيل السباق التي مضمارها كريم و غايتها رفيعة عالية و حلبتها جامعة حاوية و سبقتها متنافس فيها و فرسانها أشراف. ثم وصفه بصفات أخرى فقال التصديق طريقه و الصالحات أعلامه و الموت غايته أي إن الدنيا سجن المؤمن و بالموت يخلص من ذلك السجن و يحظى بالسعادة الأبدية. قال و الدنيا مضماره كأن الإنسان يجري إلى غاية هي الموت و إنما جعلها مضمار الإسلام لأن المسلم يقطع دنياه لا لدنياه بل لآخرته فالدنيا له كالمضمار للفرس إلى الغاية المعينة. قال و القيامة حلبته أي ذات حلبته فحذف المضاف كقوله تعالى هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ أي ذوو درجات. ثم قال و الجنة سبقته أي جزاء سبقته فحذف أيضا شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 17مِنْهَا فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ ص حَتَّى أَوْرَى قَبَساً لقَابِسٍ وَ أَنَارَ عَلَماً لِحَابِسٍ فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ وَ شَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ وَ بَعِيثُكَ نِعْمَةً وَ(8/152)