شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 161إن من عبر الدنيا أن رأينا لسان مروان في فم كلب. خطب أبو مسلم بالمدينة في السنة التي حج فيها في خلافة السفاح فقال الحمد لله الذي حمد نفسه و اختار الإسلام دينا لعباده ثم أوحى إلى محمد رسول الله ص من ذلك ما أوحى و اختاره من خلقنفسه من أنفسهم و بيته من بيوتهم ثم أنزل عليه في كتابه الناطق الذي حفظه بعلمه و أشهد ملائكته على حقه قوله إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ثم جعل الحق بعد محمد ع في أهل بيته فصبر من صبر منهم بعد وفاة رسول الله ص على اللأواء و الشدة و أغضى على الاستبداد و الأثرة ثم إن قوما من أهل بيت الرسول ص جاهدوا على ملة نبيه و سنته بعد عصر من الزمان من عمل بطاعة الشيطان و عداوة الرحمن بين ظهراني قوم آثروا العاجل على الآجل و الفاني على الباقي إن رتق جور فتقوه أو فتق حق رتقوه أهل خمور و ماخور و طنابير و مزامير إن ذكروا لم يذكروا أو قدموا إلى الحق أدبروا و جعلوا الصدقات في الشبهات و المغانم في المحارم و الفي ء في الغي هكذا كان زمانهم و به كان يعمل سلطانهم و زعموا أن غير آل محمد أولى بالأمر منهم فلم و بم أيها اناس أ لكم الفضل بالصحابة دون ذوي القرابة الشركاء في النسب و الورثة في السلب مع ضربهم على الدين جاهلكم و إطعامهم في الجدب جائعكم و الله ما اخترتم من حيث اختار الله لنفسه ساعة قط و ما زلتم بعد نبيه تختارون تيميا مرة و عدويا مرة و أمويا مرة و أسديا مرة و سفيانيا مرة و مروانيا مرة شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 162حتى جاءكم من لا تعرفون اسمه و لا بيته يضربكم بسيفه فأعطيتموها عنوة و أنتم صاغرون ألا إن آل محمد أئمة الهدى و منار سبيل التقى القادة الذادة السادة بنو عم رسول الله و منزل جبريل بالتنزيل كم قصم الله بهم منبار طاغ و فاسق باغ شيد الله بهم الهدى و جلا بهم العمى لم يسمع بمثل(8/143)


العباس و كيف لا تخضع له الأمم لواجب حق الحرمة أبو رسول الله بعد أبيه و إحدى يديه و جلده بين عينيه أمينه يوم العقبة و ناصره بمكة و رسوله إلى أهلها و حاميه يوم حنين عند ملتقى الفئتين لا يخالف له رسما و لا يعصي له حكما الشافع يوم نيق العقاب إلى رسول الله في الأحزاب ها إن في هذا أيها الناس لعبرة لأولي الأبصار. قلت الأسدي عبد الله بن الزبير و من لا يعرفون اسمه و لا بيته يعني نفسه لأنه لم يكن معلوم النسب و قد اختلف فيه هل هو مولى أم عربي. و يوم العقبة يوم مبايعة الأنصار السبعين لرسول الله ص بمكة و يوم نيق العقاب يوم فتح مكة شفع العباس ذلك اليوم في أبي سفيان و في أهل مكة فعفا النبي ص عنهم. اجتمع عند المنصور أيام خلافته جماعة من ولد أبيه منهم عيسى بن موسى و العباس بن محمد و غيرهما فتذاكروا خلفاء بني أمية و السبب الذي به سلبوا عزهم فقال المنصور كان عبد الملك جبارا لا يبالي ما صنع و كان الوليد لحانا مجنونا و كان سليمان همته بطنه و فرجه و كان عمر أعور بين عميان و كان هشام رجل القوم و لم يزل بنو أمية ضابطين لما مهد لهم من السلطان يحوطونه و يصونونه و يحفظونه و يحرسون ما وهب الله لهم منه مع تسنمهم معالي الأمور و رفضهم أدانيها حتى أفضى أمرهم إلى أحداث مترفين من أبنائهم فغمطوا النعمة و لم يشكروا العافية و أساءوا الرعاية فابتدأت النقمة منهم(8/144)


شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 163باستدراج الله إياهم آمنين مكره مطرحين صيانة الخلافة مستخفين بحق الرئاسة ضعيفين عن رسوم السياسة فسلبهم الله العزة و ألبسهم الذلة و أزال عنهم النعمة. سأل المنصور ليلة عن عبد الله بن مروان بن محمد فقال له الربيع إنه في سجن أميرلمؤمنين حيا فقال المنصور قد كان بلغني كلام خاطبه به ملك النوبة لما قدم دياره و أنا أحب أن أسمعه من فيه فليؤمر بإحضاره فأحضر فلما دخل خاطب المنصور بالخلافة فأمره المنصور بالجلوس فجلس و للقيد في رجليه خشخشة قال أحب أن تسمعني كلاما قاله لك ملك النوبة حيث غشيت بلاده قال نعم قدمت إلى بلد النوبة فأقمت أياما فاتصل خبرنا بالملك فأرسل إلينا فرشا و بسطا و طعاما كثيرا و أفرد لنا منازل واسعة ثم جاءني و معه خمسون من أصحابه بأيديهم الحراب فقمت إليه فاستقبلته و تنحيت له عن صدر المجلس فلم يجلس فيه و قعد على الأرض فقلت له ما منعك من القعود على الفرش قال إني ملك و حق الملك أن يتواضع لله و لعظمته إذا رأى نعمه متجددة عنده و لما رأيت تجدد نعمة الله عندي بقصدكم بلادي و استجارتكم بي بعد عزكم و ملككم قابلت هذه النعمة بما ترى من الخضوع و التواضع ثم سكت و سكت فلبثنا ما شاء الله لا يتكلم و لا أتكلم و أصحابه قيام بالحراب على رأسه ثم قال لي لما ذا شربتم الخمر و هي محرمة عليكم في كتابكم فقلت اجترأ على ذلك عبيدنا بجهلهم قال فلم وطئتم الزروع بدوابكم و الفساد محرم عليكم في كتابكم و دينكم قلت فعل ذلك أتباعنا و عمالنا جهلا منهم قال فلم لبستم الحرير و الديباج و الذهب و هو محرم عليكم في كتابكم و دينكم قلت استعنا في أعمالنا بقوم من شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 164أبناء العجم كتاب دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك اتباعا لسنة سلفهم على كره منا فأطرق مليا إلى الأرض يقلب يده و ينكت الأرض ثم قال عبيدنا و أتباع و عمالنا و كتابنا ما الأمر كما ذكرت و لكنكم قوم استحللتم ما حرم(8/145)


الله عليكم و ركبتم ما عنه نهيتم و ظلمتم فيما ملكتم فسلبكم الله العز و ألبسكم الذل و إن له سبحانه فيكم لنقمة لم تبلغ غايتها بعد و أنا خائف أن يحل بكم العذاب و أنتم بأرضي فينالني معكم و الضيافة ثلاث فاطلبوا ما احتجتم إليه و ارتحلوا عن أرضي. فأخذنا منه ما تزودنا به و ارتحلنا عن بلده فعجب المنصور لذلك و أمر بإعادته إلى الحبس. و قد جاءنا في بعض الروايات أن السفاح لما أراد أن يقتل القوم الذين انضموا إليه من بني أمية جلس يوما على سرير بهاشمية الكوفة و جاء بنو أمية و غيرهم من بني هاشم و القواد و الكتاب فأجلسهم في دار تتصل بداره و بينه و بينهم ستر مسدول ثم أخرج إليهم أبا الجهم بن عطية و بيده كتاب ملصق فنادى بحيث يسمعون أين رسول الحسين بن علي بن أبي طالب ع فلم يتكلم أحد فدخل ثم خرج ثانية فنادى أين رسول زيد بن علي بن الحسين فلم يجبه أحد فدخل ثم خرج ثالثة فنادى أين رسول يحيى بن زيد بن علي فلم يرد أحد عليه فدخل ثم خرج رابعة فنادى أين رسول إبراهيم بن محمد الإمام و القوم ينظر بعضهم إلى بعض و قد أيقنوا بالشر ثم دخل و خرج فقال لهم إن أمير المؤمنين يقول لكم هؤلاء أهلي و لحمي فما ذا صنعتم بهم ردوهم إلي أو فأقيدوني من أنفسكم فلم ينطقوا بحرف و خرجت الخراسانية بالأعمدة فشدخوهم عن آخرهم. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 165قلت و هذا المعنى مأخوذ من قول الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب لما قتل ز بن علي ع في سنة اثنتين و عشرين و مائة في خلافة هشام بن عبد الملك و ذلك أن هشاما كتب إلى عامله بالبصرة و هو القاسم بن محمد الثقفي أن يشخص كل من بالعراق من بني هاشم إلى المدينة خوفا من خروجهم و كتب إلى عامل المدينة أن يحبس قوما منهم و أن يعرضهم في كل أسبوع مرة و يقيم لهم الكفلاء على ألا يخرجوا منها فقال الفضل بن عبد الرحمن من قصيدة له طويلة(8/146)


كلما حدثوا بأرض نقيقا ضمنونا السجون أو سيروناأشخصونا إلى المدينة أسرى لا كفاهم ربي الذي يحذروناخلفوا أحمد المطهر فينا بالذي لا يحب و استضعفوناقتلونا بغير ذنب إليهم قاتل الله أمة قتلوناما رعوا حقنا و لا حفظوا فينا وصاة الإله بالأقربيناجعلونا أدنى عدو إليهم فهم في دمائنا يسبحوناأنكروا حقنا و جاروا علينا و على غير إحنة أبغضوناغير أن النبي منا و أنا لم نزل في صلاتهم راغبيناإن دعونا إلى الهدى لم يجيبونا و كانوا عن الهدى ناكبيناأو أمرنا بالعرف لم يسمعوا منا و ردوا نصيحة الناصحيناو لقدما ما رد نصح ذوي الرأي فلم يتبعهم الجاهلونافعسى الله أن يديل أناسا من أناس فيصبحوا ظاهرينافتقر العيون من قوم سوء قد أخافوا و قتلوا المؤمنينا
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 166ليت شعري هل توجفن بي الخيل عليها الكمأة مستلئمينامن بني هاشم و من كل حي ينصرون الإسلام مستنصرينافي أناس آباؤهم نصروا الدين و كانوا لربهم ناصريناتحكم المرهفات في الهام منهم بأكف المعاشر الثائريناأين قتلى منا بغيتم عليهم ثم قتموهم ظالميناارجعوا هاشما و ردوا أبا اليقظان و ابن البديل في آخريناو ارجعوا ذا الشهادتين و قتلى أنتم في قتالهم فاجروناثم ردوا حجرا و أصحاب حجر يوم أنتم في قتلهم معتدوناثم ردوا أبا عمير و ردوا لي رشيدا و ميثما و الذيناقتلوا بالطفوف يوم حسين من بني هاشم و ردوا حسيناأين عمرو و أين بشر و قتلى معهم بالعراء ما يدفنوناارجعوا عامرا و ردوا زهيرا ثم عثمان فارجعوا عازميناو ارجعوا الحر و ابن قين و قوما قتلوا حين جاوزوا صفيناو ارجعوا هانئا و ردوا إلينا مسلما و الرواع في آخريناثم ردوا زيدا إلينا و ردوا كل من قد قتلتم أجمعينالن تردوهم إلينا و لسنا منكم غير ذلكم قابلينا(8/147)

80 / 149
ع
En
A+
A-